«عنق الزجاجة»: الخطر الذي لا تراه في قوائمك المالية!
بقلم/ سيد ترهوني
مدير إدارة مخاطر
CMA, PMI-RMP
في عالم الأعمال القديم، كانت الشركة تخشى ما بين جدرانها: ضعف المبيعات، أو ارتفاع التكاليف، أو نقص السيولة. أما اليوم، فقد يأتيها الخطر من مكان لا تملك فيه مكتبا ولا موظفا: من ممر بحري، أو مورد وحيد، أو تحديث برمجي في شركة على الطرف الآخر من العالم. قد تكون الشركة رابحة، وعقودها موقعة، ومشاريعها تسير بصورة طبيعية، ثم تتوقف فجأة لأن نقطة واحدة — لا تراها قوائمها المالية — قد تعطلت. هذا ما أسميه «عنق الزجاجة». وبصفتي متخصصا في إدارة المخاطر، أرى أن السؤال الذي يفصل بين مؤسسة تصمد وأخرى تتعثر بسيط لكنه مقلق: ما الشيء الواحد الذي إذا توقف… توقفت معه أعمالنا كلها؟
من «إدارة المخاطر» إلى «إدارة الاعتماد»
اعتادت الإدارات أن تبحث عن الخطر داخل أسوارها: موظف أخطأ، أو مشروع تعثر، أو عميل لم يسدد. وهذه مخاطر حقيقية، لكن عالم اليوم المترابط جعل الشركات تحمل في نتائجها مخاطر لا تصنعها ولا تتحكم فيها بالكامل. فشركة المقاولات قد يتأخر مشروعها لا لضعف فريقها، بل لأن مادة مستوردة تأخرت في الطريق؛ والشركة التجارية قد تخسر موسما كاملا بسبب تأخر شحنة، لا ضعف الطلب؛ وشركة الخدمات قد تتأثر لا بخلل في موظفيها، بل بتوقف نظام خارجي تعتمد عليه. وهنا تظهر الحقيقة الجديدة: القوة الداخلية لم تعد تكفي وحدها.
لذلك أرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى ما هو أبعد من إدارة المخاطر بمعناها التقليدي؛ تحتاج إلى «إدارة الاعتماد». فالسؤال لم يعد فقط: ما المخاطر التي تواجهنا؟ بل أصبح: على ماذا نعتمد لكي نستمر؟ وهل نملك بديلا إذا تعطل؟ والاعتماد ذاته ليس عيبا — فلا توجد شركة تعمل وحدها، إذ تحتاج كل منها إلى موردين وشركاء وأنظمة وموانئ وبنوك وتقنية وكفاءات. لكن العيب أن تعتمد على نقطة واحدة دون أن تعرف حجم اعتمادها عليها، ودون أن تملك بديلا واضحا إذا تعطلت. فأخطر المخاطر ليست دائما تلك التي نراها في السجلات، بل تلك التي نكتشفها بعد فوات الأوان.
الممرات الحيوية… حين يقرر البحر مصير الأرباح
لم تعد سلاسل الإمداد شأنا يخص المشتريات واللوجستيات وحدهما؛ صارت جزءا مباشرا من حماية الأرباح واستمرارية الأعمال. وأوضح مثال على «عنق الزجاجة» يقع قريبا منا: مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي تعبره كميات ضخمة من تجارة الطاقة العالمية. ومع ما تشهده المنطقة هذه الأيام من بوادر تهدئة وحديث متجدد عن تفاهمات سياسية، يبقى الدرس في إدارة المخاطر ثابتا: الاتفاقات قد تخفض احتمال التعطل، لكنها لا تلغي أثره إذا وقع. فالاعتماد على ممر واحد يظل خطرا قائما، سواء كان الطريق مستقرا اليوم أو مهددا غدا؛ لأن من لا يملك بديلا واضحا يبقى معرضا لأول انقطاع. وتكفي توترات محدودة قرب ممر كهذا حتى ترتفع تكلفة التأمين، وتتردد شركات الشحن، وتعيد الأسواق حساباتها، فتتأثر شركات لم تكن طرفا في الأزمة أصلا. وقد رأينا في البحر الأحمر كيف دفعت اضطرابات الملاحة كثيرا من السفن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول طرق أطول، فزادت الكلفة والزمن على شركات لم ترتكب أي خطأ تشغيلي.
والدرس واضح: السعر الأقل ليس دائما الخيار الأفضل إذا كان وراءه مورد وحيد، أو بلد منشأ عالي المخاطر، أو مسار شحن واحد، أو غياب للبديل. كم من شركة وفرت مبلغا بسيطا في الشراء، ثم خسرت أضعافه بسبب التأخير؟ وكم من مشروع تعطل لأن مادة واحدة لم تصل؟ وكم من إدارة ظنت أن لديها قائمة طويلة من الموردين، ثم اكتشفت أنها تعتمد فعليا على مورد واحد عند الحاجة؟ إن التوفير الذي يصنع نقطة ضعف ليس توفيرا حقيقيا، بل مخاطرة مؤجلة.
الاعتماد الرقمي… البنية التي نظنها افتراضية
يظن بعضنا أن السحابة والذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية تعمل في فضاء بعيد عن المخاطر المادية. لكن الحقيقة أن العالم الرقمي نفسه يقوم على بنية قابلة للتوقف: مراكز بيانات، وكابلات، وكهرباء، ومزودو خدمة، وتحديثات برمجية، وصلاحيات وصول، واتفاقيات لا يقرأها كثيرون إلا بعد وقوع المشكلة. ففي 19 يوليو 2024، أطلق مزود عالمي للأمن السيبراني تحديثا معيبا، فتوقف نحو 8.5 مليون جهاز حول العالم في أحد أكبر الأعطال التقنية عالميا؛ تعطلت آلاف الرحلات الجوية، وتأثرت بنوك ومستشفيات وشركات كبرى. لم تكن المشكلة في كل مؤسسة على حدة، بل في اعتماد واسع على نقطة تقنية واحدة. ومن يبني مستقبله على التكنولوجيا دون أن يفهم حجم اعتماده عليها، كمن يبني برجا عاليا دون أن يراجع أساساته.
فالتحول الرقمي الآمن لا يعني فقط شراء الأنظمة، بل امتلاك إجابة واضحة: أين تخزن بياناتنا، ومن يملك حق الوصول إليها، وماذا يحدث إن توقف النظام؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفا تقنيا، بل صارت جزءا من حوكمة المؤسسة.
ختاما: لا تبحث عن الخطر في مكان واحد
المؤسسة الواعية لا تنتظر الأزمة لتكتشف نقاط اعتمادها؛ بل ترسم من الآن «خريطة اعتماد» واضحة: ما الموردون الذين يصعب استبدالهم سريعا؟ وما العمليات التي تعتمد على شخص واحد؟ وما المسارات التي تمر منها الأرباح قبل أن تصل إلى القوائم المالية؟ ثم تنتقل من المعرفة إلى الحماية الفعلية: تنويع الموردين، ومخزون مناسب للمواد الحرجة، وبدائل جاهزة، وعقود محكمة، وخطط قابلة للتطبيق. والأهم أن ينتقل سؤال المخاطر إلى ما قبل القرار لا بعده: قبل الشراء نسأل عن الاعتماد، وقبل التوقيع نسأل عن البديل، وقبل التحول الرقمي نسأل عن الاستمرارية، وقبل اختيار الأرخص نسأل عن تكلفة التوقف.
فالشركة القوية ليست فقط التي تحقق الأرباح، بل التي تعرف كيف تحمي الطريق المؤدي إليها. ورسالتي لكل إدارة: لا تسألوا فقط «كم نربح؟»، بل اسألوا أيضا: من أي طريق يمر هذا الربح؟ وهل نملك طريقا آخر إن أغلق الطريق الأول؟ فأخطر ما في «عنق الزجاجة» أنه يبدو ضيقا وبعيدا… حتى يأتي يوم تكتشف فيه الشركة أن أعمالها كلها تمر من خلاله.




