مهرجانات القشور ونتائج الرمال: لماذا تنفق المليارات ولا نرى أثراً؟

بقلم/ الدكتور المهندس: حمود الجبل
باحث ومفكر في مجال الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة
1- فجوة الميزانيات الضخمة وغياب الأثر التنموي الحقيقي
شهدت السنوات الأخيرة طفرة واسعة النطاق في إقامة المهرجانات، والمعارض، والفعاليات الكبرى التي تُخصص لها ميزانيات ضخمة واستثمارات مالية فلكية تحت شعارات التنمية والتسويق. غير أن المتأمل لواقع هذه الأنشطة يلاحظ فجوة عميقة وواسعة بين حجم الأموال الباهظة التي تُضخ فيها، وبين العوائد التنموية الحقيقية التي ترتجيها المجتمعات على أرض الواقع. إنها ظاهرة تستوجب التوقف عندها بجدارة؛ حيث تتحول تلك المهرجانات في كثير من الأحيان إلى احتفاليات مؤقتة تستهلك الموارد المالية دون أن تترك خلفها أثراً مستداماً يسهم في بناء اقتصاد حقيقي أو تطوير البنى التحتية الأساسية.
2- إدمان الاستعراض: حين تبتلع المهرجانات ميزانيات التنمية بلا أثر
تتجسد المشكلة الكبرى في الاعتماد المفرط على “البهرجة” الإعلامية والشكلية التي تستهوي الأضواء المؤقتة وتغيب عنها الرؤية الاستراتيجية الطويلة الأمد. فعندما تُصرف المليارات على المعارض المؤقتة، والحفلات الصاخبة، والدعوات البراقة التي تتبخر بمجرد إسدال الستار على الفعالية، يتبادر إلى القارئ والباحث سؤال ملح حول جدوى هذا الإنفاق. إن أموال التنمية ينبغي أن توظف في قنوات تخدم الإنسان والمكان بشكل مستدام، لا أن تتطاير في الهواء كرمال الصحراء، خصوصاً عندما تنعدم مؤشرات الأداء الواضحة التي تقيس العائد على الاستثمار المجتمعي والاقتصادي لهذه الأنشطة.
3- اقتصاد الشكل والاستعراض: فعاليات مكلفة تعج بالصخب وتخلو من الجوهر
علاوة على ذلك، فإن كثرة المعارض والمنتديات التي تقام بشكل متكرر ودون دراسة دقيقة لاحتياجات السوق الحقيقية تؤدي إلى هدر طائل في الموارد العامة والخاصة على حد سواء. تصبح هذه المنصات في كثير من الأحيان مجرد نسخ تكرارية لفعاليات سابقة تعج بالخطب الحماسية والشعارات الرنانة، بينما تفتقر إلى صفقات حقيقية أو مشروعات منتجة تنعكس إيجاباً على حياة المواطن البسيط أو تعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني. هذا الترهل الإداري في تنظيم الفعاليات يخلق اقتصاداً وهمياً يعتمد على القشور والشكليات على حساب الجوهر والإنتاجية الحقيقية.
4- آليات التصحيح: إعادة هندسة أولويات الإنفاق التنموي
ولمعالجة هذا الخلل الهيكلي، بات لزاماً على الجهات المعنية وصناع القرار إعادة هندسة أولويات الإنفاق ووضع النظرة التقييمية لكل فعالية أو مهرجان مقترح. يجب الانتقال من ثقافة الاستعراض الاستهلاكي إلى ثقافة الاستثمار الفعال الذي يترك أثراً ملموساً ومستداماً على أرض الواقع، كدعم الصناعات المحلية، أو تطوير المرافق العامة، أو تمكين الشباب والتعليم. إن ربط الميزانيات المخصصة للفعاليات بنسب إنجاز ومؤشرات تنموية واضحة هو الضمانة الوحيدة لتوجيه الأموال إلى مصارفها الصحيحة وتحقيق القيمة المرجوة منها.
5- خاتمة: حتمية التحول نحو اقتصاد الإنتاج والكفاءة
ختاماً، إن المليارات التي تنفق بلا أثر تفرض علينا وقفة جادة ومسؤولة لمراجعة جدوى هذه الاحتفاليات والمهرجانات التي تفتقر إلى العوائد الحقيقية. إن الأوطان
بحاجة إلى تنمية حقيقية تُبنى بالعمل الجاد والمشروعات الإنتاجية المستدامة التي تبقى شاهدة على البناء والعطاء، لا إلى مهرجانات مؤقتة تذوب في مهب الرمال بمجرد انتهائها. فهل نرى قريباً تحولاً حقيقياً نحو اقتصاد الإنتاج والكفاءة بدلاً من اقتصاد الشكل والبهرجة المؤقتة؟



