الكويت.. عقدة الطرق وذاكرة التجارة
بقلم: شادي ضامن المحيثاوي
إعلامي وباحث في الشؤون الاقتصادية
ثمةَ أماكن في هذا العالم لا تصنعها الصدفة، بل تصنعها الجغرافيا بيدٍ راسخة، وتُتمّها الإرادة الإنسانية بعزيمة لا تلين. الكويت واحدة من هذه الأماكن النادرة التي جمعت بين موقع استراتيجي فريد وشعب عرف كيف يُحوّل قسوة الصحراء وشُحّ الماء إلى ثروة من نوع آخر: ثروة الحركة والتبادل والوساطة التجارية.
جغرافيا تُمليها الأقدار:
يقع خليج الكويت عند رأس الخليج العربي الشمالي الغربي، في موقع يجعله حلقة الوصل الطبيعية بين الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبلاد فارس، ومنها إلى الهند وشرق أفريقيا وأوروبا. هذا الموقع لم يكن مجرد نقطة على خريطة، بل كان بوابةً تمرّ منها البضائع والأفكار والحضارات منذ فجر التاريخ. فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية في جزيرة فيلكا أن الكويت كانت محطةً تجارية حيّة في عهد الحضارة الدلمونية، وأن سفنها كانت ترسو في موانئ بلاد ما بين النهرين قبل أن يُكتب التاريخ المدوَّن.
من الغوص إلى التجارة الكبرى:
قبل أن تتفجّر ينابيع النفط، كانت الكويت تعيش على ثلاثة روافد اقتصادية متشابكة: صيد اللؤلؤ والغوص، والملاحة البحرية، والتجارة البرية. وقد أتقن أهل الكويت هذه الفنون الثلاثة بمهارة جعلتهم يتصدّرون المشهد التجاري في المنطقة. فقد كانت سفنهم الشراعية الكبيرة — البوم والبغلة والسنبوك — تجوب المحيط الهندي ذهاباً وإياباً، محمّلةً بالتمر والخيول والأقمشة والتوابل، في رحلات موسمية تمتد من الكويت إلى مسقط وزنجبار وكراتشي وكالكوتا.
أما على البر، فقد كانت الكويت نقطة انطلاق قوافل التجارة نحو حلب ودمشق وبغداد، إذ يمتد طريق القوافل البري الشهير الذي ربط الكويت بحلب عبر الصحراء السورية، وكان يُعدّ أقصر الطرق وأوفرها بين الخليج والبحر المتوسط، فأضفى على الكويت مكانةً لا تُنازَع في منظومة التجارة الإقليمية.
النفط: تحوّل في الأداة لا في الجوهر:
حين اكتُشف النفط عام 1938م وبدأ تصديره عام 1946م، لم تتخلَّ الكويت عن روحها التجارية، بل وظّفت الثروة الجديدة لتعزيز دورها المحوري. فأنشأت ميناء الشويخ ثم ميناء الشعيبة الذي بات اليوم من أكبر موانئ المنطقة وأكثرها تجهيزاً، وطوّرت منظومة لوجستية متكاملة جعلت منها مركزاً لإعادة التصدير وتوزيع البضائع على دول الجوار.
والأهم من ذلك أن الكويت أسّست صندوق الاحتياطي العام عام 1953م، ليكون أول صندوق سيادي في العالم، مُعلنةً بذلك أنها لا تنظر إلى النفط باعتباره نعمةً مؤقتة، بل باعتباره رأسمالاً ينبغي توظيفه وتنميته لصالح الأجيال القادمة. وهو نهجٌ لا يزال يُضرب به المثل في أروقة الاقتصاد الدولي.
الكويت اليوم: بين الإرث والطموح:
تمتلك الكويت اليوم احتياطيات نفطية تُقدَّر بنحو 102 مليار برميل، تمثّل قرابة 6% من الاحتياطي العالمي المؤكّد، فضلاً عن صندوق الثروة السيادي “هيئة الاستثمار الكويتية” الذي تتجاوز أصوله 700 مليار دولار، مما يجعله من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. غير أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الكويت اليوم هو إعادة اكتشاف ذاتها الاقتصادية ما وراء النفط، واستعادة روح التاجر الكويتي القديم الذي كان يبحث عن الفرصة في أقاصي الأرض.
إن مشاريع التنويع الاقتصادي التي تتضمّنها رؤية الكويت 2035 — من تطوير ميناء مبارك الكبير، وإنشاء مدينة الحرير، وتعزيز القطاع المالي — ليست ابتكاراً من العدم، بل هي استعادة واعية لدور تاريخي عريق. فالكويت التي كانت يوماً ملتقى طرق التجارة البحرية والبرية، تسعى اليوم لأن تكون ملتقى طرق الاستثمار والمال والأعمال في المنطقة.
الكويت لم تكن يوماً مجرد بقعة جغرافية، كانت دائماً فكرةً اقتصادية حيّة، تتجدّد مع كل موسم وتتكيّف مع كل تحوّل. وهذا بالضبط ما يجعل مستقبلها موضع ثقة لا موضع شك.



