مقالات

القانون في زمن التحول الرقمي نحو لغة قانونية رقمية لاقتصادات الغد

 

بقلم/ الدكتور المستشار وسيم أحمد العبدالله

باحث قانوني استراتيجي وأكاديمي

في خضم التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم، حيث تندمج التكنولوجيا في صميم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع القانون، بهياكله التقليدية ولغته الكلاسيكية، مواكبة هذا المد الرقمي الهائل؟ أم أننا أمام ضرورة حتمية لإعادة صياغة المفاهيم القانونية ذاتها، بل ولغة القانون التي تُصاغ بها هذه المفاهيم؟

لطالما اتسم القانون بالثبات والتحفظ، فهو ابن التقاليد الراسخة والمبادئ المستقرة. لكن هذا الثبات، الذي كان يشكل ضمانة للأمن القانوني، يتحول اليوم إلى عائق أمام التفاعل مع اقتصاد رقمي يقوم على السرعة والمرونة واللامركزية. هنا يبرز مفهوم جديد، لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية: “التكنولوجيا القانونية” أو ما بات يعرف بـ “Legal Tech ” والتي لا تعني فقط رقمنة الإجراءات، بل إعادة هندسة الفكر القانوني ذاته.

الثورة الصامتة في الممارسة القانونية

ما نشهده اليوم ليس مجرد تطوير تدريجي، بل ثورة صامتة تعيد تشكيل المشهد القانوني. فلم يعد دور المستشار القانوني مقتصراً على صياغة العقود بالطريقة التقليدية، بل أصبح مطلوباً منه فهم خوارزميات “العقود الذكية” التي تنفذ نفسها بنفسها على منصات البلوكشين. هذه العقود، التي تُترجم فيها الشروط إلى أكواد برمجية، تطرح إشكاليات قانونية دقيقة: هل الصياغة البرمجية تغني عن الصياغة اللغوية؟ من المسؤول عن الخطأ في “الكود”؟ وكيف تُفسر المحكمة نزاعاً نشأ عن تنفيذ عقد كتبته آلة؟

وفي مجال التقاضي، بدأت أنظمة “التحليل التنبؤي” بتحليل مئات الآلاف من الأحكام السابقة لتقدير احتمالات نجاح دعوى معينة، أو توقع اتجاه المحكمة في قضية ما. هذا لا يعني استغناءً عن القاضي، بل يعني تمكيناً للمحامي والمستشار بأدوات تحليلية كانت يوماً ضرباً من الخيال العلمي.

اللغة القانونية الرقمية: ضرورة اقتصادية وتكاملية

لكن جوهر التحول لا يكمن في الأدوات وحدها، بل في اللغة. إن “اللغة القانونية الرقمية” التي أدعو إليها ليست مجرد ترجمة للنصوص القانونية إلى صيغ إلكترونية. إنها بناء لغوي وقانوني جديد، يقوم على أسس:

أولاً: التكامل مع الاقتصاد الرقمي. الاقتصاد الجديد اقتصاد منصات وبيانات وخوارزميات. أي نص قانوني لا يستوعب طبيعة عمل المنصات الرقمية، أو لا يحدد بدقة مفهوم “حق الملكية في البيانات” أو “الذكاء الاصطناعي ككيان افتراضي”، هو نص سيظل حبيس الرفوف، عاجزاً عن تنظيم واقع متحرك.

ثانياً: الموازنة بين الدقة والمرونة. اللغة القانونية الرقمية يجب أن تحافظ على دقة الصياغة ووضوحها، ولكن في الوقت ذاته، يجب أن تكون قادرة على استيعاب تقنيات تتطور بشكل شبه يومي. إنها لغة تُعنى بالمبادئ والغايات بقدر ما تُعنى بالنصوص الجامدة.

ثالثاً: العولمة والتوحيد. الاقتصاد الرقمي لا يعترف بالحدود. لذلك، فإن أي تطور في اللغة القانونية الرقمية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التوافق مع المعايير الدولية، ليس فقط لتجنب النزاعات، بل ولجذب الاستثمارات التي تبحث عن بيئة قانونية واضحة ومستقرة ومتصلة بالعالم.

ضرورة التأهيل وإشكالية الهوة الرقمية

هنا يبرز التحدي الأكبر: التأهيل. إن المستشار القانوني الذي لا يتقن أدوات التكنولوجيا القانونية، ولا يفهم لغة الاقتصاد الرقمي، سيصبح خلال سنوات قليلة خارج سوق القانون والاستشارات. لم يعد مقبولاً أن نرى فجوة واسعة بين خريجي كليات القانون ومتطلبات سوق العمل الذي يبحث عن محامٍ يجمع بين “الفقه القانوني” و”البراعة التقنية” .

كليات القانون في الدول الحديثة لم تعد تكتفي بتدريس المواد التقليدية، بل أدخلت مساقات في الذكاء الاصطناعي والقانون، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والعقود الذكية. وهذا هو الطريق الصحيح نحو إعداد جيل من القانونيين القادرين على قيادة التحول، لا مجرد التكيف معه.

نحو عقد اجتماعي جديد

في المحصلة، نحن أمام مسؤولية تاريخية. التكنولوجيا القانونية واللغة القانونية الرقمية ليستا مجرد أدوات لتحديث الإجراءات، بل هما ركيزتان أساسيتان لبناء “عقد اجتماعي جديد” يقوم على أسس رقمية تحفظ الحقوق، وتصون الكرامة، وتواكب تطورات العصر. إن تطوير المنظومة القانونية ليس ترفاً، ولا تزييناً للواجهات، بل هو شرط أساسي للتنمية المستدامة وجذب الاستثمارات وضمان مكانة متقدمة في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد

إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس في قدرة القانون على تنظيم التكنولوجيا فحسب، بل في قدرة القانون على التحول ليصبح جزءاً من الحل، في عالم لم يعد فيه مكان للمترددين أو المتخلفين عن ركب التحول الرقمي.

ختاماً: القلم القانوني الذي لا يعرف كيف يكتب بلغة العصر، سيظل صوته صدى في غرفة فارغة. وأمتنا العربية التي تمتلك تراثاً قانونياً عريقاً، قادرة اليوم، إذا ما أحسنت استثمار عقول أبنائها، على أن تقدم نموذجاً قانونياً رقمياً يجمع بين أصالة الماضي وحداثة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى