الاقتصاد الكويتي واختبار المشاريع الصغيرة الأخير
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
لا تُقاس قوة قطاع المشروعات الصغيرة بعدد الرخص التجارية، بل بقدرة تلك المشروعات على البقاء والنمو.
-
حاجة ماسة إلى مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى برعاية الجمعية الكويتية الاقتصادية والبنوك المحلية.
-
ملف المبادرين المتعثرين فرصة لإعادة تقييم منظومة ريادة الأعمال بأكملها.
-
المؤشر الحقيقي لنجاح أي صندوق تنموي ليس عدد القروض الممنوحة، بل بحجم القيمة الاقتصادية التي أضافتها.
-
المبادر المتعثر ليس دائماً متهرباً، أحياناً هو صاحب مشروع واجه تحديات لم يكن مستعدا لها
-
التمويل وحده لا يصنع رائد أعمال ناجحاً. فالمال قد يفتح الباب، لكنه لا يدير المشروع ولا يضمن الاستمرارية.
-
ملف المشروعات الصغيرة وصل إلى لحظة مراجعة كبرى للتمويل، والحوكمة، والمتابعة، والتعثر، والعدالة، وحماية المال العام.
-
الصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة موّل أكثر من 1100 مشروع بقيمة تقارب 203 ملايين دينار.
عندما يطرق التنفيذ القضائي أبواب رواد الأعمال
هل فشل المبادر أم فشلت المنظومة؟
في كل اقتصاد يبحث عن مستقبل خارج عباءة النفط والوظيفة الحكومية، تبدو المشروعات الصغيرة والمتوسطة كأنها الوصفة الذهبية: شباب يملكون الحلم، دولة توفر التمويل، وسوق يفترض أن يحتضن المبادرة. لكن الأرقام الأخيرة في الكويت تفتح باباً أعمق من مجرد «تعثر قروض» أو «ملفات تنفيذ». نحن أمام اختبار حقيقي لفلسفة الدولة في إدارة ريادة الأعمال: هل نريد تمويل مشاريع فقط، أم بناء قطاع منتج قادر على الصمود والمنافسة؟ ما كشفته التقارير الأخيرة حول تعثر عشرات المبادرين، وفتح ملفات تنفيذ قضائي بحق 150 منهم، ووجود 70 ملفاً إضافياً على الطريق، لا يجب أن يُقرأ كخبر مالي عابر. كما أن معالجة أوضاع 80 مبادراً ممن سُحبت جنسياتهم لا يمكن النظر إليها كإجراء إداري منفصل. الصورتان معاً تكشفان أن ملف المشروعات الصغيرة في الكويت وصل إلى لحظة مراجعة كبرى: مراجعة للتمويل، والحوكمة، والمتابعة، والتعثر، والعدالة، وحماية المال العام.

رؤية الكويت والاختبار الأصعب
تعتمد رؤية الكويت 2035 على فكرة الحكومة الفعالة، والاقتصاد المتنوع، والتنمية البشرية، والحوكمة الأفضل. لكن هذه الأهداف، مهما كانت طموحة، لا يمكن أن تعيش طويلاً إذا بقي التنفيذ أبطأ من الإعلان. فالرؤية ليست معرضاً للعناوين، بل امتحاناً يومياً للقدرة على الإقفال، والمتابعة، والتصحيح، والقياس. ومن هنا، فإن تعثر 150 مبادرة، ومعالجة 80 أخرى، ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل مؤشراً على أن السؤال الأكبر لا يزال معلقاً: هل تملك الكويت جهازاً تنفيذياً قادراً على ملاحقة رؤيتها بنفس السرعة التي تصوغ بها هذه الرؤية؟ أم أن الإصلاح سيبقى ممتداً على الورق أكثر مما هو ممتد في الواقع؟ في الاقتصادات الحديثة، لا تُقاس قوة قطاع المشروعات الصغيرة بعدد الرخص التجارية التي تُصدر، ولا بعدد المبادرات التي تُعلن، بل بقدرة تلك المشروعات على البقاء والنمو والتحول إلى شركات منتجة تخلق الوظائف والثروة. ولهذا السبب، فإن الأرقام التي كشفت عنها التقارير الأخيرة بشأن تعثر عشرات المبادرين الكويتيين وانتقال نحو 150 ملفاً إلى مرحلة التنفيذ القضائي مع وجود 70 ملفاً إضافياً على الطريق، ليست مجرد قضية تحصيل مالي، بل جرس إنذار اقتصادي يستحق التوقف عنده بجدية. فالحديث هنا لا يتعلق بأفراد تعثروا في سداد أقساط تمويلية فقط، بل بمنظومة كاملة تمثل أحد أهم رهانات الكويت في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية والنفط. وقد أشارت البيانات إلى أن الصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة موّل أكثر من 1100 مشروع بقيمة تقارب 203 ملايين دينار، فيما دفعت الإجراءات القضائية الأخيرة العديد من المبادرين إلى تسوية أوضاعهم وسداد نحو 1.7 مليون دينار من القروض المتعثرة.
بين حماية المال العام وحماية المبادر و من الرعاية إلى المساءلة
منذ تأسيس منظومة دعم المشروعات الصغيرة، كان الهدف واضحاً: خلق جيل جديد من أصحاب الأعمال، تقليل الاعتماد على القطاع الحكومي، وتنويع القاعدة الاقتصادية. لكن التجربة أثبتت أن التمويل وحده لا يصنع رائد أعمال ناجحاً. فالمال قد يفتح الباب، لكنه لا يدير المشروع، ولا يفهم السوق، ولا يخلق زبائن، ولا يضمن الاستمرارية.
ولهذا فإن انتقال جزء من ملفات المبادرين إلى التنفيذ القضائي يعني أن العلاقة بين الصندوق والمبادر خرجت من دائرة الرعاية إلى دائرة المساءلة. وهذه المساءلة مشروعة من زاوية حماية المال العام، لكنها في الوقت نفسه تفرض سؤالاً أكثر حساسية: لماذا تعثر هؤلاء؟ وهل كان التعثر نتيجة سوء إدارة فردية، أم قصور في منظومة الدعم والمتابعة والتوجيه؟
من السهل أن تقول إن من حصل على التمويل عليه الالتزام بالسداد، وأن المال العام لا يمكن التساهل فيه. وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا وصل هذا العدد من المبادرين إلى مرحلة التنفيذ القضائي أصلاً؟
ففي أغلب الاقتصادات المتقدمة، يُنظر إلى فشل المشروع التجاري باعتباره جزءاً من دورة الأعمال الطبيعية. ففي كندا مثلاً، تفشل نسبة كبيرة من الشركات الناشئة خلال السنوات الخمس الأولى، ومع ذلك لا يُنظر إلى رائد الأعمال الفاشل باعتباره شخصاً غير جدير بالثقة، بل صاحب تجربة قد تكون أكثر قيمة في مشروعه التالي. أما في منطقتنا، فإن التعثر التجاري غالباً ما يتحول إلى قضية مالية وقانونية ونفسية واجتماعية في آن واحد، وهو ما يدفع كثيرين إلى تجنب ريادة الأعمال من الأساس.
هل المشكلة في التمويل أم في السوق؟
الواقع أن التمويل ليس دائماً المشكلة الرئيسية. فكثير من المبادرين حصلوا على التمويل، لكنهم واجهوا تحديات أكبر بعد استلام الأموال، مثل: ضعف الدراسات السوقية، المنافسة الحادة، ارتفاع الإيجارات، نقص الخبرات الإدارية، محدودية التسويق الرقمي، الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، تغير سلوك المستهلك. وبالتالي فإن ضخ الأموال وحده لا يصنع مشروعاً ناجحاً، تماماً كما أن شراء طائرة لا يجعل صاحبها طياراً.
اقتصاد الريادة لا يُدار بالقروض فقط
التجارب العالمية الناجحة أثبتت أن تمويل المشاريع لا يمثل سوى جزء محدود من منظومة النجاح، فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد معرفي وريادي ركزت على أربعة عناصر متكاملة وهي: التعليم وريادة الأعمال، والابتكار والتكنولوجيا، والبيئة التنظيمية، وأخيراً سهولة ممارسة الأعمال. ومن هنا يصبح السؤال: هل قدمنا للمبادر التمويل فقط، أم قدمنا له منظومة متكاملة من التوجيه والإرشاد والدعم والتسويق والتدريب؟
التنفيذ القضائي… هل هو نهاية الطريق؟
قد يبدو التنفيذ القضائي إجراءً صارماً، لكنه في الوقت ذاته كشف جانباً مهماً من القضية. فبمجرد بدء فتح الملفات القانونية، سارع عدد كبير من المبادرين إلى تسوية أوضاعهم وإعادة جدولة التزاماتهم، ما أدى إلى تحصيل ملايين الدنانير التي كانت مجمدة لسنوات. وهذا يعني أن المشكلة ليست دائماً في عدم القدرة على السداد، بل أحياناً في غياب الحافز أو تأجيل اتخاذ القرار حتى اللحظة الأخيرة. لكن الخطر يكمن في أن يتحول التنفيذ القضائي إلى أداة معالجة رئيسية بدلاً من أن يكون الملاذ الأخير بعد استنفاد كل الحلول الوقائية. ففي الاقتصاد الصحي، التنفيذ هو آخر العلاج، لا بدايته. قبله يجب أن تكون هناك مراحل واضحة: إنذار مبكر، مراجعة مالية، إعادة هيكلة، تقييم تشغيلي، خطة إنقاذ، ثم قرار نهائي إذا ثبت أن المشروع توقف أو أن صاحبه لم يعد متعاوناً. المبادر المتعثر ليس دائماً متهرباً. أحياناً هو صاحب مشروع لم يفهم التدفقات النقدية، أو دخل سوقاً مشبعاً، أو وقع تحت ضغط الإيجارات والعمالة والمنافسة، أو افتقد الاستشارة الصحيحة في الوقت المناسب. لذلك، لا بد من التمييز بين من فشل تجارياً بحسن نية، ومن خالف اللوائح أو أغلق المشروع أو امتنع عن التعاون.
ماذا تخسر الكويت عندما يفشل مشروع صغير؟
حين يغلق مشروع صغير أبوابه، لا تخسر الدولة قيمة القرض فقط، بل تخسر وظيفة محتملة لمواطن، واستثماراً خاصاً، ونشاطاً اقتصادياً جديداً، ومورداً رسومياً مستقبلياً، والأخطر من ذلك أن تخسر تجربة ريادية كان يمكن أن تتحول إلى شركة كبيرة. والتاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لشركات عالمية مرت بمراحل تعثر حادة قبل أن تصبح علامات تجارية بمليارات الدولارات.
من ثقافة التمويل إلى ثقافة النتائج
المرحلة المقبلة تتطلب انتقالاً من سؤال “كم مشروعاً موّلنا؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “كم مشروعاً نجح؟”. فالمؤشر الحقيقي لنجاح أي صندوق تنموي ليس عدد القروض الممنوحة، بل عدد الشركات التي بقيت في السوق بعد خمس سنوات، وعدد الوظائف التي خلقتها، وحجم القيمة الاقتصادية التي أضافتها.
الكويت أمام اختبار جديد
شهدت الكويت خلال العامين الماضيين حراكاً تشريعياً وتنظيمياً واسعاً لتحسين بيئة الأعمال وتسريع الإجراءات القضائية وتقليل زمن التقاضي وتعزيز كفاءة المنظومة الاقتصادية. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الإصلاحات سيعتمد على قدرتها على التحول من نصوص قانونية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المستثمر والمبادر على أرض الواقع. وفي هذا السياق، فإن ملف المبادرين المتعثرين يجب ألا يُنظر إليه باعتباره ملف تحصيل ديون فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة تقييم منظومة ريادة الأعمال بأكملها.
مطلوب مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى برعاية الجمعية الكويتية الاقتصادية
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ماسة إلى مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى، ترعاه الجمعية الكويتية الاقتصادية، يجمع على طاولة واحدة مسؤولي الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة مع صنّاع القرار والخبراء ورواد الأعمال، ليُفتح ملف التعثر بجرأة ومسؤولية، وتُراجع منظومة المبادرات من جذورها لا من هوامشها. وعليه، لا بد أن يخرج هذا المؤتمر بتوصية استراتيجية واضحة قابلة للتنفيذ والقياس، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الدعم موجهاً إلى المشاريع الجادة القادرة على البقاء والنمو، وتكون المتابعة فيه أكثر صرامة، والحوكمة أكثر وضوحاً، والأثر الاقتصادي أكثر حضوراً، حتى تستعيد المبادرات معناها الحقيقي بوصفها محركا للتنمية، لا أرقاماً في ملفات تتراكم بلا حلول.

خاتمة
ليست المشكلة في وجود 150 مبادراً متعثراً، فالتعثر جزء طبيعي من دورة الأعمال في أي اقتصاد. المشكلة الحقيقية هي أن نكتفي بمعالجة النتائج دون معالجة الأسباب. فالكويت لا تحتاج فقط إلى تمويل رواد الأعمال، بل إلى بناء بيئة تجعل نجاحهم أكثر احتمالاً من فشلهم. وعندما يتحول المبادر من طالب تمويل إلى صانع قيمة اقتصادية، وعندما تصبح الشركات الصغيرة مصانع للوظائف والابتكار والنمو، عندها فقط يمكن القول إن الاستثمار في ريادة الأعمال حقق هدفه الحقيقي: حماية المال العام عبر خلق اقتصاد أقوى، لا عبر استرداد القروض فحسب.




