أن المتابع للأحداث الإقليمية عن قرب، يستطيع أن يرى تسارع وتيرة الحدة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في السنوات القليلة الماضية. فلو استعرضنا التوترات الجيوسياسية التي حصلت في المنطقة في آخر 10 سنوات، نرى أن معدل وجود توتر أحادي كان مرة في كل سنتين أو ثلاث سنوات. لذلك فإن قدر هذه المنطقة أن تكون كذلك، خصوصاً في الفترة الحالية، والتي أصبح فيه برميل النفط وشحنات الغاز الطبيعي من مصادرها، هو العامل الأساسي. وفي هذا التقرير تشير شركة اكسبر للاستشارات وإدارة الأعمال بدولة الكويت إلى أن الصراعات التي تحصل في المنطقة مردها إلى الرغبة في الزعامة أو تحقيق الدول للمزيد من النفوذ والسيطرة. ولذلك، ممكن أن يكون عنوان هذه المرحلة ونحن في منتصف العام 2026 الهدنة المؤقتة، والتي قد تسبق صولات وجولات أخرى من التوتر مستقبلاً، للبحث عن المزيد من المكتسبات وتحديداً الاقتصادية منها. كما أن انخفاض سعر برميل النفط إلى 78 دولار، يعد أفضل مؤشر حول التنبؤ بنهاية الحرب القائمة، بعد أن بلغ 120 دولار في ذروتها، بينما كان يتداول بالقرب من 77 دولار – في نهاية فبراير 2026.
الطاقة والملاحة
كانت الأحداث المتسارعة في بداية الربع الثاني من العام 2026، باستعراض عسكري لأطراف الصراع في المنطقة، والذي لامس أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، ما أدى إلى استنزاف للبنى التحتية والحركة التجارية. وتدرك تلك الدول المشاركة في النزاع ومن حولها، أن استمرار مدة الازمة، ستؤدي إلى خسائر عميقة، فلا توجد أرباح مطلقة في فترة الحروب، ناهيك عن أن أسلوب الحرب العسكرية بدأ يتلاشى. كما أدركت الدول أهمية خطوط الملاحة ومضيق هرمز تحديداً، الذي يمكن أن يستخدم كأسلوب ضغط سياسي نحو تسريع وتيرة توقيع الاتفاقيات والتنازلات، خصوصاً وأن هذا المسطح المائي يعادل حجم الاقتصادGDP. وبلغة الأرقام، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من النفط العالمي – خُمس حجم الطاقة العالمي- وجزء كبير من الغاز المسال، وأن فاتورة إغلاق المضيق خلال الأزمة الحالية بلغت لغاية منتصف العام 2026 حوالي 173 مليار دولار – ما يعادل 53 مليار دينار كويتي – وهو حجم اقتصاد دولة الكويت لوحدها. وبعبارة أخرى، أن تكلفة الحرب على المواطن الخليجي من جراء إغلاق المضيق، كانت حوالي 2,800 دولار. وقد كانت نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ارتفاع في أسعار الطاقة، اضطراب في خطوط الإمداد والممرات المائية البديلة، ارتفاع مخاطر التأمين البحري، ارتفاع تكاليف النقل، والتي ستؤدي إلى ارتفاع في أسعار السلع والتضخم. وأن أي استمرار في طول تلك السلسلة، ستؤدي بالنهاية إلى زيادة في معدل البطالة، وخفض نسبة الفائدة من البنوك المركزية. كما يعتمد العدو الإيراني على تصدير النفط، لدول أساسية مثل الصين -التي تستورد 48% من النفط من خلالها، الهند، واليابان، وأن أي تحرر للمضيق، فإن ذلك سيخفف الضغط عليها، ويعيد تدفق النفط الخليجي والغاز. ولعله من الدروس المستفادة من هذه الأزمة، أن تساعد الدول في البحث عن طرق وأساليب بديلة لتمرير النفط، مثل إنشاء خطوط أنابيب، ممرات برية، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، بل وتنويع مصادر الدخل.
التحديات المزمنة
لعل أفضل عنوان للمنطقة في العام 2026، هو التصعيد الغير مسبوق، والذي غيّر من شكل المعادلة السياسية جذرياً، لكنه لم يحل المشكلات المزمنة. وتتسارع الجهود الدبلوماسية من بعض الدول في تبني ذلك الحياد، وذلك بهدف حل الخلافات أو تجميدها في أحسن الاحوال، بحيث تؤجل للمستقبل، وأن يكون الزمن كفيلاً بحلها! فالتنازلات الثانوية والتمسك بالثوابت منها، كلها مقاييس ومؤشرات في تحديد مدى طول وبقاء الخلاف. فالحرب أضعفت النظام الإيراني الغاشم بضربات على المنشآت النووية والترسانة العسكرية، لكن على ما يبدوا بأن الملف النووي لازال عالقاً. والعدو الإيراني أصبح أضعف، لكنه يبقى لاعباً رئيسياً عبر وكلائه. وقد تكشف الأيام القادمة عن اتفاق نووي جديد أو استمرار في البرنامج السري. وبذلك تعد المصالح المشتركة وتقاطعها بين الدول، هي شعار المرحلة المقبلة، والتي تبحث فيها عن مساندين يحملون نفس الأفكار والمبادئ.
شكل جديد من المنافسة
المنطقة اليوم أمام حالة مركبة ما بين الهدوء النسبي، مع التحول في الصراعات إلى أشكال جديدة، والبقاء فيها للأقوى. فقد أبرزت هذه الأزمة نقاط نجاح ومصادر قوى، لم تكن في الحسبان، مثل مضيق هرمز، دور الوساطة، أسلحة الدرون ومدى الصواريخ، حجم الدفاع، وغيرها. كل من تلك الأساليب، قد تعزز من الجهود المبذولة في مواجهتها مستقبلاً، مثل الجهود الدبلوماسية، ميزانية الأسلحة، الأمن السيبراني، حجم الصرف على التطوير والإبداع R&D. لذلك، ليس بالضرورة أن تكون الحرب القادمة عسكرية، والتي قد تكلف ميزانية الدول، إنما قد تكون عن بُعد، وذلك من خلال العملاء والوسطاء، التكنولوجيا الحديثة، مصادر المياه، بالإضافة إلى الاقتصاد. ومن الأمور التي يجب التعريج إليها في هذا الجانب، حجم الإرهاق الاقتصادي الذي بلغ كل دول العالم، من جراء الأزمة الراهنة، الأمر الذي يضغط نحو تسريع وتيرة التهدئة وتحقيق صيغة سلام تحاكي رغبات طرفي النزاع.
الدبلوماسية الهادئة
وختاماً قالت شركة اكسبر للاستشارات، أن الدبلوماسية أصبحت أداة رئيسية ومناسبة لإدارة النتائج وليس لإنهاء الصراعات جذرياً. فقد أثبتت هذه الحرب، حجم التكاليف الباهظة التي تكبدتها الدول ناهيك عن الخسائر البشرية، والتي سرعت من عمليات التهدئة والتفاوض. كما برز أثناء هذه الأزمة دور الوسطاء في تسهيل عمليات الحوار والوصول لنقاط التقاء، ومنها دولة قطر، باكستان، تركيا، وغيرها من الدول. بالإضافة إلى نجاح الدبلوماسية في تهدئة التوترات قصيرة الأمد، وتساعد في إعادة تشكيل التحالفات، لكنها لا تستطيع تغيير موازين القوى الأساسية لوحدها. القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية هي التي سترسم الخريطة الجديدة، والدبلوماسية تُلمعها. النتيجة الأرجح ستكون نظام إقليمي جديد متعدد الأقطاب، مع هدن مُدارة ومنافسة مستمرة بأشكال غير عسكرية مباشرة.
Nayef A. Bastaki
EXCPR™ Founder & MD
Consultancy and Business Management Co
A reading on the region’s rapid transformation © 450.6.2026
+965 600-EXCPR (600-39277)
info@excpr.com




