أسواق المال الخليجية وأثرها السلبي والإيجابي على الاقتصاد في ظل الحرب
بقلم/ د. محمد غازي المهنا
محكم تجاري دولي
دكتوراة في الرقابة القانونية على هيئة سوق المال m7md_almuhanna@hotmail.com
تعكس الأسواق المالية، بخاصة الكفؤة منها، المعلومات الواردة إليها من خلال الأسعار والمؤشرات، الشيء الذي يجعلها بمنزلة المرآة التي تعكس الأحداث الاقتصادية والسياسية للبلد، أو المنطقة المعنية، أو حتى الوضعية العالمية السائدة. يتضح ذلك أكثر إذا كانت تلك المعلومة أو الحدث هو اندلاع حرب في منطقة استراتيجية مثل منطقة الشرق الأوسط.
تلعب أسواق المال الخليجية دوراً حيوياً في التنمية الاقتصادية للمنطقة، حيث تتأثر بها وتؤثر عليها بشكل مباشر في تعزيز تدفقات رأس المال الأجنبي وتوفير سيولة ضخمة، بينما تشكل في الوقت ذاته تحديات ترتبط بالتقلبات السعرية والاعتماد على القطاع الواحد. إليك التفاصيل المنظمة للأثر الإيجابي والسلبي لهذه الأسواق:
الآثار الإيجابية على الاقتصاد:
* توفير التمويل للشركات والحكومات: تتيح البورصات للشركات توسيع أعمالها وتمويل مشاريعها الكبرى عبر طرح الأسهم، مما يخلق فرص عمل جديدة.
* جذب الاستثمارات الأجنبية: تفتح الأسواق المالية الخليجية الأبواب أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، مما يعزز السيولة النقدية ويدعم قيمة الأصول.
* تنويع مصادر الدخل: تشجع الأسواق خصخصة الشركات الحكومية وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية متعددة، مما يقلل الاعتماد الكلي على العوائد النفطية ويعزز النمو الكلي.
* توزيع الثروات: تمنح أسواق الأسهم الأفراد والمؤسسات فرصة الاستثمار ومشاركة أرباح كبرى الشركات.
الآثار والتحديات السلبية على الاقتصاد:
* الارتباط بأسعار النفط: لا يزال أداء الأسواق يتفاعل بشدة مع أسعار النفط العالمية؛ مما يجعلها عرضة للتراجعات عند هبوط أسعار الطاقة.
* الحساسية تجاه التوترات الجيوسياسية: تتأثر الأسهم الخليجية بوضوح بالعوامل الجيوسياسية في المنطقة، مما قد يرفع “علاوة المخاطر” ويؤدي إلى هبوط حاد في المؤشرات.
* مخاطر المضاربة والتقلبات: غلبة طابع المضاربة السريعة على سلوكيات بعض المستثمرين قد تؤدي إلى تضخم أسعار الأسهم بشكل وهمي، يتبعه انهيارات مفاجئة تضر بصغار المستثمرين والاقتصاد المحلي.
* التأثير على ثقة المستهلك: ترتبط ثقة المستهلكين والمستثمرين بشكل مباشر بحالة السوق المالي، وعند حدوث موجات هبوط، ينعكس ذلك سلبياً على الإنفاق الاستهلاكي والنمو الاقتصادي العام.
دور الأسواق المالية في الاقتصاد؟
تلعب الأسواق المالية دوراً هاماً في التنمية الاقتصادية من خلال عدة وظائف ممثلة في تجميع المدخرات الوطنية، وتحريك رؤوس الأموال من القطاعات ذات الفائض إلى القطاعات ذات الحاجة، وتوفير سيولة دائمة للورقة المالية، والعمل على تنمية وتطوير وسائل التمويل، مع العمل على جلب وجذب الأموال من الخارج.
ما هي العوامل التي تؤثر على سوق الأسهم؟
العوامل الأساسية:
* مستوى قاعدة الأرباح بما في ذلك: ربحية السهم EPS، التدفق النقدي لكل سهم، توزيعات الأرباح لكل سهم.
* النمو المتوقع في قاعدة الأرباح خلال فترة زمنية.
* معدل الخصم، الذي هو في حد ذاته دالة للتضخم.
* المخاطر المتصورة للسهم.
مخاطر السوق هي احتمالية تعرض المستثمرين أو المؤسسات لخسائر مالية ناتجة عن تحركات سلبية وغير مواتية في أسعار الأسهم، أو أسعار الفائدة، أو أسعار صرف العملات الأجنبية، أو أسعار السلع الأساسية. وهي تعتبر من المخاطر المنتظمة التي لا يمكن التنبؤ بها بدقة أو تجنبها بالكامل.
تتمثل المخاطر الرئيسية للأسواق المالية في أربعة عوامل أساسية:
1- مخاطر الأسهم Equity Risk)): خطر تراجع أسعار الأسهم الفردية أو انخفاض مؤشرات السوق العامة، مما يؤدي إلى انخفاض قيمة المحافظ الاستثمارية.
2- مخاطر أسعار الفائدة Interest Rate Risk)): احتمالية أن تؤدي التقلبات في أسعار الفائدة إلى تغييرات سلبية في قيمة الاستثمارات ذات الدخل الثابت أو التأثير على تكلفة الاقتراض.
3- مخاطر العملات Currency Risk)) :تعرف أيضاً بمخاطر أسعار الصرف، وهي الخسائر المحتملة بسبب التذبذب في قيم العملات الأجنبية عند إجراء استثمارات دولية أو تحويل الأرباح.
4- مخاطر السلع : (Commodity Risk) خطر تأثر الاستثمارات أو الأعمال التجارية بالتقلبات في أسعار المواد الأساسية مثل النفط، أو الذهب، أو المنتجات الزراعية.
طرق إدارة وتخفيف مخاطر السوق:
للحد من التعرض لهذه المخاطر وتقليل آثارها المالية، يتم استخدام استراتيجيات معينة:
* التنويع : (Diversification) توزيع الاستثمارات على قطاعات، ومناطق جغرافية، وفئات أصول مختلفة لضمان عدم تأثر المحفظة بالكامل بانكماش قطاع واحد.
* التحوط :(Hedging) اتخاذ مراكز مالية معاكسة أو استخدام المشتقات المالية (مثل العقود الآجلة والخيارات) لتقليل الخسائر المحتملة في الأصول الأصلية.
* تحديد حجم التعرض :(Position Sizing) وضع حدود صارمة لرأس المال المخصص لكل صفقة أو استثمار لتجنب المخاطرة المفرطة.
* إدارة السيولة: الاحتفاظ بنسبة كافية من السيولة النقدية أو الأصول سريعة التسييل لاقتناص الفرص في أوقات التراجع أو لتلبية الالتزامات المفاجئة.
غالبًا ما تظهر أسعار الفائدة وأداء سوق الأوراق المالية علاقة عكسية. عندما ترتفع أسعار الفائدة، تزيد تكاليف الاقتراض للشركات، مما قد يؤدي إلى انخفاض أسعار الأسهم بسبب انخفاض الاستثمار واستقرار التدفق النقدي. ومن ناحية أخرى، عندما تنخفض أسعار الفائدة، يصبح الاقتراض أقل تكلفة، مما قد يؤدي إلى تعزيز أسعار الأسهم.
أظهر تقرير خاص قامت به “أرقام” حول أداء الأسواق الخليجية خلال النصف الأول من عام 2025، أن مؤشرات الأسواق الخليجية أنهت تعاملات النصف الأول على تباين؛ حيث ارتفع مؤشر 4 أسواق من أصل 7 أسواق محل الدراسة. وتصدر مؤشر “سوق الكويت” قائمة الارتفاعات بنسبة بلغت 17%، ليغلق عند مستوى 9188 نقطة، مضيفاً 1349 نقطة منذ بداية العام.
وجاء في المرتبة الثانية مؤشر “سوق دبي المالي” من حيث الأكثر ارتفاعاً بنسبة 11%، مغلقاً عند مستوى 5706 نقاط، مضيفاً 547 نقطة منذ بداية العام، يليه مؤشر “سوق أبوظبي للأوراق المالية” بنسبة ارتفاع بلغت نحو 6%، مغلقاً عند مستوى 9958 نقطة، ومضيفاً لرصيده 539 نقطة.
كما ارتفع مؤشر “السوق القطري” بنسبة 2%، مغلقاً عند مستوى 10749 نقطة، مضيفاً لرصيده 178 نقطة منذ بداية العام الحالي.
في المقابل، انخفض المؤشر لـ 3 أسواق، وتصدر مؤشر “السوق السعودي” قائمة الأكثر انخفاضاً خلال النصف الأول 2025، بنسبة 7%، فاقداً 873 نقطة منذ بداية العام، تبعه مؤشر “السوق البحريني”.
تأثير الحروب والصراعات الجيوسياسية:
تؤثر الحروب على الأسواق الخليجية من خلال مسارين رئيسيين:
ردود الفعل المبدئية (الصدمة):
تشهد البورصات الخليجية تراجعات سريعة وحادة في الأيام الأولى لاندلاع الحروب أو التصعيد العسكري نتيجة حالة عدم اليقين. على سبيل المثال، خلال فترة الحرب في الشرق الأوسط، شهدت الأسواق الخليجية تراجعات حادة في تعاملاتها المبكرة متأثرة بمخاطر إغلاق الممرات الملاحية (مثل مضيق هرمز)، مما دفع بعض البورصات لتعليق التداول مؤقتاً لتخفيف حدة الهلع.
الصمود والتعافي:
أثبتت أسواق الخليج مرونة عالية في استيعاب الصدمات؛ حيث تمكنت من تقليص نسبة كبيرة من خسائرها خلال الجلسات ذاتها بدعم من الأسهم القيادية كقطاع الطاقة.
انعكاسات الحرب على الأداء الاقتصادي:
قطاع الطاقة: يمثل “اقتصاد الحرب” عاملاً مزدوجاً؛ فمن ناحية ترتفع أسعار النفط العالمية نتيجة مخاوف تعطل الإمدادات، مما يدعم إيرادات الدول الخليجية، ومن ناحية أخرى تزيد تكاليف التأمين البحري والشحن، مما يعرقل سلاسل التوريد.
الاستقرار والسلام: يعد الاستقرار السياسي الركيزة الأولى لجذب الاستثمارات الأجنبية، وأي تسويات أو اتفاقيات تنهي التوترات تنعكس فوراً وبشكل إيجابي على مناخ الاستثمار.
كيف تؤثر الحرب على الأسواق المالية؟
ترتبط الحروب وتحركات سوق الأسهم ارتباطاً وثيقاً بالمخاطر الجيوسياسية التي تؤدي إلى تقلبات السوق. وتشمل آثار الحرب على سوق الأسهم انخفاضات حادة، وتحولات قطاعية، وحالة من عدم اليقين خلال فترات الحرب.
هل الحرب مفيدة أم ضارة للأسواق؟
لا تُخلف الحملات العسكرية والحروب والثورات عادةً أثراً دائماً على أسهم الولايات المتحدة. فبحسب “دويتشه بنك”، بلغ متوسط الانخفاض خلال 30 حدثاً جيوسياسياً رئيسياً منذ عام 1939 نسبة 4% فقط، وكان الانتعاش سريعاً. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الولايات المتحدة كانت دولة محظوظة.
عن التوقعات والسيناريوهات المستقبلية لأداء أسواق المنطقة في الفترة المقبلة:
ذلك يعتمد على سيناريوهات مدة استمرار الحرب. فإذا توقفت الحرب خلال شهر أو أقل، فهذا من شأنه أن يؤدي إلى عودة تدريجية للثقة والاستقرار، وانتعاش للقطاعات المتضررة، والبدء مرة أخرى في الطروحات وإصدار أدوات الدين، والعودة إلى ترسية المشاريع، مع التوقعات ببقاء أسعار النفط مرتفعة على المدى القصير.



