الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية.. فهل يهدد الوظائف والأجور؟
بقلم/ د. محمد الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
- دراسة لأكثر من 80 ألف مستخدم ترصد مفارقة اقتصادية: إنجاز أكبر في وقت أقل، وقلق متزايد بشأن الوظائف وتوزيع المكاسب.
لم يعد السؤال الأهم عن الذكاء الاصطناعي هو ما إذا كان سيغير طبيعة العمل، بل من سيستفيد من هذا التغيير ومن سيتحمل تكلفته. فالأدوات الذكية تختصر وقت إنجاز مهام كثيرة، لكنها تثير مخاوف من استخدامها لتقليص الوظائف وخفض تكاليف العمالة.
تتناول هذه المفارقة دراسة نشرتها شركة «أنثروبيك» في 22 أبريل 2026 بعنوان «ماذا أخبرنا 81 ألف شخص عن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي؟». واستندت إلى إجابات 80,508 من مستخدمي أداة Claude، لرصد تجاربهم ومكاسبهم الإنتاجية ومخاوفهم الاقتصادية.
إنتاجية أعلى.. ولكن لمن؟
بلغ متوسط التقييم الذاتي لمكاسب الإنتاجية 5.1 من 7، ما يعكس تحسنًا لدى المشاركين. ولم تقتصر الفوائد على تسريع المهام المعتادة؛ إذ مكّنت الأدوات بعض المستخدمين من إنجاز أعمال جديدة لم تكن في متناولهم سابقًا. ومن الذين تحدثوا عن مكاسب الإنتاجية، قال 48% إنهم أصبحوا قادرين على إنجاز نطاق أوسع من الأعمال، فيما ركز 40% على سرعة تنفيذ المهام القائمة.
لكن أثر هذه المكاسب يتوقف على توزيعها بين العاملين والشركات والعملاء: هل تخفض المنافسة الأسعار، أم تذهب حصة أكبر إلى الأرباح؟
كفاءة أكبر وقلق متزايد
أعرب نحو خُمس المشاركين عن خشيتهم من فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي. كما ارتبط ارتفاع تعرض المهن لهذه التكنولوجيا بزيادة القلق من الاستغناء عن العاملين. ووفق الدراسة، ارتبطت كل زيادة قدرها عشر نقاط مئوية في مقياس التعرض بارتفاع قدره 1.3 نقطة مئوية في نسبة المشاركين الذين يرون أن وظائفهم مهددة.
ولا يقتصر التحدي على اختفاء بعض المهام، بل يشمل سرعة انتقال العاملين إلى وظائف جديدة.
الشباب وتحديات الدخول إلى سوق العمل
تطرح الدراسة تساؤلات بشأن العاملين في بداية حياتهم المهنية. فمن المشاركين في هذه الفئة الذين حددوا المستفيد من مكاسب الإنتاجية، قال 60% إنهم استفادوا شخصيًا، مقارنة بـ 80% من أصحاب الخبرة الأكبر.
ولكي يستفيد الشباب، ينبغي تحويل فرص الذكاء الاصطناعي إلى وظائف ودخول فعلية.
من يحصل على المكاسب؟
لا تقتصر مكاسب الإنتاجية على أصحاب الدخول المرتفعة؛ فقد أفاد بعض العاملين في الوظائف الأقل أجرًا بفوائد كبيرة، كما سجل العاملون في المهن الأعلى أجرًا مكاسب ملحوظة. لكن توزيع العائد هو الأهم. فإذا زاد إنتاج الموظف وبقي راتبه ثابتًا، بينما ارتفعت أرباح الشركة، ذهب القسم الأكبر من المكسب إلى رأس المال. أما ارتفاع الطلب على مهارات العاملين وأجورهم فيمنحهم حصة أكبر.
وقد تستفيد الأسر من انخفاض أسعار بعض الخدمات، بينما تتعرض دخول العاملين في المهن الأكثر قابلية للأتمتة لضغوط. لذلك يتطلب تقييم الأثر النظر إلى الأجور الحقيقية والأرباح وفرص العمل والأسعار، لا إلى الإنتاجية وحدها.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصادات العربية؟
يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة للاقتصادات العربية لرفع كفاءة المؤسسات وتطوير الإنتاج، لا مجرد سباق تقني. ففي الدول التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة الصادرات غير النفطية، يمكن للتكنولوجيا خفض تكلفة الخدمات المهنية، وتحسين إدارة المخزون وسلاسل الإمداد، ومساعدة الشركات الصغيرة على الوصول إلى أسواق أوسع.
وفي مصر، قد تدعم هذه الأدوات الصناعة والخدمات والتجارة، وتحسن التحليل الاقتصادي والمالي، وتطور المشروعات الصغيرة والمتوسطة. غير أن العائد سيظل محدودًا من دون تعليم وتدريب أفضل، وبنية رقمية مناسبة، وقدرة أكبر للشركات على الاستثمار والتصدير.
أما في الكويت والاقتصادات الخليجية، فتشمل الفرص الخدمات المالية والمصرفية، وإدارة المخاطر، والخدمات الحكومية، والقطاعات غير النفطية. ويتطلب تعظيم العائد ربط الاستثمار التقني بزيادة الإنتاج المحلي وتنمية المهارات، لا الاكتفاء بشراء الأنظمة والإعلان عن المبادرات.
سياسات تواكب التحول
تحتاج الحكومات إلى تنمية المهارات المكملة للذكاء الاصطناعي، وربط التدريب باحتياجات المؤسسات، وتسهيل الانتقال بين الوظائف، ومتابعة أثر التكنولوجيا في الأجور والتوظيف بحسب المهنة والعمر والمهارة. فالحفاظ على كل وظيفة بصورتها الحالية قد لا يكون واقعيًا، لكن ترك التحول لقوى السوق وحدها قد يفاقم تفاوت المكاسب والخسائر.
وعلى الشركات استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير الأعمال وخلق قيمة، لا لخفض عدد الموظفين فحسب. قد يقلل خفض التكاليف النفقات سريعًا، لكن توسيع الأسواق وتحسين المنتجات وتنمية مهارات العاملين قد يحقق عائدًا أكثر استدامة.
وتُقرأ الدراسة بحذر: فالمشاركون مستخدمو Claude الذين اختاروا الإجابة، ولا يمثلون بالضرورة جميع العاملين. كما استُنتجت بعض المواقف من إجابات مفتوحة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. لذلك تقدم النتائج مؤشرات على تجارب المستخدمين ومخاوفهم، لكنها لا تثبت عدد الوظائف التي ستختفي أو مقدار زيادة الإنتاجية في الاقتصاد كله.
الخلاصة
قد يزيد الذكاء الاصطناعي ما ينتجه العامل في الساعة، لكن ذلك لا يرفع الأجور أو يحسن المعيشة تلقائيًا. فالنتيجة تعتمد على قدرة الاقتصاد على خلق أنشطة جديدة، والمنافسة، وطبيعة سوق العمل، ونصيب العاملين من المكاسب.
التحدي ليس إنتاج المزيد فحسب، بل تحويل الإنتاجية إلى نمو أوسع ووظائف أفضل ودخول مستدامة وتوزيع أكثر إنصافًا للثروة. فمستقبل الاقتصاد لا تحدده ملكية التكنولوجيا وحدها، بل كيفية توزيع العائد الذي تحققه.
المصدر: دراسة Anthropic، What 81,000 people told us about the economics of AI، 22 أبريل 2026.



