مقالات

الدكتور خالد بودي… شاهد على مسيرة التمويل الإسلامي

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

رحم الله أستاذًا ومديرًا ومفكرًا وكاتبًا ترك أثرًا لا يزول.

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، أنعى الأستاذ الدكتور خالد محمد يوسف بودي، أستاذ المحاسبة في جامعة الكويت، ونائب المدير العام للقطاع المالي في بيت التمويل الكويتي، وعضو مجلس إدارة مؤسسة البترول الكويتية، وعضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية في بنك الكويت المركزي؛ تلك القامة العلمية والمهنية التي أسهمت بعلمها وخبرتها في خدمة الكويت، وتطوير مؤسساتها، ودعم اقتصادها، وترسيخ صناعة التمويل الإسلامي.

وُلد الدكتور خالد بودي في الكويت. وبدأ مسيرته العلمية بدراسة التجارة، تخصص المحاسبة، في جامعة الكويت، ثم واصل تحصيله العلمي في الولايات المتحدة، فنال درجة الماجستير في إدارة الأعمال، تخصص المحاسبة، من جامعة ميشيغان، ثم حصل على الدكتوراه في المحاسبة من جامعة ميسوري. وبعد عودته إلى الكويت، انضم إلى هيئة التدريس في جامعة الكويت، جامعًا منذ وقت مبكر بين التكوين الأكاديمي والممارسة المهنية.

د. خالد محمد بودي

غير أن مسيرته لم تتوقف عند حدود الجامعة؛ فقد كان يؤمن بأن العلم يكتمل حين يتحول إلى ممارسة نافعة وإسهام حقيقي في بناء المؤسسات.

وكان بيت التمويل الكويتي المحطة الأبرز في مسيرته المهنية. فقد التحق به مساعدًا للمدير العام للقطاع المالي والإداري، ثم مساعدًا للمدير العام للقطاع المالي، واستمر في عمله فيه حتى عام 1993م.

وفي بيت التمويل الكويتي، لم يكن دوره إداريًا تقليديًا؛ بل كان من رواد تطوير النظام المحاسبي، وإدخال نظم وتقنيات تكنولوجيا المعلومات والخدمات المصرفية. كما ترأس لجنة تكنولوجيا المعلومات، وكان عضوًا في اللجنة التنفيذية ولجنة شؤون العاملين.

وكان الدكتور خالد بالنسبة إليّ أكثر من مدير؛ فقد كان أول مدير لي في بيت التمويل الكويتي، ومن الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في بدايات مسيرتي المهنية. وأذكر له، ولا أنسى، أنه بعد أقل من تسعين يومًا من التحاقي بالعمل في بيت التمويل الكويتي عام 1992، كتب لي كتاب شكر وإشادة بكفاءتي، أشار فيه إلى إسهامي في رفع مستوى التقارير الاقتصادية في بيت التمويل الكويتي.

لم تكن تلك الكلمات مجرد خطاب إداري، بل كانت شهادة من أستاذ كبير، وثقة من رجل يعرف قيمة العمل والكفاءة. وظل أثرها حاضرًا في مسيرتي المهنية حتى اليوم.

وقد كان له إسهام مهم في دعم مسيرة المصارف الإسلامية، وفي بناء الأطر المؤسسية والمهنية اللازمة لتطورها. كما كان من المساهمين في تأسيس هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين (AAOIFI)، وشارك في اختيار أول أمين عام لها، وكان عضوًا في مجلس معايير المحاسبة المنبثق عنها لفترتين. وتعكس هذه المساهمات وعيه المبكر بأهمية وجود معايير مهنية ومحاسبية وشرعية تضبط نمو صناعة التمويل الإسلامي وتدعم استدامتها.

وامتدت مسيرته إلى مؤسسات وطنية واقتصادية مهمة؛ فشارك في عضوية المجلس الأعلى للبترول، وشغل عضوية مجلس إدارة بيت الزكاة، وشارك في اللجنة الخيرية في بيتك. كما كان عضوًا في مجالس إدارات عدد من الشركات والمؤسسات، من بينها مجموعة الامتياز للاستثمار، وبنك آر كابيتا في البحرين، ومجموعة الخدمات التعليمية، وشركة أنظمة الكمبيوتر المتكاملة العالمية. وشغل كذلك عضوية مجلس إدارة مؤسسة البترول الكويتية، وواصل عطاءه في المجال الشرعي والمالي من خلال عضويته في الهيئة العليا للرقابة الشرعية في بنك الكويت المركزي منذ عام 2020.

ولم يكن الدكتور خالد أكاديميًا ومصرفيًا ورجل مؤسسات فحسب؛ بل كان أيضًا كاتبًا وصحفيًا اقتصاديًا متميزًا، وصاحب حضور بارز في الساحة الإعلامية الكويتية. فقد كتب في عدد من الصحف الكويتية، ومنها صحيفتا القبس والوسط، والرأي العام، وقدم في كتاباته تحليلات ورؤى اقتصادية اتسمت بالعمق والوضوح والموضوعية.

ولم يكن يكتفي بوصف المشكلة، بل كان يسعى إلى تفكيكها وتشخيص جذورها، ثم الانتقال إلى طرح حلول عملية قابلة للتطبيق.والاستثمار في الإنسان وبناء الكوادر الوطنية القادرة على القيادة؛ لأن بناء القيادات الوطنية هو الضمان الحقيقي لاستدامة أمن الكويت ومستقبلها المالي والاقتصادي.

وأثرى المكتبة الإدارية والاقتصادية بعدد من الدراسات والمؤلفات، من بينها كتابه «رحلة في عالم الأعمال»، الذي تناول قضايا التخطيط والقيادة والتنظيم والرقابة والمتابعة، وقدم رؤية عملية للتخطيط الاستراتيجي. كما اهتم بقضايا الهياكل المالية للمصارف الإسلامية، وكان من الأصوات التي دعت إلى تطوير نموذج مالي إسلامي حقيقي ومرن، قادر على التطور والمنافسة،لايكتفي بمحاكاة النماذج المصرفية التقليدية.

ومع كل هذه الخبرات والمناصب والإسهامات، فإن أكثر ما سيبقى في ذاكرة من عرف الدكتور خالد عن قرب هو تواضعه، ودماثة خلقه، وحسن تعامله. كان هادئ الحضور، كريم المعاملة، قريبًا من الناس، ولم تكن مكانته العلمية والإدارية تحول بينه وبين إنسانيته. وكان يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمنصب الذي يشغله، وإنما بما يقدمه للناس والمؤسسات والوطن.

وكان أيضًا من أكثر الشخصيات التي عرفتها إيمانًا بالتمويل الإسلامي ودفاعًا عن تطوره؛ دفاعًا لم يكن شعاريًا، بل تجسد في العمل على بناء المؤسسات والأطر التشريعية والمحاسبية والمهنية التي تمنح هذه الصناعة أساسًا قويًا للنمو والمنافسة.

ولم تنقطع علاقتي بالدكتور خالد بعد انتهاء مرحلة العمل المباشر معه؛ فقد استمرت بيننا علاقة طيبة، علمية وعملية، حتى قبيل وفاته. ظل يتابع ما أكتب، وكان قارئًا ناقدًا لمقالاتي، يقدم ملاحظاته بصدق وعمق، وينصحني بما يراه أدق وأجدى. كما كان يشاركني في ندواتي، حضورًا ومداخلةً وإثراءً للنقاش. وكانت تلك المتابعة المستمرة تعكس حرصه على العلم، وكرمه في النصح، واهتمامه الحقيقي بمن حوله؛ وهي من أجمل وجوه أثره في حياتي.

أما بالنسبة إليّ، فسأظل أذكره دائمًا باعتزاز وامتنان. فقد كان أول مدير لي في بيت التمويل الكويتي، وأحد أوائل الذين منحوني الثقة في بداية مسيرتي المهنية في الكويت. وسيظل كتاب الشكر الذي كتبه لي بعد أقل من تسعين يومًا من التحاقي بالعمل شاهدًا في ذاكرتي على رجل كان يعرف كيف يكتشف الكفاءة، ويشجعها، ويدفع أصحابها إلى المزيد من العطاء.

رحل الدكتور خالد بودي، لكن أثره باقٍ: في جامعة الكويت التي خدم فيها أستاذًا، وفي بيت التمويل الكويتي الذي كان أحد رجاله البارزين، وفي المؤسسات الوطنية والاقتصادية التي شارك في بنائها وإدارتها، وفي مسيرة التمويل الإسلامي، وفي كتبه ودراساته ومقالاته، وفي الصحافة والإعلام الاقتصادي الكويتي، وفي تلاميذه وزملائه، وكل من ترك في حياته أثرًا طيبًا.

رحم الله الأستاذ الدكتور خالد محمد يوسف بودي، رحمة واسعة، وجزاه عن علمه وعمله وإسهاماته في خدمة الكويت والاقتصاد والتمويل الإسلامي خير الجزاء.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل علمه وعمله وما قدمه لوطنه ومجتمعه ومؤسساته في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه وتلاميذه وزملاءه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى