“الاستقرار لا يُورث… بل يُصنع”
بقلم/ خالد المطوع
عندما نستحضر فترة الغزو، نفخر ليس فقط بلحظة استعادة الأرض، بل أيضًا بقوة القرارات التي سبقتها، والتي منحت الدولة قدرة على الصمود الاقتصادي في أصعب الظروف.
في خمسينيات القرن الماضي، اتخذت الكويت قرارًا استراتيجيًا غيّر مسارها الاقتصادي. تحويل جزء من عوائد النفط إلى استثمارات خارجية لم يكن خطوة مالية عابرة، بل رؤية مبكرة أدركت أن المورد الطبيعي، مهما بلغت عوائده، لا يمكن أن يكون الضامن الوحيد للاستقرار طويل الأجل.
ذلك القرار، الذي تجسّد لاحقًا في بناء أحد أقدم وأكبر الصناديق السيادية عالميًا، أثبت قيمته في لحظة تاريخية فارقة. خلال الغزو عام 1990، توقفت عوائد النفط، لكن الدولة لم تتوقف. استمرت الرواتب، واستمرت الالتزامات. لم يكن ذلك صدفة، بل نتيجة فكر استباقي آمن بأن حماية الثروة لا تقل أهمية عن إنتاجها.
اليوم، لا يزال النفط يشكل ما يقارب 85 إلى 90% من الإيرادات العامة في معظم السنوات وفق بيانات الميزانيات الرسمية. ورغم قوة الاستثمارات الخارجية واستقرارها، تبقى مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي ضمن مستويات محدودة مقارنة بالدول التي نجحت في بناء اقتصاد إنتاجي متنوع.
هنا تتضح الفجوة.
النفط يوفر السيولة.
الاستثمار الخارجي يوفر الأمان.
لكن لا يكفي أن نملك ثروة مستثمرة في الخارج، بل يجب أن نملك قطاعًا منتجًا في الداخل.
فالاستثمار يمنح الحماية من التقلبات، لكنه لا يصنع دورة إنتاج محلية، ولا يعزز الصادرات، ولا يخلق سلاسل قيمة مستدامة داخل الاقتصاد الوطني.
الصناعة، بمعناها الواسع، ليست فقط مصانع تقليدية، رغم أهمية الصناعات التحويلية والبتروكيماوية والغذائية والدوائية في تعزيز الأمن الاقتصادي. الصناعة اليوم تمتد إلى البنية الصناعية الرقمية: مراكز البيانات، الطاقة الذكية، الأنظمة التقنية، وسلاسل الإمداد المتقدمة التي ستدعم اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعي.
الدول التي نجحت في تحقيق التوازن الاقتصادي لم تعتمد على إدارة الفوائض فقط، بل بنت قدرة إنتاجية داخل حدودها، فحوّلت مواردها إلى صادرات، ووظائف نوعية، ونمو متكرر غير مرتبط بتقلبات سلعة واحدة.
وفي ظل التحولات الأخيرة في سوق الطاقة، وتزايد مرونة قرارات الإنتاج عالميًا، تتغير قواعد الاستقرار تدريجيًا. لم يعد الاعتماد على مورد واحد كما كان، بل أصبح أكثر حساسية للتغيرات، وأكثر ارتباطًا بقدرة الاقتصاد على التكيف.
الكويت سبقت عصرها عندما بنت صندوقًا استثماريًا يحمي الأجيال. واليوم، المرحلة القادمة تتطلب خطوة مكملة وواضحة: تمكين الصناعة — التقليدية والمتقدمة — لتكون ركيزة إنتاج حقيقية داخل الاقتصاد الوطني، توسّع قاعدة الدخل، وتعزّز الصادرات، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على الصمود أمام التقلبات.
فالثروة يمكن أن تُدار، لكن الاستقرار لا يُورث… بل يُصنع.
والقرار اليوم… هو ما سيحمي استقرار الغد.



