مقالات

فن الإدارة في زمن الضبابية: كيف تقود عند عدم وضوح الرؤية؟

“أخطر القرارات تُتخذ عندما لا تكون كل الأرقام متاحة”

 

بقلم: تـامر عبدالعزيز

أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية

 

لم تعد الإدارة اليوم ترفًا نظرياً قائماً على خطط مستقرة وتوقعات واضحة. العالم يعيش حالة ممتدة من الضبابية؛ اقتصادات متقلبة، أسواق سريعة التغير، تطورات تقنية متلاحقة، وأحداث خارجية يصعب التنبؤ بتداعياتها. في هذا السياق، يجد القادة والمدراء أنفسهم أمام تحدٍ حقيقي: كيف تقود مؤسسة عندما لا تكون الرؤية كاملة ولا المعطيات مكتملة؟

الضبابية… واقع إداري لا يمكن تجاهله

الضبابية لم تعد حالة استثنائية، بل أصبحت الوضع الطبيعي الجديد. فالانتظار حتى تتضح الصورة بالكامل قد يعني ضياع الفرص أو تفاقم المخاطر. ومن هنا، لم يعد معيار القيادة الناجحة هو دقة التنبؤ، بل القدرة على التحرك بوعي في بيئة غير مؤكدة.

الإدارة الفعّالة في هذه المرحلة لا تنكر الغموض، ولا تدّعي امتلاك إجابات كاملة، لكنها تملك الشجاعة لاتخاذ القرار ضمن حدود المتاح.

اتخاذ القرار في ظل نقص المعلومات

أحد أخطر الأخطاء الإدارية في زمن الضبابية هو السعي إلى “القرار المثالي” المبني على بيانات مكتملة. الواقع أن هذا القرار غالبًا لا يأتي.

القائد الناجح يدرك أن القرارات تُبنى على:

* معلومات غير مكتملة.

* مؤشرات متغيرة.

* تقديرات واحتمالات لا يقينيات.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل نملك كل الأرقام؟ بل: هل نملك ما يكفي لاتخاذ قرار مسؤول؟

اتخاذ القرار في ظل نقص المعلومات لا يعني التهور، بل يعني:

* قراءة الاتجاهات العامة بدل التعلق بالتفاصيل

* استخدام الخبرة المؤسسية إلى جانب البيانات

* الاستعداد الدائم لمراجعة القرار وتعديله

الفرق بين الحذر والشلل الإداري

في أوقات عدم الاستقرار، يصبح الحذر مطلوبًا، لكن الخطورة تكمن عندما يتحول الحذر إلى شلل إداري.

الشلل الإداري يظهر في:

* تكرار الاجتماعات دون مخرجات

* تأجيل القرارات بحجة “عدم وضوح الصورة”

* الخوف المبالغ فيه من الخطأ

في المقابل، الحذر الإداري الإيجابي يعني:

* تقدير المخاطر لا الهروب منها

* اتخاذ قرارات مرحلية قابلة للتعديل

* التحرك بخطوات محسوبة بدل الجمود الكامل

المؤسسات لا تسقط غالباً بسبب قرار خاطئ واحد، بل بسبب سلسلة من القرارات المؤجلة.

متى تنتظر؟ ومتى تتحرك؟

هذا السؤال يمثل جوهر فن الإدارة في زمن الضبابية. والإجابة لا تكون واحدة في كل الحالات، لكنها تخضع لمبدأ أساسي: طبيعة القرار وتأثيره.

* انتظر إذا كان القرار مصيريًا وغير قابل للتراجع، وكانت المعطيات الحالية مضللة أو ناقصة بشكل جوهري.

* تحرّك إذا كان القرار تدريجيًا، أو قابلًا للتعديل، أو إذا كان التأجيل بحد ذاته يحمل خسائر مؤكدة.

القادة الأكثر نضجاً هم من يميزون بين القرارات الاستراتيجية التي تحتاج تروّيًا، والقرارات التشغيلية التي تحتاج سرعة ومرونة.

القيادة في زمن القلق المؤسسي

في أوقات الضبابية، لا يترقب الموظفون من قياداتهم الكمال، بل الوضوح والاتساق.

غياب التواصل أو تضارب الرسائل يخلق فراغًا تملؤه الشائعات والقلق، ما ينعكس سلبًا على الأداء والانتماء.

القيادة الواعية:

* تتواصل بشفافية دون تهويل

* تشرح منطق القرار حتى إن كان صعبًا

* تعترف بعدم اليقين، لكنها تُظهر ثقة في الاتجاه العام

فالثقة المؤسسية تُبنى في الأزمات، لا في أوقات الاستقرار.

وفي الختام

فن الإدارة في زمن الضبابية لا يقوم على انتظار وضوح الرؤية، بل على القدرة على القيادة وسط الغموض. القائد الحقيقي ليس من يتجنب الخطأ بأي ثمن، بل من يعرف متى يتحرك، ومتى ينتظر، وكيف يصحح المسار دون أن يفقد ثقة مؤسسته.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى