مقالات

حبوب الضغط والمضاد الحيوي وحقنة الأنسولين … «ضحايا الحرب الثانوية»

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

 

  • أكثر من خمس الشحنات الجوية العالمية (التي تشكل المسار الأساسي للأدوية الحيوية واللقاحات) معرضة للخطر بسبب الإغلاقات.

  • وجود مخزون إستراتيجي للأدوية الحيوية سيصبح جزءاً من مفهوم «الأمن القومي» تماماً كاحتياطي النفط أو احتياطيات الغذاء.

  • استخدام الثلج الجاف (dry ice) للحفاظ على سلسلة التبريد في المسارات الأطول

  • تشكيل فرق داخلية لتحديد أولويات الشحنات الحرجة.

  • الأدوية التي تتطلب تبريداً صارماً ولها مدة صلاحية قصيرة هي الأكثر عرضة للخطر.

  • بعض العملاء حذروا الموردين من أن مخزونهم قد ينفد خلال 4-6 أسابيع إذا لم تتحسن الأوضاع.

  • احتمالية حدوث نقص في مكونات التغليف مثل السدادات المطاطية للقوارير والبلاستيك المستخدم في أكياس المحاليل الوريدية.

 

 

آثار الحرب تضع المنظومة الدوائية تحت المجهر

الحرب الحالية أدت إلي رفع أسعار النفط وشحن الحاويات وامتدت تداعياتها لتضع المنظومة الدوائية في دول الخليج أمام “اختبار ضغط” غير مسبوق. فالممر نفسه الذي تعبره ناقلات الخام عبر مضيق هرمز، والمطارات التي اعتدنا رؤيتها بوابة للركاب والسياح، هما في الواقع شريان الحياة لجرعات أنسولين، وأقراص ضغط، وأدوية سرطان تصل يومياً إلى ملايين المرضى في دول المنطقة.

أولاً: من هرمز إلى المطارات… كيف ممكن أن تبدأ الأزمة؟

مع اتساع الحرب الحالية، انخفضت حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى نحو 10 في المئة من مستواها الطبيعي تقريباً، ما يعني عملياً شللاً شبه كامل لهذا الممر الحيوي الذي يعبره جزء مهم من تجارة العالم في النفط والبتروكيماويات والمواد الخام. هذا التراجع يرفع فوراً كلفة إنتاج كثير من المدخلات الكيميائية المستخدمة في صناعة الأدوية، بدءاً من المذيبات والمواد الوسيطة، وصولاً إلى بعض القواعد البتروكيماوية التي تُبنى عليها الأدوية الجنيسة الرخيصة وليس فقط يضرب أسعار الطاقة.

في الوقت نفسه، تلقّت سعة الشحن الجوي في الخليج ضربة قاصمة؛ التقديرات تشير إلى تراجع يصل إلى قرابة 80 في المئة في السعة المتاحة خلال أيام معدودة من التصعيد، وهو ما انعكس عالمياً في انكماش يتجاوز 20 في المئة من السعة الكلية للطيران المخصَّص للحمولات. هذه الطائرات لم تكن تحمل السائحين فقط، بل كان جزء مهم من عنابرها مخصصاً للأدوية الحساسة للحرارة: علاجات الأورام، الأدوية البيولوجية، الأنسولينات، واللقاحات.

حتى وقت قريب، كانت مطارات دبي وأبوظبي والدوحة هي العقد الرئيسية لهذه السلسلة؛ فيها مستودعات تبريد ضخمة، وخطوط توزيع متشابكة تربط بين مصانع الأدوية في أوروبا وأميركا والهند من جهة، وبين مستشفيات الخليج وآسيا وأفريقيا من جهة أخرى. تقلُّص حركة هذه المطارات دفع شركات الأدوية إلى إعادة توجيه جزء من شحناتها نحو مطارات جدة والرياض والدمام ومسقط وإسطنبول، لكن هذه البدائل – مهما توسّعت – لا تستطيع في المدى القصير أن تعوّض السعة الهائلة التي كانت توفرها موانئ ومطارات الإمارات وقطر.

ثانياً: مكونات الدواء قبل تصنيعه والأكثر تعرضاً للخطر في المنطقة

لا تعتمد المصانع على مسارات الشحن فحسب، بل تحتاج إلى مواد أولية (مكونات نشطة ووسائط كيميائية) قادمة من الصين وأوروبا، تمر غالباً عبر المنطقة نفسها أو تعتمد على مدخلات بتروكيميائية مصدرها الخليج. ومع ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل تدفق بعض هذه المواد، قد يتوقف تصنيع مستحضرات دوائية مكافئة معقدة حتى لو توفرت خطوط شحن بديلة. المشكلة إذاً لا تكمن فقط في المخزون النهائي في الخليج، بل في قدرة المصانع على مواصلة الإنتاج بالوتيرة نفسها.

أي الأدوية الأكثر عرضة للخطر؟

أدوية الأمراض المزمنة: يتوقع أن تتأثر خلال أربعة إلى ستة أسابيع من استمرار الاضطراب الأدوية المكافئة ذات الطلب اليومي المرتفع، وفي مقدمتها أدوية السكري الفموية والحقنية (الميتفورمين، مثبطات SGLT2، والأنسولينات)، وأدوية ارتفاع ضغط الدم ومدرات البول، والستاتينات المستخدمة لخفض الكوليسترول. ويُحذّر من أن نقص هذه الأدوية، خصوصاً في منطقة تعد من الأعلى عالمياً في انتشار السكري، سيترجم سريعاً إلى نقص في صيدليات الأحياء.

المضادات الحيوية: يعتمد توفير المضادات الحيوية الأساسية مثل الأموكسيسيلين والأزيثروميسين والسيفالوسبورينات على سلاسل توريد الهند والصين عبر الخليج. ويحذر مختصون من أن موجة إنفلونزا أو عدوى تنفسية حادة يمكن أن تستنزف مخزون المستشفيات خلال أيام إذا لم يُدار الاستهلاك بحذر.

أدوية السرطان والعلاجات البيولوجية: هنا يصبح تأثير إغلاق المطارات الخليجية أكثر خطورة. فالعلاجات البيولوجية، وخاصة **الأجسام المضادة أحادية النسيلة** المستخدمة في علاج الأورام، تحتاج إلى نقل جوي سريع في سلسلة تبريد مستمرة (2–8 درجات مئوية) ولها مدة صلاحية قصيرة. وكانت مطارات دبي والدوحة وأبوظبي قد طورت شبكات تبريد دوائي متقدمة. ومع تقليص نشاط هذه المطارات، يحذر خبراء مثل براشانت ياداف، الزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية، من أن هذه الأدوية من بين الأكثر عرضة للخطر. وقد حذر بعض العملاء في المنطقة مورديهم من أن مخزونهم من هذه الأدوية الحيوية قد **ينفد خلال أربعة إلى ستة أسابيع** إذا لم تتحسن الأوضاع، مما قد يجبر المرضى على إعادة بدء العلاجات أو يؤدي إلى تطور مرضهم.

مكونات التغليف والمستهلكات الطبية: لا تقتصر التداعيات على الأدوية فحسب، بل تمتد إلى “البيئة التي تعيش فيها الأدوية”. ففي تحذير غير متوقع، أشار مسؤولو الصناعة إلى احتمالية حدوث نقص في **مكونات التغليف الأساسية** مثل السدادات المطاطية للقوارير (vial stoppers) والبلاستيك المستخدم في أكياس المحاليل الوريدية (IV bags)، وهي مكونات يتم شحنها عبر المسارات المتضررة نفسها. “ليست المشكلة دائماً في نقص الدواء نفسه،” كما يقول ديفيد ويكس، الذي يغطي سلاسل الإمداد في وكالة موديز للتصنيف الائتماني، “في بعض الحالات، تكمن المشكلة في السدادة الصغيرة على القارورة التي يتم سحب الجرعة منها.”

ثالثاً: بناء رؤيا شفافة للمخاطر؟

تبدو دول الخليج في الظاهر قادرة على شراء أي دواء مهما ارتفع سعره، لكن منظومتها الدوائية تحمل نقاط ضعف بنيوية تجعلها عرضة للصدمات:

1- اعتماد شبه كامل على الاستيراد
معظم دول الخليج تستورد الغالبية الساحقة من أدويتها، مع وجود صناعات محلية محدودة تتركز على تعبئة بعض المنتجات أو تصنيع جنيسات بعد استيراد المواد الفعالة. النيّة المعلنة لبناء صناعات دوائية وطنية لم تُترجم بعد إلى طاقة إنتاجية تكفي لتغطية سلة الأمراض المزمنة والسرطانات والمضادات الحيوية.

2- مخزون قصير الأجل
بسبب كلفة التخزين وحساسية تاريخ الصلاحية، تعتمد المستشفيات والصيدليات على نظام مخزون يكفي عادة لفترة بين شهر وثلاثة أشهر للأصناف الشائعة، مع احتياطي أطول لبعض الأدوية الإستراتيجية. هذا النموذج «الرشيق» ناجح في أوقات السلم، لكنه هش في أوقات الإغلاق البحري والجوي؛ فالزمن الذي تستغرقه إعادة توجيه سلاسل الإمداد قد يساوي عمر هذا المخزون.

3- تركيز لوجستي في بضع عقد
كانت الإمارات وقطر بمثابة رئتين لوجستيتين للمنطقة؛ تعطّل جزء من قدرتهما يدفع الكويت إلى لعب دور «رئة احتياطية» لم تُصمَّم أصلاً لاستيعاب كل هذا الحجم من الشحنات المبردة والدوائية. إعادة توزيع هذا الحمل تحتاج إلى وقت واستثمارات عاجلة في مستودعات التبريد وأنظمة المناولة.

رابعاً: إلى أين تمضي الأمور في الأسابيع المقبلة؟

يُجمع معظم خبراء سلاسل الإمداد الدوائي على أن الوضع الحالي يمكن احتماله لفترة محدودة، لكن استمراره دون حلول هيكلية يرفع احتمال تحوّل «مخاطر على الورق» إلى نقص فعلي في الأدوية على أرض الواقع.

على المدى القريب، قد نرى:

* تشديداً في صرف الأدوية المزمنة بحيث تُقلَّص الكمية الممنوحة للمريض في كل وصفة لتوزيع المخزون على أطول فترة ممكنة.

* أيضا تبديل المرضى من أسماء تجارية إلى جنيسات بديلة متاحة في المخازن الوطنية أو في مصانع محلية، حتى لو تعودوا على أصناف معينة مستوردة.

* من الممكن أن يكون هناك تفاوتاً في توافر أدوية السرطان والبيولوجيات المبردة بين مستشفى وآخر، بحسب قدرة كل مؤسسة على تأمين حصة من الشحنات المبردة عبر المسارات البديلة.

 

على المدى المتوسط، إذا استمرت الحرب وإغلاق هرمز والمجال الجوي المحيط:

* سترتفع الضغوط لتطوير قدرة تصنيع محلية وإقليمية في المنطقة خاصة في أدوية الأمراض المزمنة والجنيسات الأساسية.

* سيُعاد رسم خريطة المشتريات الحكومية؛ من الاعتماد على مورد واحد في الهند أو أوروبا لكل صنف، إلى التعاقد مع موردين متعدّدين، وتوزيع المخاطر جغرافياً بين آسيا وأوروبا وربما أميركا اللاتينية.

* سيصبح وجود مخزون إستراتيجي للأدوية الحيوية جزءاً من مفهوم «الأمن القومي» تماماً كاحتياطي النفط أو احتياطيات الغذاء.

خامساً: ما الذي يمكن أن تفعله دول الخليج الآن؟

حتى في ذروة الحرب، لا تزال أمام صانع القرارمساحة للتحرك الذكي:

1- إدارة الطلب بذكاء لا بتقييد عشوائي
المطلوب تحريك منظومة وصف الدواء وترشيده:

* منع صرف كميات مفرطة تتجاوز الحاجة الواقعية.

* تشجيع الأطباء على استخدام بدائل موجودة محلياً ومتكافئة علاجياً عندما يكون ذلك آمناً.

* إطلاق حملات توعية للمرضى لشرح أن تغيير الاسم التجاري أو الشكل لا يعني تراجع الفعالية.

 

2- تنسيق خليجي فعّال
بإمكان مجلس الصحة الخليجي أن يلعب دور غرفة عمليات مشتركة:

* تبادل المعلومات حول مستويات المخزون من الأدوية الحرجة.

* الاتفاق على قوائم موحدة للأصناف ذات الأولوية القصوى في الشراء والشحن.

* تقاسم الطاقة اللوجستية في مطارات وموانئ السعودية وعمان والبحرين والكويت لتخفيف الضغط عن نقطة واحدة.

 

3- التفاوض المباشر مع مصنّعي الأدوية
بدلاً من ترك ملف التوريد بيد موزعين تجاريين، يمكن لوزارات الصحة والصناديق السيادية أن تدخل في عقود شراكة مباشرة مع كبار المنتجين في الهند وأوروبا وأميركا، تتضمن:

* حصصاً مضمونة في الإنتاج تُسلّم للخليج حتى في أوقات الأزمة.

* مشاركة في كلفة الشحن الإضافية مقابل أولوية الوصول إلى الموانئ والمطارات البديلة.

* استثمارات مشتركة في خطوط إنتاج داخل المنطقة تنقل جزءاً من التصنيع إلى «قرب السوق».

4- بناء قدرات صناعية تدريجية ولكن موجهة
لا يمكن تحقيق اكتفاء ذاتي دوائي كامل، لكن يمكن استهداف حلقات محددة ذات أثر كبير:

* تصنيع محلي للسوائل الوريدية والمحاليل.

* إنتاج جنيسات أساسية لأدوية السكري والضغط والستاتينات.

* إنشاء مستودعات تبريد إقليمية عالية السعة لأدوية السرطان والبيولوجيات، تتشارك دول الخليج في تمويلها والاستفادة منها.

خاتمة: الدواء كجزء من معادلة الأمن القومي

الحرب الحالية كشفت أن أمن الخليج لا يختزل في حماية حقول النفط وناقلات الخام؛ هناك ناقلات أخرى أصغر حجماً وأكثر تأثيراً على الحياة، تحمل عبوات دواء لا يلتفت إليها أحد على الشاشات.  الأدوية التي ممكن تكون الأكثر تضرراً اليوم هي تلك التي اعتدنا وجودها لدرجة اعتبرناها بديهية: حبوب السكري والضغط، المضادات الحيوية، أدوية السرطان المتقدمة، والمنتجات المبردة في سلاسل التطعيم والعناية المركزة.  إذا نجح صانع القرار الخليجي في تحويل هذه الأزمة إلى حافز لبناء منظومة دوائية أكثر تنوعاً وتكاملاً واستقلالية نسبية، فقد تنتهي الحرب – رغم كلفتها – إلى ولادة مفهوم جديد للأمن الصحي في المنطقة. يجب إعادة هندسة السلسلة من جذورها وعلي صانع القرار اللانتقال من إدارة المشتريات الروتينية إلى إدارة اقتصاد دوائي في زمن الحرب، قوامه الترشيد وتحديد الأولويات والتخزين الاستراتيجي والاستثمار في قدرات محلية وإقليمية ويجب الحديث عن سلاسل الإمداد مجددا ليصبح مفهوماً تقنياً لا يخص فقط اللوجستيين، بل يصبح سؤال حياة يومي يشعر به كل وزير صحة وهو يوقع عقوداً جديدة مع مصانع في بلاد بعيدة ليضمن ألا تكون رفوف الصيدليات في الخليج ضحية إضافية لهذه الحرب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى