العقار

“كود البناء” لغة عالمية مشتركة لجودة المدن وسلامة الإنسان

 

بقلم: الخبيرة العقارية سبيكة محمد البحر

مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقارية – أعضاء في IVSC

 

في السنوات الأخيرة، لم يعد “الكودينغ في البناء” مجرد خيار تنظيمي، بل أصبح لغة عالمية مشتركة تقود جودة المدن وسلامة الإنسان. ويُعد International Code Council من أبرز الجهات التي وضعت الأساس لما يُعرف بـ International Building Code، وهو نموذج دولي يُستخدم كمرجع رئيسي وتقوم الدول بتكييفه وفق بيئتها وتشريعاتها.

في سلطنة عُمان، شكّل إطلاق الكود العُماني للبناء نقلة نوعية، حيث تم تطويره بالتعاون المباشر بين وزارة الإسكان والتخطيط العمراني والـICC، ليكون مستندًا بشكل أساسي إلى IBC مع تعديلات تتناسب مع طبيعة السلطنة. هذا النموذج لم يكن مجرد نقل للكود، بل عملية مواءمة شاملة شملت الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات، لضمان التطبيق الفعلي وليس النظري. كما تم دعم ذلك ببرامج تدريب وتأهيل، ما يعكس أن الكود ليس وثيقة جامدة بل منظومة تشغيل متكاملة  .

أما في دبي، فإن “كود دبي للبناء” يُعد مثالًا متقدمًا في المنطقة، حيث تم تطويره ليكون متوافقًا مع المعايير الدولية وعلى رأسها IBC، مع دمجه مع اشتراطات الاستدامة والطاقة. وتعمل بلدية دبي بشكل مباشر مع الجهات التنظيمية والتخطيطية لضمان أن المشاريع الجديدة، سواء الحكومية أو الخاصة، تلتزم بهذه المعايير من خلال منظومة تراخيص رقمية ورقابة ميدانية صارمة. كما أن التعاون مع جهات مثل الدفاع المدني يعزز تطبيق معايير السلامة، خصوصًا في أنظمة الحريق.

في المملكة العربية السعودية، تم اعتماد “الكود السعودي للبناء” كمرجع وطني شامل، وهو بدوره مبني على IBC ومعايير هندسية عالمية مثل ASCE، خصوصًا في ما يتعلق بالأحمال والزلازل. وقد أصبح هذا الكود أساسًا حتى لمشروع “الكود الخليجي الموحد”، ما يعكس قوته الفنية واعتماده كمرجعية إقليمية  . ويتم تطبيقه من خلال تكامل واضح بين وزارة الشؤون البلدية والإسكان والجهات التخطيطية، حيث لا تُمنح التراخيص إلا بعد الالتزام الكامل بالكود.

أما في دولة الكويت، فالوضع يختلف نسبيًا. تاريخيًا، لم يكن هناك كود وطني موحد بنفس شمولية الدول المجاورة، بل كانت هناك لوائح تنظيمية متفرقة منذ الثمانينات، مع الاعتماد بشكل كبير على المعايير العالمية مثل IBC وNFPA وACI في المشاريع الكبرى. ومع التوجه الحالي نحو الكود الخليجي، بدأت الكويت تدخل مرحلة التحول نحو توحيد المعايير ورفع مستوى التنظيم، خاصة من خلال بلدية الكويت والجهات المرتبطة بالإسكان والتخطيط.

وعند الحديث عن تطبيق الكود، لا يمكن فصل ذلك عن طبيعة التضاريس. الكويت تتميز بطبيعة صحراوية منبسطة، مع تربة رملية في أغلب المناطق، ووجود بعض الطبقات الطينية والملحية، إضافة إلى تأثير المياه الجوفية في بعض المواقع الساحلية. كما أن المناخ الصحراوي القاسي، من درجات حرارة مرتفعة ورياح وغبار، يفرض اشتراطات خاصة في التصميم الإنشائي والعزل الحراري وأنظمة التهوية. لذلك، فإن تبني الكود الدولي دون تكييف محلي لا يحقق الهدف، وهنا تظهر أهمية “تخصيص الكود” بما يتناسب مع البيئة.

تطبيق الكودينغ في البناء يحقق عدة فوائد جوهرية، أولها رفع مستوى السلامة وتقليل المخاطر، خصوصًا في الحريق والانهيارات. كما يسهم في تحسين جودة البناء وتقليل التكاليف على المدى الطويل من خلال تقليل الصيانة والأخطاء التنفيذية. إضافة إلى ذلك، يعزز الكود ثقة المستثمرين، لأن وجود معايير واضحة يعني بيئة استثمارية مستقرة وقابلة للتقييم. والأهم أنه يخلق لغة مشتركة بين المهندسين والمقاولين والجهات الرقابية، ما يقلل من العشوائية ويرفع كفاءة القطاع.

في النهاية، التجارب في عُمان ودبي والسعودية تؤكد أن نجاح الكود لا يعتمد فقط على تبنيه، بل على تكامله مع منظومة الإسكان والتخطيط، وعلى وجود إرادة تنفيذية حقيقية. والكويت اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة “اللوائح” إلى مرحلة “الكود المتكامل”، بما يواكب التطور العمراني ويؤسس لمدن أكثر أمانًا واستدامة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى