مقالات

عندما يختفي “الكاش” من المشهد… كيف تعيد الكويت رسم خريطة الامتثال المالي؟

 

بقلم أحمد ممدوح المرسي

أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال

 

في خطوة تعكس تحولاً واضحاً نحو الرقابة على التدفقات النقدية داخل السوق الكويتي، أصدرت وزارة التجارة والصناعة في دولة الكويت القرار الوزاري رقم (32) لسنة 2026 الصادر بتاريخ 6 أبريل 2026 بشأن حظر التعاملات النقدية لبعض الأنشطة، وهو قرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لمنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فالقرار يُمثل إعادة هندسة حقيقية لطبيعة المعاملات داخل قطاعات خدمية ذات تعامل يومي مباشر مع الجمهور.

عندما تتحول المعاملات إلى آثار رقمية… كيف تعيد الكويت تشكيل معركة مكافحة غسل الأموال؟

لم يعد تنظيم وسائل الدفع مجرد مسألة تشغيلية، بل أصبح أحد أهم أدوات إدارة المخاطر المالية، وفي هذا الإطار يأتي القرار الوزاري ليعكس تحولاً استراتيجياً في طريقة التعامل مع النقد، ليس باعتباره وسيلة دفع فقط، بل باعتباره أحد أهم مصادر المخاطر في منظومة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فالقرار الذي بدأ العمل به اعتباراً من 6 أبريل 2026، لا يقتصر على تنظيم التعاملات النقدية في بعض الأنشطة، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: تقليل “المساحات غير المرئية” داخل الاقتصاد الوطني.

القرار الجديد… امتداد لمنهج رقابي متصاعد

لا يمكن قراءة القرار رقم (32) لسنة 2026 بمعزل عن القرارات السابقة، ومنها على سبيل المثال القرار الوزاري رقم (182) لسنة 2025 الصادر في 10 نوفمبر 2025 والذي حظر التعاملات النقدية في تجارة الذهب والمعادن النفيسة، وكذلك القرار الوزاري (128/أ) لسنة 2016 الصادر عن وزارة الشئون الاجتماعية بشأن إصدار لائحة تنظيم جمع التبرعات، والذي يحظر جمع التبرعات النقدية المباشرة من المتبرعين.

لذلك  فإن ما نشهده اليوم ليس قراراً منفصلاً، بل مساراً تنظيمياً متدرجاً يهدف إلى تقليص الاعتماد على النقد بشكل تدريجي ومدروس، حيث تناول القرار الصادر مؤخراً حظر إجراء أي تعاملات نقدية تتجاوز قيمتها عشرة  دنانير كويتية في عدد من الأنشطة مثل المعاهد الصحية، الصالونات، النوادي الرياضية، وبعض الأنشطة المرتبطة بالصحة العامة، مع إلزام تلك الجهات باستخدام القنوات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة.

 

النقد… المساحة الرمادية في النظام المالي

لطالما شكل النقد الحلقة الأضعف في أي نظام رقابي، ليس لأنه غير مشروع في ذاته، ولكن لأنه بطبيعته لا يترك أثراً يمكن تتبعه. فهو ينتقل بين الأطراف دون سجل، ولا يرتبط ببيانات تعريفية، ولا يمكن إعادة بناء مساره بسهولة، وهذه الخصائص تحديداً هي ما جعلته الأداة الأكثر استخداماً في عمليات غسل الأموال، حيث يُستخدم لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، أو لتفتيت العمليات المالية بعيداً عن أعين الجهات الرقابية. ومن هنا، فإن الحد من استخدام النقد لا يُعد مجرد إجراء تنظيمي، بل هو تدخل مباشر في “بيئة المخاطر” نفسها.

من التعامل النقدي إلى الأثر الرقمي

يُحدث القرار تحولاً جوهرياً من اقتصاد يعتمد على النقد إلى اقتصاد يعتمد على وسائل دفع قابلة للرصد، فإلزام الأنشطة باستخدام القنوات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة يعني أن كل معاملة ستتحول إلى “أثر رقمي” يمكن تتبعه وتحليله عند الحاجة، وهذا التحول لا يعزز فقط الشفافية، بل يرفع من كفاءة أنظمة الامتثال، حيث تصبح المؤسسات قادرة على إعادة بناء مسار العمليات المالية، وربط الأطراف، واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية. وهو ما يتماشى بشكل مباشر مع متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة فيما يتعلق بقابلية التتبع وتحليل السلوك المالي.

ما الذي يعنيه ذلك من منظور الامتثال؟

من زاوية الامتثال، يمثل هذا القرار نقلة نوعية في طبيعة الالتزامات المفروضة على الشركات، فلم يعد الامتثال مقتصراً على السياسات والإجراءات، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بطريقة تنفيذ العمليات اليومية. فالشركات مطالبة اليوم ليس فقط بالالتزام بالتعليمات، بل بإعادة تصميم نماذج عملها بما يضمن أن تكون جميع تعاملاتها قابلة للتتبع، وأن تكون بياناتها المالية متاحة للتحليل، وأن تقلص من اعتمادها على أي وسائل قد تخلق فجوات رقابية.

وهنا يتقاطع القرار بشكل مباشر مع فلسفة النهج القائم على المخاطر التي تؤكد عليها مجموعة العمل المالي (FATF) في توصيتها الأولى، حيث يتم توجيه الضوابط نحو المناطق الأكثر عرضة للاستغلال.

الخلاصة… حين تصبح الشفافية شرطاً للاستمرار

لم يعد تقليل التعاملات النقدية مجرد توجه تنظيمي، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى حماية النظام المالي من الاستغلال. فالانتقال إلى وسائل الدفع القابلة للتتبع لا يعزز فقط الرقابة، بل يعيد تشكيل بيئة العمل المالي بالكامل.

ويمكن القول إن ما نشهده اليوم هو تحول من اقتصاد يسمح بوجود “مناطق رمادية”، إلى اقتصاد يسعى لأن تكون كل معاملة فيه قابلة للفهم والتحليل، وفي ظل هذا التحول، لن يكون التحدي الحقيقي هو الالتزام بالنصوص، بل القدرة على التكيف مع بيئة جديدة بيئة لم يعد فيها للنقد مساحة كبيرة للاختباء.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى