الفيدرالي يرفع الفائدة مجددًا.. هل بدأت دورة تشديد نقدي جديدة؟
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على آخر زيادة في أسعار الفائدة، عاد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد السياسة النقدية. ويعكس القرار تنامي المخاوف من استمرار التضخم، رغم بقاء الاقتصاد الأمريكي متماسكًا نسبيًا.
رفع الفيدرالي النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل إلى 3.75%–4.00%. وتُعد هذه أول زيادة منذ صيف عام 2023.
لم يكن القرار مفاجئًا تمامًا للأسواق؛ فقد توقعت الغالبية الساحقة من الاقتصاديين زيادة ربع نقطة مئوية، كما سعّرت أسواق العقود الآجلة هذا الاحتمال بدرجة كبيرة.
لماذا رفع الفيدرالي الفائدة الآن؟
لم يأتِ القرار استجابةً لانكماش اقتصادي أو ضعف حاد يحتاج إلى دعم. فعلى العكس، يرى الفيدرالي أن النشاط الاقتصادي لا يزال ينمو بوتيرة قوية ءنسبيًا.
ظل الإنفاق المحلي مرنًا، واستمر نمو الإنتاجية، كما بقي الاستثمار الرأسمالي متماسكًا. وحافظ سوق العمل على قدرته على استيعاب الداخلين الجدد إلى قوة العمل، في حين لم يطرأ تغير كبير على معدل البطالة.
لكن التضخم لا يزال أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%.
وهنا تكمن المعضلة: اقتصاد متماسك وسوق عمل لم يتدهور بوضوح، في مقابل ضغوط سعرية مستمرة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها مجددًا خيارًا متاحًا للحد من التضخم.
هل يرفع الفيدرالي الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام؟
يمثل هذا السؤال محور اهتمام الأسواق.
لم يقدم بيان الفيدرالي توجيهًا واضحًا بشأن اجتماع 28 أكتوبر. ويتسق ذلك مع موقف رئيس الفيدرالي، كيفن وورش، الرافض لتقديم التزامات مسبقة بشأن القرارات المقبلة.
مع ذلك، تحمل توقعات مسؤولي الفيدرالي المنشورة بالتزامن مع القرار رسالة مهمة. فمن بين المسؤولين المشاركين في التوقعات، يرى 12 مسؤولًا أن أسعار الفائدة ستنهي عام 2026 عند 4.25%، ما يعني زيادة إضافية واحدة بمقدار 25 نقطة أساس. ويتوقع أربعة مسؤولين وصولها إلى 4.50%، أي زيادتين إضافيتين.
في المقابل، يتوقع مسؤولان فقط بقاء أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية.
ويشير هذا التوزيع إلى ميل نسبي نحو استمرار التشديد النقدي، لكنه لا يمثل التزامًا مسبقًا بزيادة جديدة.
التضخم وسوق العمل والطاقة تحدد القرار المقبل
لن يعتمد قرار الفيدرالي المقبل على بيانات التضخم وحدها، بل على مجموعة واسعة من المؤشرات، وفي مقدمتها سوق العمل.
إذا استمر التحسن الذي ظهر في أغسطس، من دون أن يتحول سوق العمل إلى مصدر ضغوط تضخمية جديدة، فقد يمتلك الفيدرالي مساحة أكبر للمناورة.
أما ارتفاع التضخم، ولا سيما التضخم الأساسي، أو تجدد صعود أسعار الطاقة، فقد يزيد الضغوط نحو تشديد السياسة النقدية.
وستظل التطورات الجيوسياسية عاملًا مهمًا أيضًا، بسبب تأثيرها المحتمل في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
الاقتصاد الأمريكي متماسك.. لكن المخاطر تتغير
لم تتغير التوقعات الاقتصادية للفيدرالي كثيرًا منذ يونيو. فقد رُفعت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بصورة طفيفة لعامي 2026 و2027، بينما عُدّلت توقعات البطالة إلى مستويات أقل قليلًا، في وقت ارتفعت فيه توقعات التضخم.
ويشير ذلك إلى أن رفع الفائدة لا يعكس بالضرورة تحولًا جذريًا في تقييم الفيدرالي لقوة الاقتصاد، بل يعكس تغيرًا في ميزان المخاطر المحيطة بالتوقعات.
بعبارة أخرى، لا يتحرك الفيدرالي لأن الاقتصاد الأمريكي انهار، بل لأنه يرى أن استمرار التضخم فترة أطول قد يتطلب موقفًا نقديًا أكثر تشددًا.
قرار حساس في بيئة سياسية
يأتي رفع الفائدة في بيئة سياسية شديدة الحساسية. فقد وجّه الرئيس دونالد ترامب انتقادات حادة إلى جيروم باول بسبب عدم خفض أسعار الفائدة، ولذلك لا ينسجم القرار الجديد مع المطالب الداعية إلى سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
وتزداد حساسية القرار مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في ظل أهمية تكلفة المعيشة والتضخم بالنسبة إلى الناخبين.
لكن الاعتبارات السياسية لا تغير المهمة الأساسية للبنك المركزي، والمتمثلة في تحقيق استقرار الأسعار ودعم التوظيف. لذلك سيظل السؤال الاقتصادي هو: هل يتجه التضخم فعلًا نحو هدف 2%، أم أن الضغوط السعرية أصبحت أكثر استمرارًا؟
الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين
لا يعني رفع الفائدة ربع نقطة مئوية أن الاقتصاد الأمريكي دخل بالضرورة دورة طويلة من التشديد النقدي. فالقرار المقبل سيظل مرتبطًا بالبيانات.
إذا استمر النمو، وبقي التضخم مرتفعًا، ولم يشهد سوق العمل تدهورًا ملموسًا، فقد يظل رفع الفائدة مجددًا مطروحًا. أما إذا ظهرت مؤشرات واضحة على تباطؤ الاقتصاد أو تراجع مستدام في التضخم، فقد تتغير حسابات الفيدرالي.
لذلك، فإن اعتبار القرار الحالي بداية سلسلة مؤكدة من الزيادات سيكون سابقًا لأوانه.
الخلاصة
يمثل رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة إلى 3.75%–4.00% تحولًا مهمًا في مسار السياسة النقدية الأمريكية، لكنه لا يحسم وحده اتجاه الأشهر المقبلة.
الرسالة الأهم هي أن معركة التضخم لم تنتهِ، وأن قوة الاقتصاد وسوق العمل تمنح الفيدرالي مساحة لمواصلة مواجهة الضغوط السعرية.
في المقابل، قد تفرض الزيادات المتكررة تكلفة اقتصادية، خصوصًا على الاقتراض والاستثمار والإسكان والأسواق المالية.
وستكون الأشهر المقبلة اختبارًا حقيقيًا للفيدرالي: هل تكفي زيادة واحدة لإعادة التضخم إلى مساره المستهدف، أم أن استمرار الضغوط السعرية سيدفع البنك المركزي إلى رفع الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام؟
لن تحدد الإجابة مسار السياسة النقدية الأمريكية فحسب، بل ستؤثر أيضًا في الدولار وأسعار الذهب وتكاليف التمويل والأسواق العالمية.



