مقالات

إقامة المستثمرين لـ 15 عاماً… كيف يمكن للكويت أن تجذب رؤوس الأموال العالمية وتنعش القطاع العقاري

 

بقلم الخبيرة العقارية سبيكة محمد البحر

مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقارية

عضو IVSC

 

يمثل قرار منح المستثمر الأجنبي إقامة لمدة خمسة عشر عاماً خطوة اقتصادية مهمة تعكس توجه الكويت نحو تعزيز تنافسيتها الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال النوعية القادرة على دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص جديدة للتنمية المستدامة. ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه المنطقة منافسة متزايدة بين الدول لاستقطاب الاستثمارات العالمية من خلال توفير بيئة أعمال أكثر مرونة واستقراراً وقدرة على استيعاب المشاريع طويلة الأجل ولا تكمن أهمية القرار في الإقامة بحد ذاتها، بل في الرسالة الاقتصادية التي تحملها الكويت للمستثمرين حول العالم، وهي أن الدولة تسعى إلى بناء بيئة استثمارية مستقرة تتيح للمستثمر التخطيط على المدى الطويل واتخاذ قرارات استراتيجية مرتبطة بالتوسع والنمو واستدامة الأعمال ورغم أن البعض قد يعتقد أن اهتمام المؤسسات العالمية بالكويت يرتبط فقط بالسوق المحلي، فإن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الكويت تمتلك مجموعة من المقومات التي تجعلها محط اهتمام المستثمرين الدوليين. فالكويت تتمتع بوفرة كبيرة في السيولة المالية، وتمتلك أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم ممثلاً بالهيئة العامة للاستثمار، كما تتميز بقوة قطاعها المصرفي وارتفاع مستويات الملاءة المالية والسيولة مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى

إضافة إلى ذلك، تتمتع الكويت بموقع استراتيجي مهم يربط أسواق الخليج والعراق وآسيا، إلى جانب المشاريع التنموية الكبرى التي يجري العمل عليها وفي مقدمتها ميناء مبارك الكبير والمشاريع اللوجستية والبنية التحتية المرتبطة به. كما أن إدراج السوق الكويتي ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية ساهم في جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية ورفع مستوى الاهتمام الدولي بالسوق الكويتي

وفي الحقيقة، فإن أحد أهم أسباب اهتمام المؤسسات العالمية بالكويت لا يتعلق فقط بالاستثمار داخل السوق المحلي، بل برغبتها في الاقتراب من رأس المال الكويتي والخليجي. فالكويت تضم مؤسسات مالية واستثمارية تدير أصولاً ضخمة، وتعد من أهم مصادر الاستثمار المؤسسي في المنطقة. ولذلك فإن وجود مؤسسات عالمية مثل مورغان ستانلي وبلاك روك يعكس أهمية الكويت كمركز مالي واستثماري أكثر من كونه مجرد سوق استهلاكية ومع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتطوير البيئة التشريعية والاستثمارية، قد نشهد اهتماماً متزايداً من مؤسسات مالية واستثمارية عالمية مثل غولدمان ساكس وجي بي مورغان وبلاك ستون وبروكفيلد وأبولو وكارلايل وكيه كيه آر، إضافة إلى شركات عالمية متخصصة في الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ والنقل والتخزين كما يمكن أن تستفيد الكويت مستقبلاً من استقطاب شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون ويب سيرفيسز وأوراكل، خاصة إذا تم تعزيز الحوافز الاستثمارية وتطوير البيئة الرقمية وتوفير البنية التحتية اللازمة لهذه القطاعات المتقدمة ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التوجه بشكل مباشر على القطاع العقاري الذي يعد من أوائل المستفيدين من أي توسع استثماري. فالشركات العالمية والمؤسسات الاستثمارية تحتاج إلى مقرات تشغيلية ومكاتب ومراكز أعمال ومقار إدارية حديثة، وهو ما يعزز الطلب على العقارات التجارية ويرفع من أهمية تطوير الأبراج المكتبية والمراكز التجارية الحديثة كما سيستفيد القطاع العقاري الاستثماري من زيادة الطلب على المجمعات السكنية والمشاريع متعددة الاستخدامات والوحدات السكنية المخصصة للمديرين التنفيذيين والكوادر المتخصصة المرتبطة بالمشاريع الجديدة. وتزداد أهمية هذه المشاريع مع تزايد أعداد المستثمرين والعاملين المرتبطين بالاستثمارات طويلة الأجل أما قطاع الفنادق والشقق الفندقية، فمن المتوقع أن يشهد نمواً ملحوظاً نتيجة زيادة حركة رجال الأعمال والمستثمرين والخبراء الدوليين. وقد أثبتت التجارب العالمية أن الشقق الفندقية أصبحت من أكثر المنتجات العقارية جذباً للمستثمرين لما توفره من مرونة وخصوصية وخدمات متكاملة تناسب الإقامات طويلة المدى وفي الوقت ذاته، يبرز قطاع الخدمات اللوجستية كأحد أكبر المستفيدين من هذا التوجه. فزيادة الاستثمارات الأجنبية تعني زيادة الحاجة إلى المستودعات الحديثة ومراكز التوزيع والعقارات الصناعية والخدمات المساندة، وهو ما يمنح العقار اللوجستي فرص نمو كبيرة خلال السنوات المقبلة ومن الجوانب المهمة التي يعززها القرار توفير الاستقرار الأسري للمستثمر، حيث يشمل منح الإقامة طويلة الأجل أفراد الأسرة، وهو عامل أساسي في اتخاذ القرار الاستثماري. فالمستثمر العالمي لا يبحث فقط عن فرص الربح، بل يبحث أيضاً عن بيئة مستقرة توفر له ولأسرته الأمان وجودة الحياة والخدمات التعليمية والصحية المناسبة كما أن أي خطوات مستقبلية لتسهيل الإجراءات المرتبطة بالإقامة أو تسريع المعاملات الخاصة بالمستثمر وأفراد أسرته ستعزز من جاذبية الكويت مقارنة بالأسواق المنافسة، وستسهم في زيادة الطلب على العقارات السكنية والخدمات المرتبطة بها.

ولتحقيق أقصى استفادة من هذا القرار، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال المنظومة الاستثمارية من خلال تسريع الإجراءات الحكومية وتبسيط التراخيص وتطوير خدمات النافذة الواحدة، إضافة إلى توفير حوافز مالية وتمويلية تشجع الشركات العالمية على تأسيس أعمالها وتوسيع استثماراتها داخل الكويت إن نجاح قرار الإقامة طويلة الأجل لن يقاس بعدد المستثمرين الذين يحصلون عليها فقط، بل بحجم رؤوس الأموال التي سيتم جذبها ونوعية الشركات العالمية التي ستتخذ من الكويت مركزاً لأعمالها واستثماراتها. وإذا ما تم استثمار هذه الفرصة بالشكل الصحيح، فإن الكويت تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتكون مركزاً مالياً واستثمارياً مؤثراً في المنطقة، وأن تفتح أمام القطاع العقاري والتجاري واللوجستي والفندقي آفاقاً جديدة من النمو والتنمية خلال السنوات المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى