إصلاح سوق العمل في الكويت: ضرورة اقتصادية لا خيارًا سياسيًا
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
اجتماع تنسيقي غير مسبوق جمع وزارة الخارجية والهيئة العامة للقوى العاملة والنيابة العامة مع وكالات الأمم المتحدة المعنية بحقوق العمال ومكافحة الاتجار بالبشر.
-
لا يمكن فهم ديناميكيات سوق العمل الكويتي من دون العودة إلى الإطار القانوني المنظم للعلاقات العمالية في القطاع الأهلي.
-
لا يمكن لأي نقلة نوعية في سوق العمل أن تنجح إن لم توازن بين حقوق العمال وحقوق أصحاب العمل.
-
عبدالله المهيني: الاعتماد الطويل على القطاع الحكومي في التوظيف رسّخ عاملاً نفسياً لدى المواطنين وأولياء الأمور على حد سواء.
-
قرار مجلس الوزراء رقم 1179 لسنة 2023، الخاص بلائحة تكويت العقود الحكومية، يحمل في طياته ثورة صامتة في مفهوم الدولة الراعية.
-
“تكويت العقود الحكومية” أصبح واقعاً يُلزم الجهات الحكومية بنقل موظفيها الكويتيين من عقود منتهية إلى عقود جديدة، مع الحفاظ على رواتبهم أو زيادتها.
-
ما زال قانون العمل الكويتي يفتقر إلى نصوص صريحة كافية لحماية الأسرار التجارية وبنود عدم المنافسة.
-
التحدي الأكبر الذي نواجهه ليس تشريعياً فحسب، بل ثقافي ونفسي في جوهره.
-
صياغة عقد اجتماعي جديد يجعل من القطاع الخاص شريكاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد ملحق اقتصادي لها.
-
نقل آلاف الكويتيين تدريجياً من ميزانية الدولة إلى ميزانيات شركات القطاع الخاص المتعاقدة مع الحكومة.
-
حظر فصل العاملين الكويتيين عند انتهاء العقود الحكومية وإلزام الجهات بنقلهم إلى عقود جديدة.
-
هل يمكن للقطاع الخاص أن يتحول إلى بديل حقيقي للقطاع الحكومي؟
-
هل تظل منصة “فخرنا” مجرد “نافذة أمل” من دون تغيير جذري في ثقافة التوظيف؟
-
إعادة صياغة سوق العمل: بين “تكويت” العقود و”تمكين” الكفاءات
الشراكات الدولية.. لماذا الأمم المتحدة الآن؟ وهل يقود القطاع الخاص مرحلة التحول الجديدة؟
محور السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: لماذا الأمم المتحدة الآن بالذات؟ وهل يُقدِم القطاع الخاص على قيادة دفة هذا التحول الجديد، أم أنه مجرد ركيزة في منظومة أوسع؟ لقد تجاوز اللقاء التاريخي الذي جمع الجهات الوطنية الثلاث—وزارة الخارجية، والهيئة العامة للقوى العاملة، والنيابة العامة—مع وكالات الأمم المتحدة، كونه بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً، ليحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة الأبعاد. فهو، في جوهره، رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الكويت تمضي بجدية في تطوير بيئة العمل، سواء للمواطنين أو للعمالة الوافدة، بما يتسق مع التزاماتها الدولية وأجندة التنمية المستدامة. كما أنه يعيد تشكيل خريطة التعاون مع الدول المصدرة للعمالة، ليُدرج ملف حماية الحقوق العمالية ضمن أولويات السياسة الخارجية الكويتية، ناهيك عن كونه رافعةً لبناء القدرات الوطنية في ميادين مكافحة الاتجار بالبشر وتعزيز حماية العمال، وهو مسار يقتضي تطويراً تشريعياً وتدريبياً متكاملاً. وفي هذا السياق، لم تكن كلمات السفيرة الشيخة جواهر إبراهيم الدعيج الصباح، مساعدة وزير الخارجية لشؤون حقوق الإنسان، مجرد عبارات بروتوكولية، حين أكدت أن هذا الاجتماع يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية مع الأمم المتحدة. بل هي إعلان نية واضح بأن الكويت ترتقي بنفسها إلى موقع “الدولة الراعية لمعايير العمل الدولية” في المنطقة، وهو موقع لا يتطلب منها سنَّ القوانين فحسب، بل يستوجب بناء آليات رقابية صارمة وفاعلة تضمن ترجمتها إلى واقع معاش. وفي مشهد يستحضر التحولات الكبرى التي شهدتها اقتصادات آسيا قبل عقود، تقف الكويت اليوم على مفترق طرق مصيري في ملف التوظيف. فالوظيفة الحكومية، التي ظلت لعقود بمثابة “الضمان الاجتماعي” غير المعلن للمواطن، تخوض اليوم أكبر عملية إعادة هيكلة لسوق العمل منذ عقود، تقودها حزمة من الإصلاحات التشريعية المتلاحقة، مقترنة بشراكات دولية منهجية لا تترك أمراً للصدفة. ولم يكد يمضي الأسبوع الماضي حتى حمل في طياته حدثين متوازيين، يحمل كل منهما دلالة استراتيجية لا تُخطئها العين: على الصعيد الداخلي المؤسسي، انعقد اجتماع تنسيقي غير مسبوق، ترأسته السفيرة الشيخة جواهر إبراهيم الدعيج الصباح، بحضور المدير العام للهيئة العامة للقوى العاملة رباب العصيمي، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة والمنسق المقيم في الكويت غادة الطاهر، إلى جانب النيابة العامة ووكالات الأمم المتحدة المعنية بحقوق العمال ومكافحة الاتجار بالبشر، ممثلة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة العمل الدولية (ILO)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC). وقد شكل هذا اللقاء، الأول من نوعه، حجر الأساس لمرحلة جديدة من التنسيق المؤسسي والشراكة الاستراتيجية الشاملة. أما على الصعيد التنفيذي العملي، فجاء تصريح مراقب الفرص الوظيفية في إدارة تنمية العمالة الوطنية بالهيئة، عبدالله المهيني، ليُزيح الستار عن حقيقة مبهرة مؤكداً أن لائحة “تكويت العقود الحكومية” لم تعد مجرد شعار ترفعه البيانات، بل أصبحت واقعاً نافذاً يُلزم جميع الجهات الحكومية بنقل موظفيها الكويتيين من عقودهم المنتهية إلى عقود جديدة، مع الحفاظ على رواتبهم أو زيادتها، في ترجمة عملية واضحة لرؤية وطنية تستشرف المستقبل ولا تكتفي بإدارة الحاضر.
«تكويت العقود الحكومية»… على نار ساخنة.. إصلاح لا يقل خطورة عن “خصخصة” ضمنية
قرار مجلس الوزراء رقم 1179 لسنة 2023، الخاص بلائحة تكويت العقود الحكومية، يحمل في طياته ثورة صامتة في مفهوم الدولة الراعية. فالقرار لم يكتفِ بفرض نسب توظيف شكلية، بل أرسى آليات تنفيذية دقيقة: إنشاء وحدات تكويت داخل كل جهة حكومية مهمتها دراسة العقود وتحديد القابل منها للتكويت ومتابعة استقرار العمالة الوطنية، إلى جانب حظر فصل العاملين الكويتيين عند انتهاء العقود الحكومية وإلزام الجهات بنقلهم إلى عقود جديدة، مع التركيز الاستراتيجي على العقود المستمرة كالتشغيل والصيانة والإدارة باعتبارها الأنسب لاستقرار العمالة، واستبعاد العقود المؤقتة كالتوريدات والمشتريات من هذا النطاق. هذا التحول يعيد، عملياً، تعريف مفهوم “الأمان الوظيفي” ذاته. فبدلاً من أن يظل الأمان مرتبطاً بهوية الجهة الحكومية بوصفها كياناً دائماً، أصبح مرتبطاً باستمرارية العقد بصرف النظر عن الجهة المُشغّلة. وهذا بدوره يمهّد، ولو ضمنياً، لنقل آلاف الكويتيين تدريجياً من ميزانية الدولة إلى ميزانيات شركات القطاع الخاص المتعاقدة مع الحكومة.
“فخرنا”.. منصة توظيف أم مشروع إعادة تأهيل ثقافي؟
السؤال الأكبر الذي تطرحه هذه التحركات يبقى معلقاً: هل يمكن للقطاع الخاص أن يتحول إلى بديل حقيقي للقطاع الحكومي؟ أم أن منصة “فخرنا” ستبقى مجرد “نافذة أمل” من دون تغيير جذري في ثقافة التوظيف؟ ففي قلب هذه المعادلة، تقف منصة “فخرنا” التي تُوصف رسمياً بأنها “مسار موازٍ للتوظيف الحكومي”. لكن قراءة متأنية لوظائفها تكشف عن طموح أبعد من ذلك بكثير؛ فهي تتيح ربطاً آلياً بين الباحثين عن عمل والشركات الخاصة على اختلاف مؤهلاتهم ومستوياتهم الدراسية، وتتكامل مع منظومة الحماية الاجتماعية عبر خدمات صرف مكافأة الخريجين وبدل البحث عن عمل والتأمين ضد البطالة، فضلاً عن استهدافها المباشر لخريجي ديوان الخدمة المدنية بهدف تقليص قوائم الانتظار وتوجيههم نحو فرص حقيقية في القطاع الخاص. غير أن التحدي الأكبر، في تقديري الشخصي، ليس تقنياً بقدر ما هو ثقافي ونفسي. فكما يوضح مراقب الفرص الوظيفية عبدالله المهيني، فإن الاعتماد الطويل على القطاع الحكومي في التوظيف رسّخ عاملاً نفسياً لدى المواطنين وأولياء الأمور على حد سواء، ما يستدعي، بحسبه، تغيير النظرة التقليدية التي تربط الأمان الوظيفي بالعمل الحكومي حصراً، خصوصاً أن قطاعات كالبنوك والاتصالات والشركات الكبرى باتت توفر اليوم فرصاً مستقرة ومتميزة للعمالة الوطنية.
التحديات الخفية.. حماية الأسرار التجارية وحقوق أصحاب العمل؟
لا يمكن لأي نقلة نوعية في سوق العمل أن تنجح إن لم توازن بين حقوق العمال وحقوق أصحاب العمل، خصوصاً في ظل مطالبة القطاع الخاص اليوم باستيعاب أعداد متزايدة من الكويتيين. فقانون العمل الكويتي رقم 6 لسنة 2010، على الرغم مما وفّره من حماية للعمال، ما زال يفتقر إلى نصوص صريحة كافية لحماية الأسرار التجارية وبنود عدم المنافسة. وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث تنتقل المواهب بين الشركات بسهولة غير مسبوقة، يتحول هذا الفراغ التشريعي إلى خطر حقيقي على استثمارات القطاع الخاص. وكما سبق أن رصدنا مقالتي سابقا: كيف يغيّر نزاع “أبل وأوبن إيه آي” خريطة عقود العمل في المستقبل؟ في قضية “أبل” ضد “أوبن إيه آي”، فإن غياب آليات قانونية رادعة لسرقة المعرفة التقنية قد يثني الشركات الكبرى عن توظيف الكويتيين في مناصب حساسة، خشية انتقال معارفهم إلى منافسين. وهذا ما يستدعي من المشرّع الكويتي، بالتوازي مع ملف التكويت، إصدار تشريعات متكاملة لحماية الملكية الفكرية والأسرار التجارية في عقود العمل، بما يضمن بيئة آمنة لاستثمار المواهب الوطنية.
القطاع الخاص.. شريك أم “منقذ”؟
يرى المهيني أن القطاع الخاص “أصبح شريكاً أساسياً في التنمية، ويوفر وظائف مستقرة ومزايا ومسارات مهنية متقدمة”. غير أن الواقع الميداني يطرح أسئلة لا تزال بلا إجابات كاملة: هل تنافس الرواتب والمزايا في القطاع الخاص نظيرتها في القطاع الحكومي؟ التصريحات الرسمية تؤكد أن اللائحة تُلزم الجهات الحكومية بنقل موظفيها مع الحفاظ على رواتبهم أو زيادتها، لكن هذا الضمان لا يشمل الوظائف الجديدة المستحدثة. وهل ثمة حد أدنى موحّد لنسب التوظيف؟ التصريحات تشير إلى أن النسب “تُحدد وفق دراسات تراعي طبيعة كل قطاع وقدرته على الاستيعاب”، ما قد يفتح باباً لتفاوت كبير بين القطاعات. أما آلية مراقبة التزام الشركات، فتؤكد الهيئة العامة للقوى العاملة أنها تتابعها عبر أنظمة الرقابة والرواتب الإلكترونية، وهو تطور نوعي، لكن فعاليته الحقيقية ستبقى رهينة قدرات الرقابة الفعلية على أرض الواقع.
الإطار القانوني.. قانون العمل رقم 6 لسنة 2010
لا يمكن فهم ديناميكيات سوق العمل الكويتي من دون العودة إلى الإطار القانوني المنظم للعلاقات العمالية في القطاع الأهلي، أي القانون رقم 6 لسنة 2010 وتعديلاته اللاحقة، ومنها القانون رقم 90 لسنة 2013. فهذا القانون يحدد بوضوح حقوق وواجبات العامل وصاحب العمل بهدف تحقيق التوازن والعدالة في بيئة العمل، ومن أبرز ملامحه أن عقد العمل يجب أن يُحرَّر باللغة العربية، وأن تكون النسخة العربية هي المعتمدة قانونياً أمام المحاكم؛ كما يمكن أن يكون العقد محدد المدة بحد أدنى سنة وأقصى خمس سنوات، أو غير محدد المدة، مع منع من تجاوز الخامسة عشرة ولم يبلغ الثامنة عشرة من إبرام عقد محدد المدة يتجاوز السنة. كما تقدمت الهيئة العامة للقوى العاملة بمشروع مرسوم لتعديل المادة 63 من القانون بما يتيح تحديد الأجر الأدنى كل خمس سنوات على الأكثر، استناداً إلى معدلات التضخم وبالتشاور مع الجهات المعنية. أما مكافأة نهاية الخدمة، فقد شهدت نقلة نوعية بموجب المادة 53 من القانون؛ إذ كان القانون الملغي يحرم العامل من المكافأة إن ترك العمل باختياره وكانت خدمته خمس سنوات فأقل، فيما خفّض القانون الجديد هذه المدة إلى ثلاث سنوات لاستحقاق نصف المكافأة، ومنح ثلثيها عند بلوغ الخدمة خمس سنوات، وكاملة عند بلوغها عشر سنوات فأكثر، كما ألغى شرط استمرارية سنوات الخدمة، في توسع ملحوظ لحماية العامل. غير أن القانون أبقى على تحيز واحد لصالح صاحب العمل، إذ قصر تطبيق هذه الأحكام على العقود غير محددة المدة دون محددة المدة. وفي ما يخص ساعات العمل، حددت المادة 64 الأسبوع بـ48 ساعة عمل بواقع 8 ساعات يومياً، مع استثناءات للقطاع المصرفي والمالي والاستثماري، وأصبح يوم الراحة الأسبوعية مدفوع الأجر، في تطور لافت عن النص السابق.
القطاع الخاص.. الفرصة المهدرة .. شريك أم منافس؟ أم المحرك المقبل؟
القطاع الخاص لعب دوراً محورياً منذ الستينيات في بناء قاعدة قوية للنشاط التجاري في الدولة، وأن استدامة التدفق النقدي والنمو التشغيلي كان لهما أثر كبير في تعزيز قوة هذا القطاع الذي أثبت جدارته في مواجهة الأزمات المالية العالمية. والقطاع المصرفي وخدماته المالية ساهم في توفير بدائل تمويلية ومنتجات استثمارية تضمن سلامة الحركة النقدية، فيما لعب القطاع العقاري التجاري والاستثماري والترفيهي دوراً مهماً في التطوير العمراني وتحويل الكويت إلى وجهة سياحية لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن، تكشف الأرقام صورة مقلقة إلى حد ما؛ إذ يفتقر نحو 59.7% من العمالة في سوق الكويت، وفق تقرير شركة “بروكابيتا” للاستشارات الإدارية، إلى الكفاءات المطلوبة، مع وجود فجوة بنسبة 31.3% بين الأجور والمزايا المقدمة بسبب الاختلال الهيكلي في سوق العمل. والأكثر إثارة للقلق أن “مؤشر التطابق” بين المتقدمين للوظائف ومتطلباتها لم يتجاوز 15%، وهو ما يعكس فجوة واضحة في المؤهلات والخبرات المطلوبة. فلماذا يظل الكويتيون يفضلون العمل الحكومي؟ يعمل نحو 80% منهم في القطاع الحكومي ولم يعد فارق الراتب وحده هو السبب، بل تتداخل معه عوامل عدة: الأمان الوظيفي والحماية من الفصل التعسفي، وفارق ساعات العمل بين القطاعين، والإجازات والمزايا كالإجازة المرضية وإجازة الأمومة ومرافقة المريض، إضافة إلى ثقافة مهنية تركّز فيها غالبية الخريجين على التخصصات الإدارية مع نقص واضح في المخرجات التقنية والمهنية. وبحسب محمد المزيني، مدير العلاقات العامة والإعلام بالهيئة العامة للقوى العاملة، فإن أبرز التحديات التي تواجه سياسة التكويت تتمثل في الحاجة إلى تخصصات نادرة غير متوفرة محلياً كالتأمين والاستثمار والضيافة، وفارق ساعات العمل بين القطاعين، وارتفاع معدلات استقالة العمالة الوطنية خلال السنوات الثلاث الأولى، إضافة إلى ظاهرة “التوظيف الصوري” الهادفة إلى تحقيق النسب القانونية من دون إنتاجية فعلية.
رؤية 2035.. خارطة طريق للتحول
تمثل “رؤية الكويت 2035” الإطار الاستراتيجي الهادف إلى تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري عالمي، يلعب فيه القطاع الخاص دوراً محورياً إلى جانب القطاع العام لتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، كشفت الهيئة العامة للقوى العاملة عن جملة مقترحات تشريعية وإدارية، من أبرزها تشريعات لرفع نسب التكويت مع عقوبات أشد على المخالفين، وحصر بعض المسميات والمهن بالعمالة الوطنية، وبرامج تدريب متخصصة لتأهيل الكوادر الوطنية في التخصصات النادرة، ورفع رسوم استقدام العمالة الوافدة في التخصصات المتوفرة محلياً، إلى جانب منصة “فخرنا” بوصفها مساراً داعماً للتوظيف في القطاع الخاص، وحوافز مقترحة على مجلس الوزراء لتشجيع الشركات الخاصة على خلق فرص عمل للعمالة الوطنية. وفي ملف الحد الأدنى للأجور، تقدمت الهيئة العامة للقوى العاملة بمشروع مرسوم لتعديل المادة 63 من قانون العمل بما يتيح تحديد هذا الحد كل خمس سنوات على الأكثر وفق معدلات التضخم، كما رفعت دراسة إلى مجلس الوزراء تهدف إلى تشجيع العمل في القطاع الخاص وزيادة مبالغ دعم العمالة الوطنية.
الخلاصة.. معركة الثقافة قبل القانون
التحدي الأكبر الذي نواجهه ليس تشريعياً فحسب، بل ثقافي ونفسي في جوهره. فبينما تُنشئ منصة “فخرنا” لتوظيف الكويتيين في القطاع الخاص، وتُعدّ الهيئة العامة للقوى العاملة برامج تدريبية متخصصة، وتُقدَّم حوافز للقطاع الخاص، يبقى السؤال المحوري قائماً: هل يمكن فعلاً تغيير النظرة التقليدية التي تربط الأمان الوظيفي بالعمل الحكومي وحده؟ وكما دعا عبدالله المهيني إلى تغيير هذه النظرة، مؤكداً أن القطاع الخاص بات يوفر فرصاً مستقرة ومسارات مهنية متقدمة، تقف الكويت اليوم عند مفترق طرق حقيقي: إما أن تستمر في نموذج “الدولة الراعية” التقليدي الذي يثقل كاهل الموازنة العامة ويُبقي 80% من مواطنيها في وظائف حكومية، أو أن تنجح في صياغة عقد اجتماعي جديد يجعل من القطاع الخاص شريكاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد ملحق اقتصادي لها. وفي ظل تقلبات أسعار النفط وضغوط التحول الاقتصادي العالمي، قد لا تكون الكويت بحاجة إلى “إصلاح” سوق عملها فحسب، بل إلى إعادة اختراعه بالكامل. فالكويت اليوم ليست بحاجة إلى قفزة نوعية في سوق العمل وحسب، بل إلى إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين المواطن والدولة والقطاع الخاص. والرهان الأكبر معقود على جيل الشباب الكويتي، المطالَب اليوم بأن يكون أكثر مرونة ومهارة واستعداداً لخوض مغامرة القطاع الخاص. فهل تكون “فخرنا” بالفعل مصدر فخر، أم تظل مجرد “منصة أمل” تنتظر من يحوّلها إلى واقع ملموس؟




