فنزويلا بين وفرة الثروة وتعقيدات السياسة: قراءة اقتصادية في صراع الموارد والنفوذ
تُوصَف فنزويلا منذ عقود بأنها جوهرة أمريكا اللاتينية، ليس من باب المجاز، بل استنادًا إلى معطيات رقمية تجعلها واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية. غير أن هذه الوفرة، بدل أن تكون ضمانة للاستقرار والنمو، تحولت إلى عامل جذب في معادلات السياسة الدولية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع حسابات القوة والنفوذ، وهنا نجد الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الأكثر حضورًا في هذا المشهد المعقد.
عند قراءة الأرقام، تتضح الصورة بشكل أدق. تمتلك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، وهو أكبر مخزون نفطي معروف عالميًا. وبأسعار النفط الحالية، تُقدَّر القيمة النظرية لهذه الاحتياطيات بنحو 18 تريليون دولار، من دون احتساب تكاليف الاستخراج والنقل والبنية التحتية. هذا الرقم وحده يضع فنزويلا في موقع استثنائي داخل سوق الطاقة العالمي، ويجعل نفطها عنصرًا لا يمكن تجاهله في أي حسابات طويلة الأمد تتعلق بأمن الطاقة.
ولا يقتصر الأمر على النفط. فالدولة الواقعة شمال أميركا الجنوبية تمتلك أيضًا ما يقارب 6.3 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي، أي ما يعادل نحو 75 في المئة من إجمالي احتياطيات الغاز في قارة أمريكا الجنوبية. هذا الحجم يمنحها نظريًا قدرة كبيرة على لعب دور محوري في سوق الغاز الإقليمي، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على مصادر الطاقة الأقل تلويثًا مقارنة بالفحم.
إلى جانب ذلك، تحتوي فنزويلا على نحو 730 مليون طن من الفحم القابل للاستخدام، تُقدَّر قيمتها بحوالي 75 مليار دولار. كما تضم مناجمها ما يقارب 8000 طن من الذهب، تتجاوز قيمتها بأسعار اليوم تريليون دولار، إضافة إلى نحو 41 مليون قيراط من الألماس. هذه الأرقام لا تعني فقط ثراءً معدنيًا، بل تشير إلى تنوع استثنائي في القاعدة الطبيعية للدولة.
وتزداد أهمية هذا التنوع عند النظر إلى المعادن الاستراتيجية. ففنزويلا تمتلك ما يُقدَّر بنحو 39 مليون طن من التيتانيوم، وقرابة 490 ألف طن من النيكل، إلى جانب معادن أخرى مثل الكولتان، النحاس، الحديد، الفضة والمغنيسيوم. هذه الموارد تُعد عناصر أساسية في الصناعات العسكرية والفضائية، والمعدات الطبية، والتكنولوجيا المتقدمة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والصواريخ، والهواتف الذكية. أي أن قيمتها لا تُقاس فقط بسعرها في الأسواق، بل بدورها في سلاسل الإمداد العالمية للصناعات الحيوية.
في هذا السياق، أعلنت الإدارة الأمريكية عن وضع يدها على نحو 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وهي كمية تُقدَّر قيمتها الحالية بحوالي 3 مليارات دولار. ووفق ما كشفه البيت الأبيض، هناك خطة لنقل هذه الكمية بالكامل إلى الولايات المتحدة، على أن يتم تسويقها وبيعها في الأسواق العالمية بالتعاون مع بنوك وشركات تجارة السلع. العائدات الناتجة عن هذه العمليات لن تُحوَّل مباشرة إلى فنزويلا، بل ستُودَع في حسابات خاضعة لإشراف أمريكي.
وتشير التصريحات الرسمية إلى أن هذه الأموال ستُستخدم وفق رؤية الحكومة الأمريكية، بحيث تُوجَّه أولًا لخدمة ما تعتبره واشنطن مصلحة عامة، ثم يُعاد توظيف جزء منها لدعم الشعب الفنزويلي بآليات غير نقدية. وضمن هذا الإطار، جرى التأكيد على أن الدعم سيأتي على شكل بضائع ومنتجات أمريكية الصنع، بدل التحويلات النقدية المباشرة.
اقتصاديًا، يعدّ هذا النموذج تحولًا في إدارة الموارد خارج الحدود، حيث لم تعد الثروة الوطنية تُدار حصريًا عبر الدولة المالكة لها، بل أصبحت جزءًا من ترتيبات دولية معقدة تتداخل فيها العقوبات، والأسواق، والاعتبارات السياسية. أما فنزويلا، فتجد نفسها في قلب معادلة صعبة: دولة غنية بالموارد، لكنها محدودة القدرة على استثمارها بحرية ضمن النظام الاقتصادي العالمي.
في المحصلة، تكشف الحالة الفنزويلية عن مفارقة واضحة في الاقتصاد السياسي المعاصر. فالثروة وحدها لا تكفي لضمان السيادة الاقتصادية، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، واستقرار سياسي، وقدرة على التفاوض في بيئة دولية شديدة التعقيد. وبين الأرقام الضخمة والقرارات العابرة للحدود، تبقى فنزويلا مثالًا حيًا على كيف يمكن للموارد أن تكون نعمة استراتيجية، أو عبئًا ثقيلًا، تبعًا لطريقة إدارتها وموقعها في ميزان القوى العالمي.



