مقالات

حرب الشرق الأوسط: شرارة تضخم عالمي وتهديد للتعافي الاقتصادي

 

لم يعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط مجرد حدث جيوسياسي محلي، بل تحول إلى عامل اقتصادي عالمي ذي تداعيات عميقة، قادر على إعادة تشكيل مسار التضخم والنمو خلال السنوات القليلة المقبلة. فبينما كان الاقتصاد العالمي يدخل العام الحالي بإشارات تعافٍ تدريجي، جاءت التوترات المتصاعدة لتعيد إحياء المخاوف القديمة المرتبطة بارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق، مهددة بتباطؤ النمو الذي طال انتظاره.

شبح التضخم يعود ليطارد الاقتصاد العالمي

تشير التقديرات الأخيرة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الذي كان يُعول عليه لتجاوز أزمات السنوات الماضية، مهدد بالتباطؤ من 3.2% في عام 2025 إلى 2.9% في عام 2026. الخطر الأكبر يكمن في الأسعار؛ ففي دول مجموعة العشرين (G20)، يُتوقع أن يقفز متوسط التضخم إلى نحو 3.4% خلال عام 2025، متجاوزاً التوقعات المتفائلة التي سبقت التصعيد العسكري. وحتى الولايات المتحدة، بآلتها الاقتصادية الضخمة، ليست محصنة؛ إذ قد يصل التضخم فيها إلى 4.2%، مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود واختناق سلاسل التوريد. هذه الأرقام تعكس تدهورًا ملحوظًا في التوقعات، وتذكرنا بأزمات تاريخية سابقة.

التاريخ يعيد نفسه: دروس من صدمات النفط

بالنسبة للمراقبين الاقتصاديين، هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي صدى لأزمات حفرت في الذاكرة الاقتصادية العالمية. ففي عام 1973، أدى الحظر النفطي العربي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط تضاعفت معها الأسعار أربع مرات، مما تسبب في “ركود تضخمي” (Stagflation) خنق العالم، حيث اجتمع النمو الاقتصادي الضعيف مع التضخم المرتفع، وشهدت الأسواق العالمية انهياراً تجاوز 40%.

ولم يكد العالم يتعافى حتى جاء عام 1979، لتعصف الثورة الإيرانية بالأسواق مجدداً، وتتضاعف أسعار النفط بين عامي 1979 و1980، مما رسخ أزمة التضخم. وحتى في عام 1990، أثبت غزو الكويت أن أي شرارة في الشرق الأوسط قادرة على إحداث قفزة حادة في الأسعار وضرب ثقة المستهلكين في مقتل. اليوم، يبدو أن التاريخ يكتب فصلاً جديداً من هذه السلسلة، ليؤكد حساسية الاقتصاد العالمي المفرطة تجاه استقرار إمدادات الطاقة من المنطقة.

شرايين التجارة العالمية تحت الضغط

لماذا ترتفع التوقعات التضخمية بهذه السرعة؟ الإجابة تكمن في الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة. الشرق الأوسط ليس مجرد مصدر للنفط، بل هو شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية. المنطقة تضخ حوالي 10% من إمدادات الديزل المحمولة بحراً، و20% من شحنات وقود الطائرات العالمية.

ومع تصاعد التوترات في الممرات المائية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، لم يكن مفاجئاً أن يشهد خام برنت ارتفاعاً ملحوظاً بعد الضربات العسكرية في فبراير 2026. هذا الارتفاع لم يبقَ حبيس أسواق النفط، بل تسلل فوراً إلى تكاليف الشحن والإنتاج، ليجد طريقه في النهاية إلى جيوب المستهلكين في كل مكان.

تباين التأثير الاقتصادي وخريطة الألم

لا يتوزع هذا “الألم الاقتصادي” بالتساوي. أوروبا وآسيا، المعتمدتان بشدة على استيراد الطاقة، تقفان في خط المواجهة الأول أمام موجة الغلاء. أما الاقتصادات الناشئة، فتعيش كابوساً مركباً؛ حيث تضربها أسعار الاستيراد المرتفعة من جهة، وضعف عملاتها المحلية وزيادة تكاليف التمويل من جهة أخرى، مما يجعل السيطرة على التضخم مهمة شبه مستحيلة.

البنوك المركزية في مأزق السياسات

أمام هذا المشهد المعقد، تجد البنوك المركزية نفسها في زاوية ضيقة. فبعد أن كانت تستعد لخفض أسعار الفائدة لإنعاش النمو، أجبرتها لغة المدافع على إعادة الحسابات. الخيار الآن أحلاهما مر: إما رفع الفائدة لكبح التضخم والمخاطرة بقتل النمو الاقتصادي، أو ترك الأسعار تشتعل. إنها “المعادلة المستحيلة” التي تؤرق صناع القرار في جميع أنحاء العالم.

الاقتصاد العالمي على مفترق طرق

في نهاية المطاف، يقف الاقتصاد العالمي اليوم عند مفترق طرق حاسم. المؤشرات لا تقول إن التعافي قد مات، بل إنه يترنح. فبينما تستمر الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي في ضخ بعض الأمل، وتستمر بعض السياسات النقدية في دعم النشاط الاقتصادي، يبقى مصير الأسواق معلقاً بقرارات الساسة والعسكريين.

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد نشرة أخبار مسائية؛ بل هي ضريبة خفية تُقتطع من مائدة كل أسرة، وعامل حاسم سيرسم ملامح الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة. وبينما تحبس الأسواق أنفاسها، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح العالم في تفادي السقوط في فخ الركود التضخمي مرة أخرى؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى