تكنولوجيامقالات

بتكوين بلا ورثة: عندما تموت كلمات الاستعادة مع صاحبها

 

بقلم: المحامي ناصر الشلاحي

naserj@edraklegal.com

  • تسليم الـ Seed Phrase ” كلمات الاستعادة ” لأحد الأبناء لا يغني عن التوثيق القانوني وقد يعرّضه لشبهة الاستيلاء على أموال التركة

مما لا شك فيه أن الأصول الرقمية – وفي مقدمتها العملات المشفرة كالبتكوين – أصبحت اليوم مكوّناً حقيقياً في ثروات شريحة متنامية من الأفراد، بعدما تجاوزت قيمتها السوقية عالمياً حدود التريليونات، ولم تعد حيازتها مقصورة على فئة المضاربين، بل امتدت إلى مستثمرين يحتفظون بها استثماراً طويل الأجل ضمن محافظ باردة (Cold Wallets) لا تتصل بالإنترنت، حمايةً لها من الاختراق.

وضمن هذا السياق، يسود لدى كثير من المتعاملين في هذه الأصول اعتقادٌ بأن حفظها في محفظة باردة وتسليم «كلمات الاستعادة» (Seed Phrase) لأحد الأبناء أو الأقارب يكفي لضمان انتقالها إليهم بعد الوفاة، والحقيقة أن هذا الاعتقاد غير دقيق من الناحيتين الواقعية والقانونية، بل قد يرتّب على صاحبه وعلى من تسلّم الكلمات مخاطر جسيمة، أولها أن هذه الأصول تظل في الغالب غير مُفصَح عنها وعن قيمتها وكمياتها لبقية الورثة أو للجهات المختصة.

الإشكالات المترتبة على هذا التصرف:

يترتب على الاكتفاء بتسليم كلمات الاستعادة دون تأطير قانوني جملة من الإشكالات، من أبرزها:

* أن تسليم كلمات الاستعادة يعني عملياً منح سيطرة كاملة وفورية على المحفظة، فمن يحوزها يملك تقنياً التصرف في الأصول كلها في أي لحظة، حال حياة صاحبها وقبل وفاته، دون أي ضابط قانوني أو رقابي، وهو ما يفتح الباب لإساءة الاستخدام أو التصرف في الأصول قبل الأوان.

* أن دخول أي شخص إلى المحفظة بعد الوفاة دون سند قانوني واضح – كوصية موثقة أو حصر إرث (قسام شرعي) يحدد الورثة وأنصبتهم – قد يعرّضه للمساءلة، إذ قد تُكيَّف بعض تصرفاته على أنها استيلاء على أموال التركة وافتئات على حقوق باقي الورثة، فالأصول الرقمية تدخل في التركة شأنها شأن سائر الأموال، ولا يجوز لأحد الورثة الانفراد بها.

* أن غياب التوثيق يثير شبهات تتصل بقواعد مكافحة غسل الأموال، فمن يتصرف في أصول رقمية عالية القيمة دون أن يكون قادراً على إثبات مصدرها ومشروعية أيلولتها إليه، قد يجد نفسه في موضع الاشتباه أمام الجهات الرقابية ، خصوصاً عند تحويل هذه الأصول إلى نقود وإيداعها في الحسابات البنكية.

* أنه حال عدم وجود مستند يثبت ملكية المورّث لهذه الأصول أصلاً، قد يواجه الورثة صعوبة بالغة في إثبات حقهم أمام القضاء، فطبيعة تقنية «البلوك تشين» القائمة – على اللامركزية – من عناوين رقمية لا تُسند الملكية لشخص بذاته، مما يفتح باب النزاعات بين الأطراف، وقد يؤدي – في أسوأ الفروض – إلى ضياع الأصول نهائياً إذا فُقدت كلمات الاستعادة ولم يعلم بها أحد.

التمكين التقني بحيازة كلمات الاستعادة شيء، والحق القانوني بثبوت الملكية وانتقالها شيء آخر

التمييز الجوهري: تمكين تقني لا يساوي حقاً قانونياً:

والمتأمل في هذه الإشكالات يدرك أن جوهر المسألة يكمن في وجوب التمييز بين «التمكين التقني» – أي القدرة الفعلية على الوصول إلى الأصول – السيطرة – بحيازة كلمات الاستعادة – وبين «الحق القانوني» – أي ثبوت الملكية وانتقالها وفق قواعد الميراث والوصية – فحيازة المفتاح لا تنشئ ملكية، كما أن الملكية دون القدرة على الوصول إلى الأصول تظل حقاً نظرياً لا سبيل لاقتضائه، ومن ثم فإن أي تخطيط سليم لانتقال الأصول الرقمية يجب أن يجمع بين البعدين معاً: توثيقٌ قانوني يثبت الملكية ويحدد مآلها، وآليةٌ تقنية منظمة تتيح للورثة الوصول الفعلي إليها في الوقت المناسب دون تمكين مبكر لأحد.

التجارب التشريعية المقارنة… العالم يتحرك:

وقد تنبّهت تشريعات مقارنة عديدة لهذه الإشكالية، وسارعت إلى سدّ الفراغ التشريعي بنصوص مستحدثة، نعرض لأبرزها:

* أقرب النماذج إلينا: أصدر مركز دبي المالي العالمي (DIFC) قانون الأصول الرقمية رقم 2 لسنة 2024، النافذ منذ مارس 2024، وهو من أوائل التشريعات التي حددت بشكل شامل الخصائص القانونية للأصل الرقمي بوصفه «ملكية غير مادية»، ونظّمت شروط السيطرة عليه وكيفية انتقال ملكيته، بل أطلقت محاكم المركز خدمة «وصايا الأصول الرقمية» المصممة خصيصاً لتوثيق هذه الأصول وتنظيم انتقالها، في نموذج تشريعي رائد يستحق الدراسة والتطوير في منطقتنا.

* عالمياً: في الولايات المتحدة الأمريكية، صدر القانون الموحد المعدّل لوصول الأمناء إلى الأصول الرقمية (RUFADAA) عام 2015، وتبنّته أكثر من أربعين ولاية، وهو ينظم وصول منفّذ الوصية أو الوصي أو الوكيل إلى الأصول الرقمية للمتوفى وإدارتها، ويشترط لذلك توافقاً صريحاً من صاحب الأصول يُثبت في وصية أو توكيل أو «أداة إلكترونية» لدى مزود الخدمة، ويضع تدرجاً ملزماً في الأولوية بين هذه الأدوات، فأقام بذلك جسراً بين التخطيط القانوني للتركات والواقع التقني للأصول الرقمية.

* وفي المملكة المتحدة، صدر قانون الملكية (الأصول الرقمية وغيرها) لسنة 2025 (Property (Digital Assets etc) Act 2025) الذي دخل حيز النفاذ في ديسمبر 2025، مقرراً – ولأول مرة بنص تشريعي – أن الأصول الرقمية كالعملات المشفرة والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) تصلح محلاً لحقوق الملكية الشخصية، بإنشاء فئة ثالثة من الملكية إلى جانب الفئتين التقليديتين، وبذلك أصبح لهذه الأصول أساس قانوني واضح في دعاوى الاسترداد والسرقة، وفي إجراءات التركات والإفلاس.

* وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، صدرت لائحة أسواق الأصول المشفرة (MiCA) عام 2023 بوصفها أول إطار تنظيمي شامل لمزودي خدمات الأصول المشفرة، ومع أنها معنية أساساً بالترخيص وحماية المتعاملين، فإن ما فرضته من قواعد توثيق وتحقق من هوية أصحاب المحافظ يصب بشكل غير مباشر في خدمة إثبات الملكية وانتقالها.

وماذا عن الوضع في دولة الكويت؟

أما في دولتنا، فلم يصدر بعد تشريع ينظم الأصول الرقمية أو يعترف بها صراحة كعنصر من عناصر التركة، وإنما أصدرت الجهات الرقابية المتمثلة في – بنك الكويت المركزي وهيئة أسواق المال ووزارة التجارة والصناعة ووحدة تنظيم التأمين – في يوليو 2023 تعاميم متزامنة إلى الجهات الخاضعة لرقابة كل منها، إعمالاً للتوصية رقم (15) من متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF) في إطار جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقراءة هذه التعاميم يتبين لنا أن نطاقها رقابي تنظيمي محدد، فهي حظرت استخدام الأصول الافتراضية كأداة دفع أو الاعتراف بها كعملة بديلة عن الدينار الكويتي، وحظرت على الجهات الخاضعة تقديم خدمات الأصول الافتراضية أو الاستثمار فيها، ومنعت منح أي شخص طبيعي أو اعتباري ترخيصاً لتقديم هذه الخدمات كعمل تجاري ، غير أنها لم تتضمن نصاً يجرّم مجرد حيازة الأفراد لهذه الأصول، بل إن التعاميم ذاتها أقرّت ضمناً بواقع تعامل الأفراد فيها عبر معاملات تُنفذ خارج دولة الكويت بمعرفتهم، واكتفت بإلزام الجهات الخاضعة بتوعيتهم بمخاطرها بشكل دائم.

ومؤدى ذلك أن من يحوز هذه الأصول من الأفراد عبر منصات خارجية ومحافظ خاصة يقف في منطقة وسطى: حيازته ليست مؤثمة جنائياً بذاتها، لكنها في الوقت نفسه مجردة من أي حماية تنظيمية أو غطاء قانوني داخل الدولة، وهو ما يعني أن إشكالية انتقال هذه الأصول ستُطرح أمام القضاء الكويتي عاجلاً أم آجلاً، فالموقف التنظيمي المتحفظ لا يلغي الوجود الواقعي للثروة ولا يحول دون دخولها في الذمم المالية والتركات، بل يجعل عبء التوثيق والإثبات على عاتق المتعاملين أثقل.

التوصيات العملية:

وحتى يتدخل المشرع بتنظيم واضح، فإن الخيار الأكثر أماناً للمتعاملين في هذه الأصول يتمثل في الآتي:-

* إعداد مستندات موثقة تتضمن حصراً واضحاً للأصول الرقمية وأنواعها ومنصات أو محافظ حفظها، دون تضمين كلمات الاستعادة ذاتها في هذه المستندات حفاظاً على الأمان.

* تعيين «أمين على المحفظة»، وهو ما نقترحه حلاً محورياً يجمع بين البعدين التقني والقانوني، بأن يعهد المالك – بموجب اتفاق تحدد صلاحيات الأمين وواجباته ومسؤوليته – إلى شخص موثوق أو جهة محايدة بحفظ وسائل الوصول إلى المحفظة، دون تخويله التصرف فيها حال حياة المالك، على أن يلتزم عند الوفاة بتمكين الورثة جميعاً من الأصول وفق حصر الإرث وأنصبتهم الشرعية، وبهذا الترتيب يتحقق هدفان معاً: ضمان عدم ضياع الأصول بفقدان كلمات الاستعادة أو الجهل بوجودها، ومنع انفراد أي طرف بالسيطرة عليها قبل الأوان أو بعده.

ختاماً

إن انتقال الثروات الرقمية إلى الجيل التالي لم يعد مسألة نظرية، بل واقع تتعاظم قيمته يوماً بعد يوم، والتجارب المقارنة – من قانون مركز دبي المالي إلى القانون الأمريكي الموحد والقانون الإنكليزي الحديث – تؤكد أن المعالجة التشريعية ممكنة ومجدية، لذا تبرز الحاجة إلى تدخل المشرع الكويتي بتنظيم يعترف بالأصول الرقمية ضمن عناصر الذمة المالية والتركة، وينظم آليات إثبات ملكيتها وانتقالها، بما في ذلك تنظيم دور «الأمين على المحفظة» على غرار ما تعرفه التشريعات المقارنة من أدوار الأمناء والمؤتمنين على الأصول الرقمية، فالقاعدة التي يجب أن تترسخ لدى كل متعامل في هذه الأصول هي أن كلمات الاستعادة تمنح وصولاً ولا تمنح حقاً، وأن التمكين التقني دون تأطير قانوني قد يحوّل إلى نزاع ممتد أو شبهة جنائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى