مقالات

“صافي الربح ليس رقماً… بل قصة تكتبها 3 معايير محاسبية”؟

 

بقلم/ د. علي عويد رخيص العنزي*

خبير اقتصادي ومحاسبي

مؤسس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو Nexia

رئيس لجنة أمناء إفلاس شركة دار الاستثمار

 

في كل نهاية عام مالي، تتسابق الشركات لإعلان “صافي أرباحها” في عناوين كبيرة. رقم واحد يهز البورصة، ويحدد مصير القروض، ويغير ثقة المستثمرين.

لكن هل سألت نفسك يوماً: من الذي يضع هذا الرقم فعلاً؟

الإجابة الصادمة: لا الإدارة وحدها، ولا المحاسب.

بل هي معركة صامتة بين 3 معايير دولية… معيار يحدد متى تبيع، ومعيار يقيس ما كلفك، ومعيار يرسم كيف تظهر النتيجة.

هؤلاء هم صانعو الأرباح الحقيقيون.

عندما تعلن شركة مدرجة أنها حققت 50 مليون دينار كويتي أرباحاً في نهاية العام، يعتقد كثيرون أن هذا الرقم يمثل الأموال التي دخلت خزينة الشركة.

لكن الحقيقة مختلفة؛ فصافي الربح ليس رصيداً نقدياً، وليس رقماً تحدده الإدارة وفق رغبتها، بل هو نتيجة لتطبيق معايير دولية لإعداد التقارير المالية IFRS تحدد بدقة متى يُعترف بالإيراد، وكيف تُقاس التكاليف، وما هي المصروفات والخسائر التي يجب تحميلها على الفترة المالية.

إذاً من الذي يحدد صافي الربح فعلياً؟

الجواب: المعايير المحاسبية الدولية.

أولاً: IAS 1… دستور عرض الأرباح

يُعد المعيار المحاسبي الدولي IAS 1 “عرض القوائم المالية” المرجع الأساسي في إعداد وعرض القوائم المالية.

فهو يضع الإطار العام لعرض القوائم المالية، ويحدد الحد الأدنى للمعلومات التي يجب الإفصاح عنها، بما يضمن الشفافية وقابلية المقارنة بين الشركات.

كما يؤكد على تطبيق أساس الاستحقاق، بحيث تُعترف بالإيرادات والمصروفات عند تحققها اقتصادياً، وليس عند استلام أو دفع النقد.

وبفضل هذا المبدأ، لا تستطيع أي شركة تضخيم أرباحها بمجرد تحصيل مبالغ مقدماً أو تأجيل سداد بعض المصروفات.

ثانياً: IFRS 15… حارس بوابة الإيرادات

إذا كان IAS 1 هو الدستور، فإن المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية IFRS 15 “الإيراد من العقود مع العملاء” هو الحارس الحقيقي للإيرادات.

هذا المعيار يجيب عن السؤال الأهم: متى يصبح البيع إيراداً؟

الإجابة ليست عند توقيع العقد، ولا عند إصدار الفاتورة، وإنما عندما تنتقل السيطرة على السلعة أو الخدمة إلى العميل ويصبح للشركة حق الاعتراف بالإيراد.

فعلى سبيل المثال، إذا وقعت شركة مقاولات عقداً بقيمة مليون دينار في شهر ديسمبر ولم تبدأ بتنفيذ المشروع، فلا يجوز لها الاعتراف بكامل قيمة العقد كإيراد، وإنما يتم الاعتراف بالإيراد وفقاً لمراحل التنفيذ واستيفاء متطلبات المعيار.

وقد أسهم هذا المعيار في الحد من الممارسات التي كانت تؤدي إلى تضخيم الأرباح من خلال تسجيل إيرادات قبل استحقاقها.

ثالثاً: IAS 2… ميزان تكلفة البضاعة

الإيراد وحده لا يصنع الربح، بل يجب قياس تكلفة البضاعة المباعة بصورة صحيحة.

وهنا يأتي دور المعيار المحاسبي الدولي IAS 2 “المخزون”، الذي ينظم كيفية قياس المخزون وتحديد تكلفة المبيعات.

ويلزم المعيار الشركات بقياس المخزون بالتكلفة أو بصافي القيمة القابلة للتحقق أيهما أقل، منعاً للمبالغة في قيمة المخزون وإظهار أرباح غير حقيقية.

فكلما ارتفعت تكلفة المبيعات انخفض صافي الربح، والعكس صحيح.

معايير أخرى تؤثر بصورة مباشرة في صافي الربح

رغم أن المعايير الثلاثة السابقة تُعد الأكثر ارتباطاً بصافي الربح، فإن هناك معايير أخرى قد يكون تأثيرها كبيراً على النتائج المالية، ومن أهمها:

1- IFRS 9 – خسائر الائتمان المتوقعة

إذا كانت لدى الشركة ذمم مدينة أو قروض أو استثمارات مالية، فإن المعيار يلزمها بتقدير خسائر الائتمان المتوقعة والاعتراف بها حتى قبل وقوع التعثر الفعلي، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأرباح بصورة جوهرية.

2- IAS 16 – الإهلاك

الأصول الثابتة لا تُحمَّل تكلفتها دفعة واحدة، بل تُوزع على سنوات استخدامها من خلال الإهلاك، وهو ما يخفض الأرباح بصورة منتظمة ويعكس الاستفادة الفعلية من الأصل.

3- IAS 36 – انخفاض قيمة الأصول

إذا انخفضت القيمة القابلة للاسترداد لأصل معين، مثل مصنع أو عقار أو استثمار، فيجب الاعتراف بخسارة انخفاض القيمة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع كبير في الأرباح.

4- IAS 37 – المخصص

يلزم هذا المعيار الشركات بتكوين مخصصات للالتزامات المحتملة متى توافرت شروط الاعتراف، مثل القضايا والضمانات والالتزامات البيئية، مما يؤدي إلى تحميل الفترة المالية بالتكاليف المتوقعة.

5- IAS 12 – ضريبة الدخل

بعد احتساب الإيرادات والمصروفات، تأتي ضريبة الدخل لتقتطع جزءاً من الأرباح وفقاً لأحكام المعيار.

هل صافي الربح يعني وجود سيولة؟

الإجابة: ليس بالضرورة.

فقد تحقق الشركة أرباحاً محاسبية مرتفعة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من نقص في السيولة نتيجة بطء تحصيل العملاء، أو ارتفاع قيمة المخزون، أو ضخ استثمارات كبيرة.

لذلك يميز المحللون دائماً بين الربحية والتدفقات النقدية، فلكل منهما دلالته المختلفة عند تقييم أداء الشركة.

 

ببساطة… كيف يُحتسب صافي الربح؟

صافي الربح = الإيرادات − تكلفة المبيعات − المصروفات التشغيلية − خسائر الائتمان المتوقعة − الإهلاك − المخصصات − الضرائب ± الإيرادات والمصروفات الأخرى

ولهذا فإن أي خطأ في أحد هذه العناصر سينعكس مباشرة على الرقم النهائي الذي يراه المستثمرون في القوائم المالية.

متى يصبح صافي الربح مضللاً؟

قد يبدو صافي الربح مرتفعاً، لكنه لا يعكس بالضرورة الأداء التشغيلي الحقي إذا كان ناتجاً عن أرباح غير متكررة، مثل بيع أصل ثابت، أو مكاسب استثنائية، أو إعادة تقييم بعض الاستثمارات.

ولهذا لا يكتفي المحللون الماليون بالنظر إلى صافي الربح وحده، بل يدرسون أيضاً مصادر الأرباح واستدامتها وجودتها.

الخلاصة

الخلاصة أن صافي الربح ليس شهادة نجاح، بل هو تقرير فني.

هو حصيلة عملية تبدأ بلحظة الاعتراف بالإيراد وفق `IFRS 15`، وتمر بقياس التكلفة وفق `IAS 2`، وتنتهي بعرض النتيجة وفق `IAS 1`.

لذلك لا تنخدع بالرقم الكبير في أسفل القائمة. اسأل دائماً: هل هو ربح مستدام من التشغيل؟ أم مجرد “أرقام على الورق” من بيع أصل أو إعادة تقييم؟

لأن في عالم المال، من يملك فهم المعايير… يملك فهم الحقيقة.

وما دون ذلك، قد يكون مجرد حبر على ورق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى