الكويت

كيف أعاد قانون الإفلاس الكويتي صياغة معادلة البقاء للشركات المتعثرة؟؟

طوق النجاة في عين العاصفة

 

بقلم: المحامي هشام الفهد

في خضم الأمواج الاقتصادية العاتية التي تضرب الأسواق العالمية، من تداعيات جيوسياسية واضطرابات في سلاسل التوريد، تتهاوى العديد من الكيانات التجارية التي كانت بالأمس القريب صروحاً اقتصادية شامخة. حين تجف منابع السيولة، وتتراكم الديون كجبل من الجليد، وتدق ساعة الاستحقاق، يجد المدين نفسه في مواجهة شبح الإفلاس المخيف. تاريخياً، كان الإفلاس يُنظر إليه كحكم بالإعدام التجاري؛ مقصلة تنهي حياة الشركة وتشتت أصولها في مزادات التصفية الجبرية. لكن، ومع تطور الفكر القانوني والاقتصادي، برز تساؤل جوهري: هل تصفية الشركة المتعثرة هو الحل الأمثل للاقتصاد، أم أن إنقاذها وإعادة هيكلتها يحقق نفعاً أكبر للدائنين والمجتمع على حد سواء؟

هنا، تتدخل “هندسة القوانين” لتعيد رسم ملامح العلاقة بين الدائن والمدين، محولةً مسار التشريعات من فلسفة “العقاب والتصفية” إلى فلسفة “الإنقاذ وإعادة الهيكلة”. وفي هذا المضمار، شكل قانون الإفلاس الكويتي الجديد ثورة حقيقية ونقلة نوعية تستحق التأمل العميق.

من التصفية الحتمية إلى ثقافة الإنقاذ المالي:

لسنوات طويلة، عانت بيئة الأعمال في الكويت والمنطقة من صرامة قوانين الإفلاس التقليدية التي كانت تعجل بإنهاء حياة الشركات بمجرد تعثرها عن الدفع. هذا النهج كان يضر بالاقتصاد الوطني؛ فإفلاس شركة يعني تسريح العمالة، توقف عجلة الإنتاج، وضياع فرص استرداد الديون كاملة للدائنين، حيث غالباً ما تباع الأصول بأبخس الأثمان .

أدرك المشرع الكويتي هذه المعضلة، فجاء القانون رقم (71) لسنة 2020 بإصدار قانون الإفلاس ليحدث انقلاباً جذرياً في المفاهيم . لم يعد الهدف تصفية المدين، بل إنقاذه متى كان ذلك ممكناً ومجدياً اقتصادياً. لقد أرسى القانون الجديد آليات مبتكرة تهدف إلى مساعدة الشركات التي تواجه صعوبات مالية، ولكنها تمتلك مقومات الاستمرار، على تجاوز كبوتها والعودة إلى مسار الربحية.

التسوية الوقائية: جدار الحماية الاستباقي :

لعل أبرز ابتكارات القانون الكويتي هو نظام “التسوية الوقائية” هذا النظام يمثل جدار حماية يُبنى قبل أن تنهار الشركة تماماً. وفقاً للمواد (9 إلى 40) من القانون، يحق للتاجر أو الشركة التي تعاني من اضطراب مالي يهدد بتوقفها عن الدفع، أو التي توقفت بالفعل لكن لم يمر على ذلك أكثر من شهرين، أن تطلب افتتاح إجراءات التسوية الوقائية.

العبقرية في هذا الإجراء تكمن في كونه يتم بناءً على طلب المدين نفسه، ويهدف إلى تمكينه من التوصل إلى اتفاق مع دائنيه تحت إشراف القضاء. بمجرد قبول المحكمة للطلب، يتم وقف المطالبات القضائية وإجراءات التنفيذ ضد الشركة، مما يمنحها “فترة التقاط الأنفاس”  اللازمة لإعادة ترتيب أوراقها، وصياغة خطة تسوية تتضمن جدولة الديون أو خفضها، دون أن تفقد الإدارة سيطرتها على الشركة .

إعادة الهيكلة: هندسة الديون للحفاظ على الكيان

إذا كانت التسوية الوقائية غير ممكنة أو فشلت، فإن القانون يتيح مساراً آخر للإنقاذ هو “إعادة الهيكلة” يختلف هذا المسار عن التسوية الوقائية في أنه يمكن أن يُطلب من قبل المدين أو الدائنين أو حتى الجهات الرقابية، ويتضمن تدخلاً أعمق في إدارة الشركة من خلال تعيين “أمين إعادة هيكلة” يشرف على وضع خطة لإنقاذ النشاط .

خطة إعادة الهيكلة قد تتضمن بيع أصول غير أساسية، تغيير الإدارة، تحويل الديون إلى أسهم ، أو الحصول على تمويل جديد يتمتع بأولوية في السداد. الهدف الأسمى هنا هو الحفاظ على النشاط الاقتصادي للشركة، وحماية الوظائف، وضمان حصول الدائنين على عوائد أفضل مما لو تمت التصفية الفورية. وقد شهدت المحاكم الكويتية مؤخراً تطبيقات ناجحة لهذا المسار، حيث وافقت على خطط إعادة هيكلة لشركات كبرى، مما جنبها مصير التصفية .

دروس من الأزمات العالمية: حتمية التطور التشريعي

لم يأتِ قانون الإفلاس الكويتي من فراغ، بل هو استجابة لدروس قاسية أفرزتها الأزمات المالية العالمية.

ففي أزمة عام 2008، كان لانهيار بنك “ليمان براذرز”  صدمة زلزلت النظام المالي العالمي. لقد أثبتت تلك التجربة المريرة أن التصفية الفوضوية والسريعة للكيانات الضخمة تدمر القيمة وتخلق ذعراً نُظمياً  . في المقابل، أظهرت تجربة إعادة هيكلة ديون “مجموعة دبي العالمية”  في عام 2009 كيف يمكن للإطار القانوني المرن والتفاوض المنظم أن ينقذ كيانات ضخمة ويحمي حقوق الدائنين بفعالية تفوق التصفية بكثير .

هذه التجارب الدولية، مدعومة بتوصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دفعت العديد من الدول، ومنها الكويت، إلى تبني قوانين إفلاس حديثة توازن بدقة بين حق الدائن في استيفاء دينه، وحق المدين (حسن النية) في فرصة ثانية، والمصلحة الاقتصادية العليا للمجتمع في بقاء الشركات المنتجة .

التوازن الاقتصادي والقانوني: معادلة صعبة

إن براعة المشرع في قانون الإفلاس الكويتي تتجلى في قدرته على خلق توازن دقيق بين مصالح متعارضة. فمن جهة، هو يحمي المدين المتعثر (حسن النية) من بطش الدائنين ويمنحه فرصة للنهوض. ومن جهة أخرى، هو يضع ضمانات صارمة لمنع التلاعب، حيث يعاقب بشدة المدين “التدليسي” الذي يخفي أصوله أو يفتعل الإفلاس للتهرب من ديونه .

كما أن القانون يحمي الدائنين من خلال إشراكهم في التصويت على خطط التسوية وإعادة الهيكلة، ويضمن ألا يكون العائد الذي سيحصلون عليه بموجب الخطة أقل مما سيحصلون عليه في حالة التصفية الفورية.

ثقافة قانونية جديدة

إن قانون الإفلاس الكويتي رقم 71 لسنة 2020 ليس مجرد مجموعة من النصوص الإجرائية، بل هو تغيير عميق في “الثقافة القانونية والاقتصادية”. إنه إقرار بأن التعثر المالي هو جزء طبيعي من دورة حياة الأعمال، وأن الفشل في مشروع لا يعني النهاية الحتمية للتاجر.

في عالم يتسم باللايقين الاقتصادي، تمثل آليات التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة “قوارب نجاة” للشركات التي تتقاذفها أمواج الأزمات. إن الإدارة الحصيفة هي تلك التي تستشرف الخطر قبل وقوعه، وتبادر إلى استخدام هذه الأدوات القانونية المتقدمة لحماية كيانها، مدركةً أن القضاء لم يعد مقصلة للإعدام التجاري، بل أصبح شريكاً في هندسة الإنقاذ المالي وصناعة الأمل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى