مقالات

الانغلاق والازدهار: جدل التعريفات ودروس التاريخ

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

يستند هذا المقال إلى الأفكار المحورية التي يقدمها مؤرخ الأفكار يوهان نوربرغ في كتابه الأخير، “ذروة الإنسان: ما يمكننا تعلمه من صعود العصور الذهبية وانهيارها” (Peak Human: What We Can Learn from the Rise and Fall of Golden Age)

كتاب «ذروة الإنسان» ليوهان نوربرغ صدر عن دار Atlantic Books بلندن في مايو 2025، ويغطي بين 400 و512 صفحة بحسب الطبعة.

يركز نوربرغ في كتابه على تحليل سبع حضارات عظيمة في التاريخ، ليستخلص منها العوامل المشتركة التي أدّت إلى صعودها وازدهارها، ثم انهيارها. الغاية الأساسية ليست مجرد سرد تاريخي، بل استخلاص دروس يمكن تطبيقها اليوم للحفاظ على تقدمنا الحالي وتجنّب تكرار أخطاء الماضي.

الحضارات التي يناقشها نوربرغ:

الكتاب يستعرض صعود وسقوط سبع حضارات، وهي:

* أثينا القديمة

* الجمهورية الرومانية

* بغداد العباسية

* الصين في عهد سلالة سونغ

* إيطاليا في عصر النهضة

* الجمهورية الهولندية

* العالم الناطق بالإنجليزية (الأنجلوسفير) الحديث

وهذا التنوع يوفر قاعدة تاريخية قوية لفهم أنماط مشابهة على نطاق واسع من الزمن.

الأسباب المشتركة لصعود العصور الذهبية:

* الانفتاح على التجارة والأفكار الأجنبية: التبادل الحر للأفكار والسلع ساعد على انتشار ابتكارات جديدة وتطويرها.

* حرية نسبيّة وإمكانات للتجربة: المجتمعات التي سمحت بالفكر التجريبي والنقد الإبداعي شهدت تقدمًا أسرع.

* المؤسسات التي تدعم التنوّع والمسائلة: وجود قواعد قانونية واضحة، والتزام بحقوق الملكية، وانفصال السلطات ساهم في خلق مناخ مواتٍ للإبداع.

* مناخ ثقافي مليء بالتفاؤل: الشعور بأن التجارب الجديدة قد تؤتي ثمارها هو ما يحفّز الأفراد على التجريب والإبداع.

أسباب تراجع هذه الحضارات:

* التحوّل إلى الانغلاق والخوف: عندما يصبح الخوف من المجهول أقوى من الفضول، تتراجع المجتمعات عن التجارة المفتوحة والتبادل الفكري.

* تنامي سلطة النخب والمصالح الذاتية: النخب التي ربحت من النظام القديم غالبًا ما تقاوم التغيير وتضغط لفرض نمط اقتصادي أو فكري يحمي مصالحها.

* التحوّل نحو العقائد الصارمة والحد من الحريات: هذا يحدّ من تدفّق الأفكار الجديدة ويكبّل الابتكار.

* انهيار التجارة أو حصرها: قلّة التبادل الدولي أدّت إلى ضمور مصادر الثراء والفكر.

دروس مهمة للقرن الـ 21:

* التقدم مرتبط بالانفتاح: المجتمعات الأقدر على الترحيب بالأفكار والناس والمبادرات الجديدة هي التي تنمو وتزدهر.

* الرفاهية ليست ضمانًا للاستمرار: رغم مستويات المعيشة العالية، يمكن أن تنهار حضارات بسبب سياسات خاطئة أو انغلاق فكري.

* التعامل مع التقلبات يتطلب مرونة: احترام حرية الفكر والتجريب وتبني التغيير بدل مقاومته أمر أساسي لبقاء العصر الذهبي.

في ضوء هذه الأفكار، يطرح الجدل الاقتصادي المعاصر حول التعريفات الجمركية، وخاصة تلك التي تفرضها الولايات المتحدة، أسئلة عميقة حول مستقبل العولمة ومصير الاقتصادات الوطنية. هل يمثل الانغلاق الاقتصادي، الذي تتجه إليه بعض القوى الكبرى، وصفة للانهيار أم سبيلًا لحماية المصالح الوطنية؟ وهل تظل التجارة الدولية مؤشرًا حقيقيًا على الازدهار؟ للإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى دروس التاريخ واستقراء الأنماط المتكررة في صعود الحضارات وأفولها، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع الأفكار المطروحة في المقال المرفق الذي ألهم هذا التحليل.

الانغلاق: بوابة الانهيار أم حصن الأمان؟

يجيب التاريخ، كما يوضح نوربرغ في تحليله، بشكل شبه حاسم على هذا السؤال. فالانغلاق، سواء كان ثقافيًا أو اقتصاديًا، كان مقدمة للتراجع والانهيار في أغلب الحالات التاريخية. فالحضارات العظيمة، التي استعرضها نوربرغ، لم تقم على العزلة، بل على شبكات واسعة من التبادل التجاري والمعرفي. لقد كان الانفتاح هو المحرك الأساسي للابتكار والازدهار، حيث أدى إلى تدفق الأفكار والسلع والتقنيات، مما سمح لهذه الحضارات بتجديد شبابها وتوسيع نفوذها. وعندما تراجعت هذه الحضارات عن انفتاحها، ومالت إلى الجمود والانغلاق، بدأت عوامل التراجع في الظهور، مؤكدة على أن التصلب الفكري والاقتصادي هو بداية الأفول.

في المقابل، ارتبط الانغلاق بالجمود والتراجع، كما رأينا في أمثلة الصين واليابان في فترات معينة، وحتى في تراجع الحضارة العربية والإسلامية بعد فترات ازدهارها. وغالبًا ما كان هذا الانغلاق مبررًا بالخوف على الهوية أو الأمن القومي، ولكنه في النهاية أدى إلى إضعاف كليهما. وهذا بالضبط ما يحذر منه العديد من الاقتصاديين اليوم في سياق الجدل حول التعريفات الجمركية. فالسياسات الحمائية، رغم أنها قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لبعض القطاعات، إلا أنها على المدى الطويل تخنق الابتكار، وترفع الأسعار على المستهلكين، وتؤدي إلى ردود فعل انتقامية من الشركاء التجاريين، مما يعطل سلاسل الإمداد العالمية ويضر بالنمو الاقتصادي العالمي.

أسباب انهيار الحضارات: ما وراء العامل الاقتصادي

لا يمكن اختزال أسباب انهيار الحضارات في العامل الاقتصادي وحده، على الرغم من أهميته. فالتاريخ يقدم لنا صورة أكثر تعقيدًا، حيث تتضافر مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية لتؤدي إلى السقوط. ومن بين هذه العوامل:

* التصلب والجمود: تفقد الحضارات قدرتها على التكيف مع التحديات الجديدة، سواء كانت بيئية أو سياسية أو اجتماعية. ويتحول الانفتاح الفكري إلى جمود عقائدي، وتفقد المؤسسات مرونتها.

* الاستنزاف البيئي: يؤدي الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية إلى تدهور البيئة، مما يؤثر على الإنتاج الزراعي ويؤدي إلى المجاعات والصراعات.

* الصراعات الداخلية: يؤدي التفاوت الاجتماعي والاستقطاب السياسي إلى تفكك النسيج الاجتماعي واندلاع الحروب الأهلية.

* الأوبئة والكوارث الطبيعية: يمكن للأوبئة الفتاكة أو الكوارث الطبيعية أن توجه ضربة قاصمة للمجتمعات، خاصة تلك التي تعاني بالفعل من نقاط ضعف أخرى.

ومع ذلك، يظل العامل الاقتصادي، وخاصة التجارة، خيطًا مشتركًا في العديد من هذه السيناريوهات. فانهيار طرق التجارة، سواء بسبب الحروب أو القرصنة أو السياسات الحمائية، كان دائمًا مؤشرًا خطيرًا على بداية النهاية. فالتجارة لا توفر السلع والموارد فحسب، بل تعمل أيضًا كقناة لتبادل الأفكار والابتكارات، وعندما تجف هذه القناة، يبدأ المجتمع في الانكماش على ذاته.

التجارة الدولية: مؤشر ازدهار لا غنى عنه

على الرغم من التحديات التي تواجهها العولمة اليوم، تظل التجارة الدولية مؤشرًا قويًا على الازدهار الاقتصادي. فالدول التي تشارك بفعالية في التجارة العالمية تميل إلى تحقيق معدلات نمو أعلى، وتوفير فرص عمل أفضل، وتحسين مستويات المعيشة لمواطنيها. والتجارة تجبر الشركات على أن تكون أكثر قدرة على المنافسة والابتكار، وتوفر للمستهلكين خيارات أوسع وأسعارًا أقل.

والأهم من ذلك، أن التجارة الدولية تعزز الترابط بين الدول، مما يقلل من احتمالات نشوب الصراعات. فعندما تكون مصالح الدول الاقتصادية متشابكة، يصبح من الصعب عليها الانخراط في حروب مدمرة. وهذا لا يعني أن التجارة الدولية خالية من المشاكل، فهناك قضايا مشروعة تتعلق بالعدالة التجارية، وحماية البيئة، وحقوق العمال. ولكن الحل لا يكمن في التخلي عن التجارة، بل في إصلاحها وتطويرها لجعلها أكثر عدلاً واستدامة.

خاتمة: دروس التاريخ في مواجهة الحاضر

في ضوء الجدل الدائر حول التعريفات الجمركية وتأثير الاقتصاد الأمريكي، يقدم لنا التاريخ درسًا واضحًا: الانغلاق ليس حلاً. فالحضارات التي ازدهرت هي تلك التي احتضنت العالم، لا تلك التي أغلقت أبوابها في وجهه. والسياسات الحمائية، التي قد تبدو مغرية على المدى القصير، هي في جوهرها تكرار لأخطاء الماضي التي أدت إلى الجمود والتراجع.

إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس كيفية حماية أنفسنا من العالم، بل كيفية التفاعل معه بذكاء ووعي. وهذا يتطلب بناء نظام تجاري عالمي أكثر عدلاً وشمولاً، والاستثمار في التعليم والابتكار، وتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات. فالعظمة الحقيقية، كما يعلمنا التاريخ، لا تكمن في النقاء والعزلة، بل في القدرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر للقوة والازدهار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى