مقالات

اتعلّم لك صنعة… هل أصبحت صناعة المحتوى صنعة هذا العصر؟

من الحرفة والعمل بعد الدوام إلى اقتصاد رقمي يحوّل الهاتف والموهبة والمعرفة إلى أدوات إنتاج

 

بقلم/ فارس مساعد عبدالله

قديمًا، كان رزق الإنسان مرتبطًا بما يتقنه من حرفة. فالحداد يصنع الأدوات والسيوف، والنجار يصنع الأثاث، والحائك ينسج الملابس. وكانت «الصنعة» تُتعلّم على يد معلّم، أو تنتقل من جيل إلى آخر، حتى تصبح رأس مال صاحبها ومصدر رزقه.

ومع انتشار الوظائف الحديثة، تغيّر شكل العمل، لكن الحاجة إلى زيادة الدخل بقيت كما هي. ففي أفلامنا العربية القديمة، كنا نسمع الأسرة تقول لابنها: «انزل اتعلّم لك صنعة تسترزق منها». وفي الأفلام الأمريكية، اعتدنا رؤية الطالب يعمل بعد الدراسة في توصيل البيتزا، أو في مطعم أو متجر، أو في رعاية الأطفال.

ثم جاءت تطبيقات النقل والتوصيل، وقدمت نموذجًا أكثر مرونة؛ يعمل الشخص ساعة أو ساعتين بعد انتهاء دوامه، ثم يعود إلى منزله.

أما اليوم، فيبدو أننا أمام تحول جديد. فبدل أن يبحث الإنسان عن وظيفة ثانية لدى جهة أخرى، أصبح بإمكانه أن يحاول بناء مصدر دخله بنفسه، باستخدام هاتف، وفكرة، وطريقة عرض تجذب الجمهور.

فهل أصبحت صناعة المحتوى امتدادًا حديثًا لفكرة «الصنعة»؟

موهبة لم تعد تنتظر من يكتشفها

لسنوات طويلة، ارتبط اكتشاف المواهب بالغناء والتمثيل والرياضة. كانت برامج المواهب تبحث عن صوت أو حضور مميز، ثم يأتي فريق من المدربين والمنتجين ليطور الموهبة ويقدمها إلى الجمهور، حتى تتحول أحيانًا إلى مهنة ومصدر رزق.

لكن مفهوم الموهبة اتسع اليوم. فقد لا يكون الإنسان مغنيًا أو ممثلًا، لكنه يجيد تبسيط المعلومات، أو الطبخ، أو التدريب، أو إصلاح الأشياء. وقد لا يحمل تخصصًا نادرًا، لكنه يمتلك كاريزما، أو خفة ظل، أو قدرة على سرد المواقف بطريقة ممتعة.

والفرق أن صاحب الموهبة لم يعد مضطرًا إلى انتظار برنامج تلفزيوني أو جهة تكتشفه؛ فالمنصة أصبحت متاحة، والجمهور هو من يقرر المتابعة.

الهاتف من المشاهدة إلى الإنتاج

المدرس يستطيع تبسيط درس صعب في دقيقة، والطاهي يعرض وصفة، والحرفي يوثق مراحل عمله، والمدرب يقدم تمرينًا، والطبيب ينشر توعية صحية.

وما يراه الإنسان عاديًا في حياته قد يراه غيره مفيدًا أو ممتعًا. فقد يرى الحرفي يومه روتينيًا، بينما يستمتع آلاف الأشخاص بمشاهدة طريقة صنع قطعة معينة.

فهل يشترط في المحتوى أن يقدم فكرة لم يسبق لأحد تناولها؟ أم أن القيمة قد تكون في طريقة العرض، وصدق صاحبها، وقدرته على الاستمرار؟

أعرف شخصًا بدأ بنشر مقاطع مضحكة بسيطة، من دون استوديو أو خطة واضحة. كانت مجرد تجربة، لكنها جذبت المتابعين، ثم وصل إليه أول دخل فعلي من المنصة.

لم تكن أهمية المبلغ في قيمته فقط، بل فيما أثبته له؛ فقد أدرك أن الحساب ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل فرصة قابلة للنمو. هنا تحولت التجربة في ذهنه من هواية إلى مشروع محتمل.

من بيع الوقت إلى توسيع الأثر

في العمل التقليدي، يرتبط الدخل غالبًا بالوقت. فالمدرس يتقاضى أجرًا عن الحصة، والمدرب عن الجلسة، والسائق عن الرحلة. فإذا توقف الشخص عن العمل، توقف دخله.

أما المحتوى، فقد يستمر في الوصول إلى الجمهور بعد انتهاء وقت إنتاجه. فالمدرس الذي كان يشرح لخمسة طلاب يستطيع اليوم الوصول إلى آلاف الأشخاص بمقطع واحد. وقد يقدم جزءًا من معرفته مجانًا، لكنه يبني في المقابل الثقة والسمعة، ثم يأتي الدخل من الدورات والاستشارات والإعلانات والاشتراكات.

ولنتخيل طبيبين يحملان التخصص والخبرة نفسيهما تقريبًا. الأول يعتمد على عمله في العيادة، فيرتبط دخله بعدد المرضى وساعات العمل. أما الثاني، فيمارس مهنته ويقدم إلى جانبها محتوى توعويًا يصل إلى جمهور واسع، وقد يحصل لاحقًا على دخل من المحاضرات والكتب والدورات والتعاونات الإعلامية.

قد يصبح دخل الطبيب الثاني أعلى، لا لأنه أمهر طبيًا بالضرورة، بل لأنه استطاع توسيع أثر معرفته. والأمر نفسه ينطبق على المدرس والمدرب والطاهي والحرفي.

هل نرى مدينة لصناعة المحتوى؟

كما صنعت السينما حولها مدنًا واستوديوهات ومدارس للتمثيل وشركات لإدارة المواهب، قد تنشأ مستقبلًا مدن متخصصة في صناعة المحتوى الرقمي.

فكما اشتهرت هوليوود وبوليوود بالسينما، واشتهرت مدن عربية بالاستوديوهات والمسارح والتسجيل الموسيقي، قد تظهر وجهة يسافر إليها صانع المحتوى لتصوير موسم كامل من برنامجه، أو تسجيل حلقات بودكاست، أو العمل مع فريق محترف.

وقد تضم هذه المدينة استوديوهات للفيديو القصير والبث المباشر والبودكاست، وفرقًا للكتابة والتصوير والمونتاج، وشركات لإدارة المواهب والإعلانات، وخبراء في العقود وحقوق الملكية وتحليل الجمهور.

عندها لا يعود المحتوى محاولة فردية، بل يصبح صناعة لها بنية تحتية وتمويل وشركات، وتخلق وظائف للمصور والمونتير والمصمم والكاتب ومدير الأعمال، حتى لو لم يظهر أي منهم أمام الكاميرا.

من الفأس إلى الهاتف

كثيرًا ما نقول للمحتاج: لا تمنحه مساعدة مؤقتة فقط، بل أعطه أداة يعمل بها. وفي الماضي كانت هذه الأداة فأسًا أو ماكينة أو عدة حرفة.

وربما تصبح العبارة اليوم: لا تعطِه هاتفًا للترفيه فقط، بل علّمه كيف يحوله إلى أداة إنتاج.

فالهاتف قد يصبح كاميرا، واستوديو، ومتجرًا، ووسيلة للوصول إلى الجمهور. وقد يمتلك شخص محدود الدخل موهبة في رواية القصص، أو الطبخ، أو الأعمال اليدوية، أو الكوميديا، لكنه لم يجد من يكتشفه أو يمنحه فرصة.

لكن كما أن الفأس وحده لا يصنع حطابًا، فإن الهاتف وحده لا يصنع صانع محتوى ناجحًا. لا بد من تدريب، وإنترنت، وفكرة، ومتابعة، ومساعدة على إدارة الدخل.

وقد تفتح صناعة المحتوى بابًا لبعض من أغلقت أمامهم الوظائف التقليدية، لكنها ليست علاجًا منفردًا للفقر، بل أداة ضمن منظومة أوسع من التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية.

هل يصبح المحتوى ثروة وطنية؟

كما تعتمد دول على الزراعة بسبب خصوبة أراضيها، وأخرى على النفط والطاقة، أو الصناعة والسياحة، قد تصبح المعرفة والثقافة والقدرة على إنتاج المحتوى موردًا اقتصاديًا لبعض الدول.

لكن كثرة الحسابات وحدها لا تصنع اقتصادًا. المطلوب بيئة تكتشف المواهب، وتحمي الحقوق، وتمول الإنتاج، وتربط المبدعين بالشركات والمنصات، وتساعد المحتوى المحلي على الوصول إلى جمهور عالمي.

عندها يصبح المبدع موردًا بشريًا، والجمهور سوقًا، والمنصة وسيلة تصدير، والمحتوى منتجًا اقتصاديًا يمكنه أيضًا تسويق السياحة والثقافة والمنتجات المحلية.

فرصة حقيقيةلا وعدًا بالثراء

يمكن أن يأتي الدخل من الإعلانات، والرعايات، والاشتراكات، والبث المباشر، والتسويق بالعمولة، وبيع الخدمات والدورات.

لكن فتح حساب لا يعني دخلًا مضمونًا. فالمشاهدات تتقلب، وسياسات المنصات تتغير، والنجاح المؤقت قد يدفع البعض إلى ترك وظائفهم قبل التأكد من استقرار دخلهم.

وفي المجالات الحساسة، مثل الطب والمال، تتضاعف المسؤولية؛ لأن المعلومة الخاطئة قد تصل إلى جمهور واسع. لذلك تبقى المصداقية، وحماية الخصوصية، واحترام التخصص، أهم من عدد المشاهدات.

في الماضي كان السؤال: أين أجد عملًا إضافيًا؟

أما اليوم، فقد أصبح السؤال: ما المهارة أو المعرفة أو الهواية التي أملكها، ويمكن تحويلها إلى محتوى؟

قد لا ينجح الجميع، لكن أبواب الرزق تتغير مع تغير العالم. وربما تكون صناعة المحتوى هي بالفعل «صنعة هذا العصر»؛ تبدأ بموهبة أو فكرة بسيطة، ثم تتحول إلى جمهور، ومن الجمهور إلى دخل، ومن الدخل إلى مشروع، وربما إلى صناعة ومدينة واقتصاد كامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى