الأرباح لا تُقاس بما يُوزَّع… بل بما يُبنى
بقلم/ خالد محمد المطوع
لم تعد النتائج المالية أو توصيات التوزيعات السنوية حدثًا يُبنى عليه قرار استثماري بحد ذاته. فما إن تُعلن الأرقام، حتى تتحول سريعًا إلى تحصيل حاصل، بينما ينتقل المستثمر المحترف إلى السؤال الأهم: ماذا بعد؟
الأسواق المالية الناضجة لم تعد تقيس النجاح بمن يتصدر الأرقام، بل بمن يتقن توظيفها. فالتجارب العالمية أثبتت أن مجالس الإدارات الكبرى لا تتنافس على الربحية وحدها، بل على الرؤية: كيف يُعاد تشكيل نموذج الأعمال؟ وكيف تتحول الأرباح إلى محرك لنمو مستدام متعدد السنوات؟
الرؤية هنا ليست شعارًا تسويقيًا، بل مسار واضح يعكس كفاءة مجلس الإدارة والجهاز التنفيذي. رؤية تعني أن الكيان يتحرك وفق خطة استراتيجية مدروسة، لا وفق تقلبات السوق أو ردود الفعل قصيرة الأجل.
في الأسواق التقليدية، تتجه الأنظار عادة إلى من يحقق أرقامًا أعلى، لكن التجارب العالمية المحترفة كشفت أن القيادة المؤسسية الحقيقية تُبنى عندما تتحول الأرباح من نهاية دورة مالية إلى بداية دورة جديدة لإعادة الابتكار وإعادة التموضع. فمجالس الإدارات الرائدة لا تسأل فقط: كم حققنا؟ بل: كيف سنبقى في الصدارة؟
من بين النماذج العالمية البارزة، يبرز نموذج HSBC فيما يمكن وصفه بـ«إعادة الهيكلة بالرؤية». إذ أعلن البنك استهداف توزيع أرباح بنحو 50% مع الالتزام بقيود رأس المال، إلى جانب برامج إعادة شراء أسهم وتوزيعات مرحلية، بالتوازي مع إعادة هيكلة استراتيجية تهدف إلى خفض التكاليف بنحو 1.5 مليار دولار سنويًا، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو آسيا، وإدارة الثروات، والذكاء الاصطناعي.
الرسالة كانت واضحة: الأرباح ليست للتوزيع فقط، بل لإعادة تشكيل البنك استراتيجيًا.
ولا يقتصر هذا النهج على HSBC، إذ تتبنى بنوك أوروبية كبرى مثل Santander وBBVA ربط توزيعات الأرباح بأهداف استراتيجية طويلة الأجل، مع استهداف عوائد على رأس المال تتجاوز 26% بحلول 2028. في هذه النماذج، تُدار الأرباح كجزء من رؤية متعددة السنوات، لا كموسم سنوي ينتهي بانتهاء الجمعية العمومية.
وقد تشكّل عالميًا نمط واضح لمجالس الإدارات الرائدة يقوم على توزيع متوازن للأرباح:
* ثلث يعود للمساهمين عبر التوزيعات وإعادة شراء الأسهم.
* ثلث يُضخ في الاستثمار بالمستقبل، من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى التوسع والاستحواذات.
* ثلث يُخصص لتعزيز المتانة المالية وإعادة هيكلة نموذج النمو.
وعليه، فإن معركة الربحية لم تعد مسألة من يوزّع أكثر، بل من يوظّف أرباحه لصناعة الهيمنة القادمة. وعندما تتقارب أرباح البنوك الكبرى، يصبح الفارق الحقيقي في قدرة المؤسسات على تحويل تلك الأرباح إلى توسع إقليمي، وبناء منصات مالية رقمية، ونماذج أعمال قادرة على الاستمرار.
وتؤكد هذه الحقيقة تجارب مؤسسات عالمية كبرى؛ فمجلس إدارة JPMorgan أقر توزيعات ربع سنوية مع برنامج إعادة شراء ضخم، بالتوازي مع إنفاق استثماري يتجاوز 100 مليار دولار سنويًا لبناء الهيمنة الرقمية والذكاء الاصطناعي. وفي السياق ذاته، رفعت Microsoft توزيعاتها مع ضخ استثمارات غير مسبوقة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
هذه النماذج تؤكد أن الأرباح ليست نهاية الدورة المالية، بل بداية دورة قيادة جديدة تُبنى بالرؤية لا بالأرقام.
في الكويت، بدأت البنوك بالفعل توظيف أرباحها لبناء مستقبل رقمي أكثر تطورًا، إلا أن الفارق ما زال قائمًا بينها وبين نماذج الهيمنة الإقليمية التي أرستها المؤسسات المالية العالمية الكبرى. فالانتقال من تحسين الأداء إلى صناعة القيادة يتطلب ما هو أبعد من إدارة الأرباح، ويتطلب رؤية واضحة لتحويلها إلى منصات مالية رقمية عابرة للحدود ونماذج أعمال قادرة على المنافسة طويلة الأجل.
لم تعد الأرباح السنوية معيار القيادة، بل اختبارها. فالتاريخ المالي لا يذكر من وزّع أكثر، بل من بنى نموذجًا أقوى وأطول عمرًا. وفي عالم تُدار فيه البنوك كمنظومات رقمية تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والتوسع الإقليمي، يصبح الاكتفاء بالتوزيعات المرتفعة دون رؤية استثمارية شاملة قرارًا دفاعيًا لا قياديًا.
السؤال الحقيقي الذي سيواجه مجالس الإدارات في الكويت لم يعد: كم وزّعنا هذا العام؟
بل: ماذا بنينا بهذه الأرباح؟ وأين سنقف بعد خمس سنوات؟
فهنا فقط تُصنع القيادة المصرفية، وهنا فقط تتحول الأرباح من رقم محاسبي إلى قوة اقتصادية حقيقية… أو تُهدر كفرصة تاريخية لا تتكرر.




