مقالات

التعويض عن الضرر الأدبي للشخص الاعتباري… مبدأ قضائي يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح

 

بقلم/ المحامي ناصر الشلاحي

  • محكمة التمييز تحسم الجدل: السمعة التجارية عنصر من عناصر الذمة المالية والاعتداء عليها ضرر مادي

 

مما لا شك فيه أن التعويض عن الضرر يعد من أهم الركائز التي تقوم عليها قواعد المسؤولية المدنية، فهو الوسيلة القانونية لجبر ما يلحق المضرور من خسارة أو ما يفوته من كسب، وقد حرص المشرع الكويتي على أن يشمل هذا التعويض الضرر بنوعيه المادي والأدبي، إيماناً منه بأن الأذى الذي يصيب الإنسان لا يقتصر على ماله، بل قد يمتد إلى مشاعره وكرامته وسمعته ومكانته بين الناس.

وضمن هذا السياق، ظلت مسألة مدى استحقاق الشخص الاعتباري – كالشركات والمؤسسات – للتعويض عن الضرر الأدبي محلاً لجدل قضائي وفقهي ممتد، تعارضت بشأنه أحكام دوائر محكمة التمييز ذاتها بين مؤيد ومعارض، إلى أن حسمت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية والعمالية هذا الجدل بحكمها الصادر بجلسة 27 ديسمبر 2021 في الطعن رقم 1 لسنة 2021 (هيئة عامة)، في مبدأ قضائي نراه جديراً بكل تأييد، لما فيه من قراءة أمينة للنص القانوني وفهم سليم لطبيعة الشخص الاعتباري.

المسألة المعروضة على الهيئة:

تتلخص وقائع النزاع في أن شركة أقامت دعوى على شخص أدين بحكم جزائي بات في واقعة سرقة منقولات حديدية مملوكة لها، طالبته فيها بتعويض مادي وأدبي، ومن ضمن ما طلبته مبلغ عشرة آلاف دينار تعويضاً عما لحقها – بحسب قولها – من أضرار أدبية، وإذ رفضت محكمتا أول درجة والاستئناف الدعوى، وطُرح الطعن على الدائرة التجارية الخامسة بمحكمة التمييز، تبين لها صدور أحكام وقرارات متعارضة من دوائر المحكمة في شأن مدى جواز استحقاق الشخص الاعتباري للتعويض الأدبي، فأحالت الطعن إلى الهيئة العامة عملاً بالفقرة الثانية من المادة الرابعة من المرسوم بالقانون رقم 23 لسنة 1990 بشأن تنظيم القضاء، المستبدلة بالقانون رقم 2 لسنة 2003، وهي الآلية التي رسمها المشرع لتوحيد ضماناً لوحدة المبادئ القضائية واستقرارها.

وقد كان الخلاف دائراً بين اتجاهين، أولهما يجيز تعويض الشخص الاعتباري عن الضرر الأدبي استناداً إلى أن ما عددته المادة 231 من القانون المدني هو بعض صنوف الضرر الأدبي لا كلها، وثانيهما يرفض ذلك تأسيساً على أن الشخص الاعتباري كائن مادي مجرد من كل شعور أو عاطفة، لا يستهدف إلا الحصول على المنافع المادية وتحقيق الأرباح.

النص القانوني محل البحث:

نظم المشرع التعويض عن الضرر الأدبي في المادة 231 من القانون المدني، حيث نصت على أنه «(1) يتناول التعويض عن العمل غير المشروع الضرر، ولو كان أدبياً. (2) ويشمل الضرر الأدبي على الأخص ما يلحق الشخص من أذى حسي أو نفسي نتيجة المساس بحياته أو بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بشرفه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي أو الأدبي أو باعتباره المالي، كما يشمل الضرر الأدبي كذلك ما يستشعره الشخص من الحزن والأسى، وما يفتقده من عاطفة الحب والحنان نتيجة موت عزيز عليه، (3) ومع ذلك لا يجوز الحكم بالتعويض عن الضرر الأدبي عن الضرر الناشئ عن الوفاة إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية».

والمتأمل في هذا النص يجد أن المشرع صاغه على مقاس الإنسان وحده، فالأذى الحسي والنفسي، والمساس بالحياة والجسم والحرية والعرض والشرف، ومشاعر الحزن والأسى، وفقدان عاطفة الحب والحنان، كلها معانٍ لا تقوم إلا بمن له شعور ووجدان، وهو ما أكدته المذكرة الإيضاحية للقانون المدني حين وصفت ما أورده النص من صنوف الضرر الأدبي بأنه «أهم ما ينتاب الناس في واقع حياتهم».

الضرر الأدبي لا يتصور تحققه إلا في الشخص الطبيعي دون الشخص الاعتباري

ما انتهت إليه الهيئة وأسانيد تأييدها:

انتهت الهيئة – بالأغلبية المقررة قانوناً – إلى الأخذ بالاتجاه الثاني والعدول عن المبدأ الأول، مقررة أن الضرر الأدبي لا يتصور تحققه إلا في الشخص الطبيعي دون الشخص الاعتباري، فالأخير ليس من آحاد الناس، بل مجرد كائن مادي مجرد من أي شعور أو عاطفة، لا يُعنى إلا بالحصول على المنافع المادية وتحقيق الأرباح، وأن الاعتداء على السمعة التجارية إنما يتعلق في النهاية بالضرر المادي الذي قد يلحق بالشخص الاعتباري، باعتبار أن السمعة التجارية أحد عناصر ذمته المالية يراعى حساب مقابلها عند تقييمها.

والحقيقة أن هذا المبدأ يستحق التأييد من عدة أوجه:

– فهو أولاً قراءة أمينة لإرادة المشرع، إذ التزمت الهيئة بمنطوق المادة 231 ومقصدها كما كشفت عنه المذكرة الإيضاحية، فلم تتوسع في تفسير النص توسعاً يخرجه عن غايته، ولم تفترض شعوراً لكائن قانوني لا وجدان له.

– وهو ثانياً منسجم مع الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري، فالشركة بنيان قانوني أنشئ لتحقيق غرض اقتصادي، يقاس ما يصيبها بميزان الربح والخسارة، فإسناد الحزن أو الألم النفسي إليها افتراض لما لا يمكن تصوره عقلاً ولا قانوناً.

– وهو ثالثاً لا ينتقص من حماية السمعة التجارية بل يضعها في موضعها الصحيح، فالهيئة لم تهدر هذه القيمة، وإنما أعادت تكييف الاعتداء عليها تكييفاً سليماً بوصفه ضرراً مادياً يجبر وفق قواعد الخسارة وفوات الكسب، وبهذا ينال الشخص الاعتباري تعويضاً عما أصاب نشاطه فعلاً، محسوباً على أساس موضوعي منضبط بدلاً من تقدير جزافي لمشاعر مفترضة.

– وهو رابعاً يحقق استقرار المعاملات ووحدة المبادئ القضائية، إذ يغلق الباب أمام المطالبات المرسلة بتعويضات أدبية لا سند لها، ويوحد قضاء الدوائر بعد تعارضها، وفي ذلك تعزيز لليقين القانوني الذي تنشده البيئة التجارية والاستثمارية.

ولا يغيب عن الأمر أن النيابة العامة ذاتها عدلت أمام الهيئة عن رأيها السابق وانتهت إلى تأييد هذا الاتجاه، وهو ما يعكس رجحان هذا النظر واستقامته مع صحيح القانون.

ختاماً

إن ما أرسته الهيئة في محكمة التمييز ان هذا الحكم ليس انتقاصاً من حقوق الشركات، بل إعادة للأمور إلى نصابها الصحيح، فالضرر الأدبي قرين الإنسان وحده بمشاعره وكرامته، أما الشخص الاعتباري فحمايته تكون في نطاق ذمته المالية التي تستوعب سمعته التجارية بوصفها أحد عناصرها، وبهذا المبدأ يجتمع للقضاء الكويتي انضباط التفسير، وعدالة التعويض، واستقرار الأحكام، وهي غايات تجعل من هذا الحكم مبدأً راسخاً جديراً بالبناء عليه في القضايا المماثلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى