مقالات

اندماجات الخليج: بين ضرورة اقتصادية وصراع على النفوذ

 

بقلم/  د. علي عويد رخيص

خبير اقتصادي ومحاسبي

مؤسس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو في نكسيا

 

لم تعد الاندماجات والاستحواذات خيارًا ترفيهيًا للشركات الخليجية، بل تحولت إلى شرط بقاء في أسواق تتسم بصغر الحجم وارتفاع الكلفة وتشدد الرقابة. فخلال الفترة من 2022 إلى 2024، تجاوزت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ في دول مجلس التعاون 180 مليار دولار، استحوذت الكويت على نحو 12% منها، رغم محدودية سوقها مقارنة بجيرانها.

موجة الاندماجات الأخيرة تركزت في قطاعات البنوك والطاقة والاتصالات والعقار والخدمات اللوجستية، مدفوعة برغبة الشركات في تحقيق وفورات الحجم، ومتطلبات الجهات الرقابية، ورؤية الحكومات لبناء “أبطال وطنيين” قادرين على المنافسة إقليميًا.

من المنافسة إلى التكامل: 3 أنواع ترسم المشهد

الاندماج الأفقي.. سلاح ذو حدين 

يُعد النوع الأكثر شيوعًا في الكويت، ويحدث بين شركات تعمل في النشاط ذاته بهدف تقليل المنافسة وزيادة الحصة السوقية. أبرز الأمثلة صفقة استحواذ بيت التمويل الكويتي “بيتك” على البنك الأهلي المتحد البحريني، التي انتهت في 2022 وخلقت أحد أكبر البنوك الإسلامية في المنطقة بأصول تتجاوز 120 مليار دولار.

ويقول مصرفي كويتي مطلع على الصفقة: “الاندماج الأفقي يعطيك نموًا في سنة بدل 10 سنوات بناء، لكنه يدخلك في عين رقابة جهاز حماية المنافسة”.

الاندماج الرأسي.. أمن سلاسل التوريد 

تلجأ إليه الشركات العاملة في مراحل مختلفة من سلسلة الإنتاج لضمان استقرار العمليات. وتمثل شركة مطاحن الدقيق والمخابز الكويتية نموذجًا للتكامل الرأسي، حيث تدير السلسلة من استيراد القمح إلى توزيع الخبز. كذلك تتبع شركة الصناعات الوطنية القابضة النهج ذاته عبر دمج أنشطة المحاجر والنقل والخرسانة الجاهزة لخدمة المشاريع الحكومية الكبرى.

الاندماج المختلط.. درع ضد تقلبات النفط 

تعتمده المجموعات العائلية الكبرى لتنويع مصادر الدخل. وتتوزع استثمارات مجموعتي الخرافي والغانم بين السيارات والمطاعم والعقار والخدمات المالية، وهو ما ساعدها على تجاوز أزمات مثل انهيار 2008 وتراجع أسعار النفط. لكن محللين يحذرون من أن “التوسع المفرط قد يؤدي إلى تشتت إداري وفقدان التركيز التشغيلي”.

 

الاندماج المختلط الاندماج الرأسي الاندماج الأفقي نوع الاندماج
تنويع المخاطر تأمين سلاسل الإمداد زيادة الحصة السوقية الهدف الخليجي
مجموعة الخرافي مطاحن الدقيق الكويتية بيتك + الأهلي المتحد مثال كويتي بارز
تشتت إداري حاجة لرأس مال ضخم رفض الجهات الرقابية أبرز المخاطر

 

لماذا تندمج الكويت؟ المركزي والرؤية 2035 في الواجهة 

يدفع صغر السوق المحلي الشركات للبحث عن نمو سريع عبر شراء المنافسين أو التوسع الخارجي. كما تلعب تعليمات بنك الكويت المركزي دورًا حاسمًا، خاصة مع متطلبات رأس المال ومعايير “بازل 3” التي تدفع البنوك الصغيرة للاندماج تفاديًا للتعثر.

على المستوى الحكومي، جاء تأسيس الشركة الكويتية للصناعات البترولية المتكاملة “كيبك” عام 2016 عبر دمج 3 شركات نفطية، بهدف توحيد الجهود لتنفيذ مشروع مصفاة الزور البالغة كلفته 16 مليار دولار. “لا يمكن لكيان واحد منفرد تنفيذ مشروع بهذا الحجم”، يعلق مصدر نفطي.

الوجه الآخر: عندما تفشل الأرقام أمام النفوذ 

رغم المزايا، تصطدم كثير من الصفقات بجدار “صراع النفوذ”. ففي البيئة الخليجية ذات الطابع العائلي، يكون الخلاف على رئاسة مجلس الإدارة وتوزيع الصلاحيات سببًا رئيسيًا لانهيار المفاوضات قبل اكتمالها.

كما تشكل الثقافة المؤسسية تحديًا معقدًا، خصوصًا عند دمج بنك تقليدي محافظ مع شركة تقنية مالية ناشئة. “واحد يبي 10 تواقيع لتشغيل خدمة، والثاني يبي يطلقها بكرة”، يلخص مستشار اندماجات يعمل في السوق الكويتي.

الموجة القادمة: التكنولوجيا المالية والعقار 

يتوقع مراقبون استمرار موجة الاندماجات خلال 2026-2027، مع ترشيح قطاعي التكنولوجيا المالية والعقار ليكونا في الصدارة. تشدد بنك الكويت المركزي على متطلبات رأس المال لشركات الدفع الإلكتروني قد يدفع 3 إلى 4 محافظ صغيرة للاندماج وخلق كيان منافس لـ “كي نت”.

كذلك فإن إقرار قانون الرهن العقاري المرتقب سيدفع شركات التمويل العقاري الصغيرة للبحث عن تحالفات للبقاء.

 

يبقى العامل الحاسم في نجاح أي اندماج هو القدرة على دمج العنصر البشري والثقافي. فكما يقول أحد الرؤساء التنفيذيين: “الأرقام تُجمع بسهولة على الإكسل، لكن دمج المصالح والرؤى هو الامتحان الحقيقي. 70% من الاندماجات عالميًا لا تحقق أهدافها، والكويت ليست استثناء”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى