مقالات

لجنة التدقيق العين الحارسة لنزاهة المؤسسات وصمام أمان المساهمين

"الرقابة الشكلية.. هي التذكرة الأسرع نحو الهاوية "

 

بقلم/ عمرو علاء

مسؤول مطابقة والتزام 

ليست كل الكوارث المالية وليدة احتيال صريح أو فساد معلن يضج به الإعلام، كثير منها يبدأ بصمت مطبق داخل قاعات اجتماعات فخمة ومغلقة، وتقارير تمرر دون قراءة فاحصة وتوقيعات توضع “على بياض” بلا مساءلة، هنا في هذه “المساحة الرمادية” الغامضة تتحدد القيمة الحقيقية للجنة التدقيق إما أن تكون عيناً حارسة تحمي نزاهة المؤسسة ومستقبلها، أو مجرد اسم لامع على ورق يسبق الانهيار الكبير.

في عالم تتزايد فيه تعقيدات الأعمال وتتسارع فيه القرارات الاستثمارية، وتتحول فيه المعايير المحاسبية إلى ألغاز معقدة، لم تعد النزاهة المالية مسألة تقنية تخص المحاسبين في الغرف الخلفية وحدهم، بل أصبحت قضية “أمن قومي” للمؤسسات تمس سمعتها واستقرار الأسواق وحماية مدخرات المساهمين.

صمام الأمان والأسئلة الصعبة

في قلب هذه المنظومة المعقدة تقف لجنة التدقيق بوصفها “العين الحارسة” التي تراقب وتفحص وتتحقق، وصمام الأمان الذي يفترض أن يمنع الانزلاق نحو الأخطاء الصامتة والانحرافات الخطيرة.

لجنة التدقيق ليست مجرد متطلب تنظيمي لملء الخانات في تقارير الحوكمة، بل هي أداة رقابية مستقلة أنشئت لضمان سلامة القوائم المالية، وفعالية نظم الرقابة الداخلية، وكفاءة إدارة التدقيق الداخلي، واستقلالية المراجع الخارجي، دورها الحقيقي يتمثل في طرح “الأسئلة غير المريحة”، وتحدي الافتراضات المتفائلة للإدارة، والتحقق من أن الأرقام تعكس الواقع القاسي لا الصورة الوردية التي ترغب الإدارة التنفيذية في تسويقها.

الدرع الواقي للمدقق الداخلي

أحد أهم الأدوار المغيبة لهذه اللجنة هو حماية “إدارة التدقيق الداخلي”، فبدون لجنة تدقيق قوية يصبح المدقق الداخلي “يتيماً” أمام سطوة الإدارة التنفيذية، اللجنة هي التي يجب أن تضمن للمدقق الداخلي ميزانية كافية، وصلاحيات واسعة، وحصانة ضد العزل التعسفي إذا ما كشف عن مخالفات تمس كبار التنفيذيين.

عندما تكون اللجنة ضعيفة، يتحول التدقيق الداخلي إلى إدارة “علاقات عامة” وظيفتها تجميل التقارير بدلاً من كشف العيوب، وهنا تبدأ السوسة في نخر عظام المؤسسة دون أن يشعر أحد.

“الأمية المالية” في قاعة الحوكمة

من أخطر ما تواجهه لجان التدقيق اليوم هو وجود أعضاء يفتقرون للحد الأدنى من المعرفة المالية المتخصصة، كيف يمكن لعضو لجنة أن يوافق على ميزانية معقدة تتضمن مشتقات مالية وتقييمات استثمارية وهو لا يجيد قراءة القوائم المالية الأساسية؟

إن “الأمية المالية” داخل لجان التدقيق ليست مجرد نقص في الكفاءة، بل هي “دعوة مفتوحة” للإدارة التنفيذية للتلاعب بالأرقام كيفما تشاء، العضو الذي يخجل من السؤال عما لا يفهمه، أو يكتفي بهز رأسه موافقاً حتى لا يبدو جاهلاً، هو شريك صامت في أي كارثة مالية قد تقع مستقبلاً.

مثلث الفشل: ضعف، خوف، وتبعية

السبب الجذري لهذا الخلل غالباً ما يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: ضعف الكفاءة الفنية، غياب الاستقلالية (الخوف من فقدان المنصب)، وتحويل اللجنة إلى أداة تصديق بدلاً من أن تكون جهة مساءلة.

لجنة التدقيق الفاعلة هي تلك التي تعمل باستقلال شرس، وتضم خبرات مالية حقيقية لا تخشى “التعقيد”، وتملك الجرأة على مساءلة الرئيس التنفيذي، وتصر على الاجتماع بالمراجع الخارجي “منفرداً” بعيداً عن أعين الإدارة، لتسمع منه الحقيقة المجردة.

إشارات الإنذار المبكر

قبل أن تقع الكارثة هناك دائماً إشارات ترسلها لجان التدقيق الضعيفة، منها كثرة استقالة المراجعين الخارجيين، تأخر إصدار البيانات المالية بشكل متكرر، خلو محاضر اجتماعات اللجنة من أي نقاشات جدلية أو اعتراضات، والارتفاع المفاجئ وغير المبرر في الأرباح مقارنة بالسوق، هذه ليست مجرد صدف، بل هي دخان لنار تشتعل تحت السطح.

“المؤسسات لا تسقط لأن الأسواق قاسية، بل لأنها سمحت للرقابة أن تتحول إلى إجراء روتيني، وللمساءلة أن تصبح مجاملة اجتماعية”

رسالة إلى المالك الحقيقي (المساهم)

مسؤولية نجاح لجنة التدقيق لا تقع على أعضائها وحدهم، بل تمتد إلى مجلس الإدارة الذي يختارهم، والجمعية العمومية التي تصادق عليهم، فالمجلس مطالب بتمكين اللجنة بينما تقع على عاتق المساهمين مسؤولية متابعة أدائها وعدم الاكتفاء بالشكل.

عزيزي المساهم،

دورك لا ينتهي بشراء السهم أو حضور الجمعية العمومية لتناول القهوة والمغادرة، حقك الحقيقي هو أن تسأل بوضوح وشجاعة:

هل أعضاء لجنة التدقيق مستقلون حقاً ؟

هل بينهم “خبير مالي” حقيقي يستطيع كشف التلاعب؟

هل تحمي هذه اللجنة أموالك ومستقبل استثمارك، أم أنها مجرد “ديكور” لاستيفاء متطلبات الجهات الرقابية؟

المساهم الواعي هو آخر خطوط الدفاع حين تضعف الحوكمة، وصمت الجمعيات العمومية هو الأكسجين الذي تتنفسه اللجان الصورية لتستمر في خداع الجميع.

تذكر دائماً: لجنة التدقيق الفاعلة ليست رفاهية إدارية… بل هي “بوليصة التأمين” الوحيدة التي تضمن أن استثمارك لن يتبخر في صباح يوم عاصف.

 

حين تنام لجنة التدقيق تستيقظ المخاطر ويدفع المساهم الثمن

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى