زلزال العقود: حين تعصف الأزمات الجيوسياسية باستقرار الالتزامات
كيف يعيد القانون الكويتي هندسة التوازن
بقلم: الدكتور المستشار وسيم العبدالله
باحث في استراتيجيات هندسة القوانين
يشهد الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة تحولات دراماتيكية متسارعة، تلقي بظلالها الكثيفة على استقرار المعاملات التجارية والمالية. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وإغلاق بعض الممرات البحرية والجوية الحيوية، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، برزت إلى السطح معضلة قانونية واقتصادية شائكة تتمثل في “الإخلال بالتوازن العقدي”. لقد وجدت العديد من الشركات والبنوك، المرتبطة بعقود تصنيع وتوريد ومقاولات طويلة الأجل، نفسها في مواجهة واقع جديد يتسم بارتفاع جنوني في أسعار المواد الخام وتكاليف الطاقة والشحن، مما جعل تنفيذ التزاماتها التعاقدية أمراً بالغ الإرهاق، ويهدد بخسائر فادحة تعصف بكياناتها الاقتصادية. في هذا السياق المعقد، يبرز دور “هندسة القوانين” في إيجاد مخارج قانونية عادلة تعيد التوازن المفقود، وتحمي أطراف العلاقة العقدية من الانهيار.
تشريح المعضلة: بين سلطان الإرادة والواقع الاقتصادي المأزوم
يقوم صرح القانون المدني على مبدأ أصيل هو “العقد شريعة المتعاقدين”، والذي يجسد احترام الإرادة الحرة للأطراف في تحديد التزاماتهم المتبادلة. ووفقاً لهذا المبدأ، يتعين على كل طرف تنفيذ ما التزم به، ولا يجوز نقض العقد أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو لأسباب يقررها القانون. ومع ذلك، فإن هذا المبدأ ليس مطلقاً، بل يرد عليه استثناء جوهري تمليه اعتبارات العدالة والمنطق الاقتصادي، وهو ما يُعرف بـ “نظرية الظروف الطارئة”.
تتجلى المعضلة الحالية في أن العقود، لاسيما عقود التصنيع والتوريد، أُبرمت في ظل معطيات اقتصادية مستقرة نسبياً. ولكن، مع اندلاع الأزمات وإغلاق الممرات الملاحية (كمضيق هرمز أو البحر الأحمر)، قفزت تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة. هذا التفاوت الصارخ في الأسعار أدى إلى اختلال جسيم في اقتصاديات العقد؛ فالالتزام الذي كان يحقق هامش ربح معقول للمُصنّع أو المورّد، بات اليوم يكبده خسائر فادحة تجعل استمراره في التنفيذ بمثابة انتحار اقتصادي. هنا، يقف القانون أمام اختبار حقيقي: هل يتمسك بحرفية العقد ويترك المدين يواجه مصيره المحتوم، أم يتدخل لإعادة التوازن وتوزيع الخسارة بشكل عادل؟
المخرج القانوني في التشريع الكويتي: المادة 198 من القانون المدني
لقد كان المشرع الكويتي حصيفاً وسباقاً في معالجة هذه الإشكالية، حيث تبنى “نظرية الظروف الطارئة” في المادة (198) من القانون المدني الصادر بالمرسوم بالقانون رقم 67 لسنة 1980. وتنص هذه المادة على أنه:
“إذا طرأت، بعد العقد وقبل تمام تنفيذه، ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها عند إبرامه، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام الناشئ عن العقد، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي، تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.”
تُعد هذه المادة بمثابة “صمام الأمان” الذي يحمي العقود من الانهيار في أوقات الأزمات. وتتميز بأنها من النظام العام، أي لا يجوز للأطراف الاتفاق مسبقاً على استبعاد تطبيقها أو حرمان المدين من حمايتها.
شروط إعمال نظرية الظروف الطارئة
لكي تتدخل المحكمة لتعديل العقد وإعادة التوازن إليه، استقرت اجتهادات محكمة التمييز الكويتية على ضرورة توافر شروط مجتمعة وصارمة:
1- وقوع حوادث استثنائية عامة: يجب أن تكون الظروف الطارئة ذات طابع عام وشامل (كالحروب، الأوبئة، الأزمات الاقتصادية العالمية المفاجئة)، وليست خاصة بالمدين وحده.
2- عدم إمكانية التوقع: يجب ألا يكون في وسع الشخص المعتاد توقع حدوث هذه الظروف وقت إبرام العقد. أما إذا كانت التوترات الجيوسياسية قائمة ومعروفة عند التعاقد، فلا مجال لإعمال النظرية.
3- أن تطرأ الظروف بعد إبرام العقد وقبل تمام تنفيذه: فالالتزامات التي نُفذت بالفعل لا تتأثر، والنظرية تنطبق على الالتزامات المستقبلية أو المتراخية التنفيذ.
4- أن يصبح التنفيذ مرهقاً لا مستحيلاً: وهذا هو الفارق الجوهري بين “الظرف الطارئ” و”القوة القاهرة”. القوة القاهرة (المادة 215) تجعل التنفيذ مستحيلاً استحالة مطلقة وتؤدي إلى انفساخ العقد، بينما الظرف الطارئ يجعل التنفيذ ممكناً ولكنه يكبّد المدين خسارة فادحة غير مألوفة في التعامل التجاري.
اجتهادات محكمة التمييز الكويتية: بوصلة العدالة العقدية
لقد أرست محكمة التمييز الكويتية مبادئ راسخة في تطبيق المادة 198، مؤكدة على السلطة التقديرية الواسعة لقاضي الموضوع في تقييم مدى توافر الشروط وإعادة التوازن العقدي.
ففي الطعن رقم 1182 لسنة 2014 (تجاري)، أكدت محكمة التمييز أن تقدير ما إذا كان الحادث الاستثنائي متوقعاً أو غير متوقع، ومدى تأثيره على الصفقة المتنازع عليها، ومدى إمكان تنفيذ الالتزام في ظل هذا الحادث، هو أمر يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع. وأوضحت المحكمة أن للقاضي، بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، سواء بزيادة التزامات الدائن، أو إنقاص التزامات المدين، أو وقف تنفيذ العقد مؤقتاً حتى زوال الظرف الطارئ.
وتشدد المحاكم الكويتية على ضرورة تقديم الأدلة المالية والاقتصادية القاطعة التي تثبت “الخسارة الفادحة” المترتبة على الظرف الطارئ، ولا تكتفي بمجرد الادعاء بارتفاع الأسعار أو تقلبات السوق العادية، إذ أن تقلبات الأسعار المعتادة تُعد من المخاطر التجارية التي يتحملها التاجر.
مقاربات دولية وتجارب سابقة: دروس مستفادة
لا تقتصر معضلة الإخلال بالتوازن العقدي على الإطار المحلي، بل هي قضية عالمية عالجتها مبادئ التجارة الدولية وقضاء التحكيم.
1- إغلاق قناة السويس (1956 و1967):
تُعد قضايا إغلاق قناة السويس من أشهر السوابق التاريخية. فقد أدى الإغلاق إلى اضطرار السفن للدوران حول رأس الرجاء الصالح، مما ضاعف مسافة الرحلة وتكاليف الشحن. وفي العديد من النزاعات، رفضت المحاكم الإنجليزية (في ظل غياب نظرية الظروف الطارئة في القانون العام آنذاك) اعتبار ذلك قوة قاهرة أو إحباطاً للعقد ، مُلزمة الناقلين بتحمل التكاليف الإضافية . هذا التشدد دفع التجارة الدولية نحو تبني شروط تعاقدية أكثر مرونة.
2- مبادئ اليونيدروا للعقود التجارية الدولية:
تُعنى مبادئ اليونيدروا بحالة “الصعوبة الاقتصادية”. وتُلزم هذه المبادئ الأطراف، عند حدوث تغيير جوهري في توازن العقد، بالدخول في مفاوضات حُسن نية لتعديل العقد. وإذا فشلت المفاوضات، يحق للمحكمة أو هيئة التحكيم إما إنهاء العقد أو تعديله لإعادة التوازن . وقد طبقت غرف التحكيم الدولية (مثل غرفة التجارة الدولية ICC) هذه المبادئ في العديد من قضايا عقود الطاقة والمقاولات التي تأثرت بالتقلبات الحادة في الأسعار .
3- جائحة كورونا:
شكلت جائحة كورونا اختباراً حديثاً لقواعد الظروف الطارئة والقوة القاهرة. وقد طبقت المحاكم في المنطقة العربية، بما فيها الكويت، نظرية الظروف الطارئة لتخفيف أعباء الإيجارات وعقود التوريد التي تأثرت بقرارات الإغلاق الحكومي وتعطل سلاسل الإمداد، موازنةً بين مصلحة الدائن والمدين .
استراتيجيات الخروج للشركات والمتعاقدين
في ظل المشهد الحالي المتسم بإغلاق الممرات وتفاوت أسعار الطاقة، كيف يمكن للشركات المرتبطة بعقود تصنيع وتوريد الخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر؟
1- التفاوض الودي وإعادة الهيكلة: المخرج الأمثل والأسرع هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات بحسن نية. يجب على الأطراف إدراك أن استمرار العقد بشروطه الحالية قد يؤدي إلى إفلاس المُصنّع أو المورّد، مما يعني انهيار المشروع بأكمله. يمكن الاتفاق على تعديل الأسعار، تمديد مواعيد التسليم، أو تقاسم الزيادة غير المتوقعة في التكاليف.
2- التوثيق المالي والاقتصادي الدقيق: قبل اللجوء للقضاء، يجب على الشركة المتضررة إعداد تقارير محاسبية واقتصادية موثقة من خبراء متخصصين، تثبت بالأرقام حجم الخسارة الفادحة، وتفصل بين الزيادة الطبيعية في الأسعار وتلك الناتجة حصراً عن الظروف الاستثنائية الجيوسياسية.
3- توجيه الإخطارات القانونية في حينها: يجب إخطار الطرف الآخر فوراً بتأثير الظروف الطارئة على تنفيذ العقد، وفقاً للمواعيد والإجراءات المنصوص عليها في العقد، لضمان عدم سقوط الحق في التمسك بالنظرية.
4- اللجوء للقضاء الكويتي لطلب التعديل: إذا تعنت الطرف الآخر، يكون الملاذ هو القضاء استناداً للمادة (198) مدني. وهنا، يجب التركيز في صحيفة الدعوى على إبراز توافر شروط الظرف الطارئ (العمومية، عدم التوقع، الإرهاق والخسارة الفادحة)، وطلب انتداب خبير حسابي لبيان مدى اختلال اقتصاديات العقد، تمهيداً لطلب رد الالتزام إلى الحد المعقول.
5- صياغة العقود المستقبلية بذكاء (الهندسة العقدية): الأزمة الحالية هي جرس إنذار. يجب على الشركات في عقودها المستقبلية إدراج شروط صريحة ومفصلة لتعديل الأسعار وشروط الظروف الطارئة، تحدد بوضوح الآلية التي سيتم اتباعها في حال حدوث تقلبات اقتصادية حادة، بدلاً من ترك الأمر لتقدير القضاء المطلق.
وفي نهاية المطاف إن القانون ليس نصوصاً جامدة منفصلة عن الواقع، بل هو كائن حي يتفاعل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية. ونظرية الظروف الطارئة في القانون الكويتي تمثل أرقى تجليات “هندسة القوانين”، حيث تتدخل مشرط العدالة لإزالة الورم الاقتصادي الخبيث الذي يهدد كيان العقد، وتعيد بناء التوازن المفقود. وفي أوقات الأزمات الجيوسياسية العاصفة، لا يكون التمسك الأعمى بحرفية العقود بطولة، بل إن المرونة والتفاوض وإعادة هيكلة الالتزامات هي السبيل الوحيد لنجاة الشركات واستمرار دوران عجلة الاقتصاد.




