تقارير وأبحاث

صفقة القرن: ماذا يُعرض على المستثمر العادي؟

 

(1-3)

◆ ◆ ◆

في الثاني عشر من شهر يونيو القادم، سيشهد العالم أكبر طرح عام أوّلي في تاريخ الأسواق المالية. تطرح شركة سبيس إكس الأمريكية أسهمها للتداول في بورصة ناسداك بقيمة سوقية مستهدفة تبلغ تريليوناً وسبعمئة وخمسين مليار دولار، ويبلغ حجم الطرح خمسة وسبعين مليار دولار. ولوضع هذا الرقم في سياقه: يفوق حجم هذا الطرح طرح أرامكو السعودية عام 2019 بأكثر من مرتين ونصف، وتتجاوز القيمة السوقية المستهدفة مجموع القيم السوقية لجميع الشركات المدرجة في سوق تداول السعودي.

ليس هذا حدثاً اعتيادياً في الأسواق. بل هو، بكل المقاييس الكمية، حدث استثنائي يستحق التأمل قبل الاندفاع.

ويأتي هذا الطرح ضمن موجة مركّزة لم يسبق لها مثيل: من المتوقع أن تتبعه طروحات شركتي أوبن إيه آي وأنثروبيك قبل نهاية العام، بحجم إجمالي يقارب مئتين وخمسة عشر مليار دولار في غضون ستة أشهر، وبقيمة سوقية مجتمعة تناهز أربعة تريليونات دولار. لم تشهد الأسواق العالمية من قبل تركّز طروحات ضخمة بهذا الحجم في نافذة زمنية بهذا القِصَر.

ما الذي يُطرح فعلاً؟

تنقسم شركة سبيس إكس إلى ثلاث طبقات تختلف اختلافاً جوهرياً في طبيعتها الاقتصادية، ومن الضروري للمستثمر أن يميّز بينها قبل اتخاذ أي قرار.

 

الطبقة المكوّنات الطبيعة الاقتصادية التقدير
الأولى: الأصول الحقيقية أسطول فالكون (+80% من حصة السوق العالمية)، ترددات إكوستار (~20 مليار دولار)، كوكبة ستارلينك (+8,000 قمر) أصول قابلة للتقييم وفق المعايير المحاسبية التقليدية 120–160 مليار دولار
الثانية: المحرك التشغيلي خدمة ستارلينك، +10 ملايين مشترك في 160 دولة، إيرادات 11.4 مليار دولار (2025)، هامش تشغيلي 63% النشاط الوحيد ذو النموذج الاقتصادي الواضح؛ ~60% من الإيرادات 150–250 مليار دولار
الثالثة: السرد إكس إيه آي، كولوسس، ستارشيب، مراكز البيانات المدارية، مشروع المريخ وعود مستقبلية غير قابلة للتقييم بالمعايير المحاسبية +1,000 مليار دولار من القيمة السوقية المستهدفة

 

الطبقة الأولى — الأصول الحقيقية. تمتلك الشركة أسطول إطلاق فالكون الذي يستحوذ على أكثر من ثمانين بالمئة من حصة السوق العالمية لإطلاق الأقمار الصناعية، ومجموعة ترددات لاسلكية نادرة اشترتها من شركة إكوستار مقابل نحو عشرين مليار دولار، إضافة إلى كوكبة تضم أكثر من ثمانية آلاف قمر صناعي عامل في المدار. هذه أصول حقيقية يمكن تقييمها وفق معايير محاسبية تقليدية، ويُقدّر مجموع قيمتها بين مئة وعشرين ومئة وستين مليار دولار.

الطبقة الثانية — المحرك التشغيلي. يتمثّل هذا المحرك في خدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك، وهي الجزء الوحيد من الشركة الذي يعمل فعلياً وفق نموذج اقتصادي واضح. تجاوز عدد مشتركيها العشرة ملايين موزّعين على مئة وستين دولة، وحقّقت إيرادات بلغت أحد عشر مليار وأربعمئة مليون دولار خلال عام 2025، بهامش تشغيلي قدره ثلاثة وستون بالمئة. تشكّل ستارلينك ما يقارب ستين بالمئة من إيرادات الشركة، والجزء الأكبر من أرباحها التشغيلية. تُقدّر قيمتها مستقلةً بين مئة وخمسين ومئتين وخمسين مليار دولار.

الطبقة الثالثة — السرد. تتضمّن هذه الطبقة شركة الذكاء الاصطناعي إكس إيه آي التي اندمجت في سبيس إكس في فبراير الماضي، وبنيتها الحاسوبية كولوسس، ومركبة ستارشيب التي لم تُختبر بعد بشكل تجاري، ومفهوم مراكز البيانات المدارية، ومشروع استعمار المريخ. هذه ليست أصولاً قابلة للتقييم؛ بل هي وعود مستقبلية. تستحوذ هذه الطبقة وحدها على ما يزيد على تريليون دولار من القيمة السوقية المستهدفة.

بعبارة أخرى: من بين كل دولار يدفعه المستثمر مقابل سهم في سبيس إكس، يذهب جزء كبير لشراء وعد، لا أصل.

ما الذي يقوله السعر؟

تكشف الأرقام المحاسبية للشركة صورة لا تتطابق مع القيمة السوقية المستهدفة.

بلغت إيرادات الشركة في عام 2025 خمسة عشر مليار وخمسمئة مليون دولار. لم تحقّق الشركة أرباحاً صافية وفق المعايير المحاسبية المقبولة عموماً، بل سجّلت خسائر تشغيلية. وأنفقت ثمانية مليارات دولار نقداً خلال العام في بناء مراكز بيانات لم تبدأ تشغيلها بعد. عند القيمة السوقية المستهدفة، تتداول الشركة بمئة وتسعة أضعاف إيراداتها السنوية، ومضاعف الربحية غير قابل للحساب لانعدام الأرباح.

ولفهم ما يعنيه هذا الرقم، يجدر مقارنته بطروحات ضخمة سابقة نجحت فعلاً في تحقيق عوائد طويلة الأجل لمساهميها.

 

الشركة سنة الطرح مضاعف الإيرادات نموّ الإيرادات هامش التشغيل الربحية أداء السهم
فيزا 2008 +24% سنوياً +50% مربحة وناضجة +1,800% خلال 17 عاماً
علي بابا 2014 39× الأرباح +52% سنوياً مربحة، PEG < 1 عائد إيجابي العام الأول
فيسبوك 2012 108× الأرباح مربحة، التسعير مفرط -53% ثم عودة بعد 16 شهراً
أوبر 2019 7× الإيرادات خاسرة وقت الطرح -42% ثم عودة بعد 21 شهراً
سبيس إكس 2026 109× الإيرادات خسائر تشغيلية خاسرة، حرق 8 مليارات نقداً

 

طرح سبيس إكس عام 2026 بمئة وتسعة أضعاف الإيرادات، دون أي ربح. هذا أكثر التسعيرات تشدّداً في تاريخ الطروحات الضخمة. الشركة لا تستوفي أيّاً من شروط النجاح التي استوفتها الطروحات الناجحة سابقاً.

من يتحكم في القرار؟

البنية القانونية للشركة تستحقّ تأمّلاً منفصلاً. يحتفظ المالك المسيطر بحصة في رأس المال تبلغ نحو اثنين وأربعين بالمئة، لكنه يحتفظ بقوة تصويتية تبلغ تسعة وسبعين بالمئة. هذا التفاوت ناتج عن هيكل فئات الأسهم المزدوج: أسهم بقوة تصويت فائقة يحتفظ بها المؤسس، وأسهم بقوة تصويت عادية تُطرح للعموم.

أكثر من ذلك: راجعت وكالة رويترز نشرة الطرح وأكّدت أنّ الهيكل القانوني للشركة لا يسمح لمجلس الإدارة بإقالة المالك المسيطر من منصبه التنفيذي. وصف البروفيسور لوسيان بيبتشوك، أستاذ القانون التجاري في جامعة هارفارد، هذا الترتيب بأنه «غير معتاد» حتى وفق معايير شركات التقنية المؤسَّسة حديثاً.

العامّ يدفع سعراً عاماً مقابل بنية حوكمة خاصة. المساهم الجديد يشتري حصة في الشركة لا حقّاً في إدارتها.

صفقة فبراير: إعادة هندسة القيمة

وقعت في فبراير الماضي عملية ضمّ شركة إكس إيه آي للذكاء الاصطناعي إلى سبيس إكس عبر اندماج مدفوع بالأسهم بالكامل. قُيِّمت إكس إيه آي وقتها بمئتين وخمسين مليار دولار، وقُيِّمت سبيس إكس وقتها بتريليون دولار، وكان الكيان المدمج وقتها بقيمة تريليون ومئتين وخمسين مليار دولار.

بعد أربعة أشهر فقط، تُطرح الكيانات نفسها بقيمة تريليون وسبعمئة وخمسين مليار دولار، أي بزيادة قدرها نحو خمسمئة مليار دولار دون أي تغيير تشغيلي جوهري. الأصول هي الأصول. الإيرادات هي الإيرادات. الفروقات هي في التسعير، لا في الجوهر.

والأهم: المستثمرون الأوائل في إكس إيه آي — من بينهم شركة إنفيديا، وسيسكو، وصناديق سيادية خليجية وإماراتية — حصلوا في صفقة فبراير على أسهم في سبيس إكس. ومع طرح يونيو، تتحوّل أسهمهم تلك إلى أسهم متداولة قابلة للبيع علناً، بقيمة أعلى بكثير ممّا كان يمكن أن يحقّقوه لو طُرحت إكس إيه آي مستقلّةً.

هذه ليست صدفة في التوقيت. هذه هندسة محسوبة.

الخاتمة: ما تَمَّ وصفه، وما يأتي

وصفنا في هذا الجزء ما يُعرض على المستثمر فعلاً: ثلاث طبقات اقتصادية متباينة، تسعير غير مسبوق في تشدّده، بنية حوكمة تحفظ السيطرة الكاملة للمالك، وعملية إعادة هندسة قيمة جرت قبل أربعة أشهر فقط من الطرح العام.

لم نُصدر بعد حكماً. ولم نستعرض السياق التاريخي. الأرقام والوقائع وحدها قد تكفي القارئ المتأمل ليطرح أسئلته. لكنّ القصة لا تكتمل دون فهم النمط التاريخي الذي يندرج تحته هذا النوع من الصفقات.

في الجزء الثاني، سنتناول ما يقوله التاريخ عن الطروحات الضخمة من هذا الحجم، والبنية الهيكلية التي يتكرّر ظهورها في كل دورة مالية كبرى عبر العقود الماضية.

النمط معروف. والنتيجة، في كل حالة سابقة، كانت ذاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى