
الأسواق المالية تتقاطع وتتشابك مع الكثير من المؤثرات، وتتحكم فيها في محطات عديدة عوامل نفسية، وقد تكون أثارها أبلغ من الأرقام التي يفترض أنها الأساس في اتخاذ القرار، مع العلم أن أسواق الأسهم تتسم بحساسية مفرطة يكاد يؤثر فيها ما يقع في الشرق والغرب، سواء بعيد أو قريب، ولا مفر من ردة الفعل ثم الارتداد بعد أن يهدأ “الغبار”، وفقاً للقاعدة الدارجة “ما تدري شيصير”، وهذه الحسابات غير المالية وغير الاقتصادية تأكل الكثير من الأرقام في طريقها.
لكن بنظرة على مسار جلسة ختام الأسبوع أمس، والتي جاءت امتداداً لموجة النزول والتراجع، تلاحظ أن السوق صحح اتجاهه ضمنياً، وقلص من الخسائر الافتتاحية مع نهاية الإغلاق بنسبة 64.545%، حيث هبط المؤشر العام في أحد أبز محطات التراجع نحو 110 نقطة نزولاً، ثم أغلق في الختام عند 39.19%، ما يعني أن السوق قلص الخسائر بنحو71 نقطة تقريباً، ما يمكن معه الإشارة إلى جملة ملاحظات ونقاط تمثل جزء أساسي من “علة” السوق وأسباب الضغط المبالغ فيه في بعض الفترات، ومن أبرزها ما يلي:
– الرغبة المستمرة في الصعود وعدم تحمل نتائج القرارات السابقة، والتخلي عن القناعات بسرعة، وعدم احتساب المخاطر بدقة عند اتخاذ قرار الشراء بدقة.
– النظرة المستمرة للسوق على أنه ميدان مضمون للربح وبهوامش عالية ومضاعفة وخلال وقت قصير وسريع، بالمقارنة بأي سلعة أو فرصة كانت.
– النظرة الاستثمارية قصيرة الأجل التي تتلازم مع سوء الاختيار لأسهم لا تملك رؤية ولا مشروع ولا إدرة ناجحة ولا تحقق أرباح ولم تمنح مساهميها توزيعات، ومع ذلك يتم انتظار تحقيق مكاسب في أجواء جيوسياسية استثنائية تتطلب جودة أسهم محددة من نوعية الأسهم التي تمثل عصب السوق وتشكل أساس ومدخل عند قرارات الاستثمار في أوقات الهبوط.
– المبالغات في ردة الفعل والسير مع الركب من دون تقييم دقيق لواقع عام وخاص، وسيادة السلوك الجماعي المتأثر بقرارات آخرين.
– الدخول العشوائي في بعض المراكز الاستثمارية دون هدف سوى شراء لمجرد مستوى السعر وانتظار التحرك، من دون إحاطة أو معرفة بما إذا كانت لدى هذه الشركة محركات أساساً أم لا.
– التدافع المبالغ فيه عند بعض المحطات والمراحل التصحيحية أو الموازية لأي تطورات، والذي يطال أسهم قيادية وممتازة يرهق أًصحاب السيولة، ويرفع تكلفة ممارسة دور صانع سوق أو ممارسة حق الشراء أو زيادة المركز الاستثماري، خصوصاً وأن السلوك والممارسة المُتبعة معروفة سلفاً، وهو ارتفاع موجة البيع كلما تم الشراء سواء من المعروض أو تم الطلب، وبالتالي النزيف سيستمر، والسيولة ستغرق في بحر العروض، وستتضاعف الخسائر.
– سوء تقدير وافتقاد لتقييم حقيقي للواقع الاقتصادي والقوة المالية للدولة وبصمات الحكومة ومستوى اهتمامها الكبير بالملف الاقتصادي بوتيرة غير مسبوقة منذ عقود، وكذلك ملاءة الكيانات الملاذ وجودة أصولها وتنوع مصادر إيرادتها، حيث أن رسائل من أعلن عن أرباح نامية في هذه الظروف هي أبلغ رسالة على القدرة والكفاءة التي تعكسها المرونة التشغيلية وجودة مصادر الأرباح والفرص.
– ليس المطلوب أن يبقى السوق المالي في اتجاه واحد على مدار العام، فالبورصات تأخذ منحنيات صعود واستقرار وتصحيح وتراجع، وكل مرحلة تؤثر فيها بعض المعطيات والملفات، وجميعها مرحلية، حيث لا توجد مؤثرات ثابتة ومستمرة بشكل أبدي، وعليه فإن فهم ميكانيكية السوق أساسية.
– سيادة القرارات الاستثمارية قصيرة الأجل، وطغيانها على القرارات الاستثمارية طويلة الأجل القائمة أساساً على أهداف تحقيق هوامش ربح معقول ومجزية من توزيعات أو من متغيرات سعرية، أيهما أسبق وأفضل ربحاً، لكن ليس وفق قاعدة الدخول صباحاً عند الافتتاح وجني الأرباح قبل الإغلاق.
– انقلاب في الثوابت والقواعد الأساسية، حيث يحقق سهم ربحاً قياسياً بمئات الملايين لكنه يتراجع، وآخر خاسر لكنه يرتفع، في صورة خارجة عن المنطق والمألوف وكل القواعد الحسابية والدراسات التقييمية، في واقع يعكس أن سعر السهم في بعض المحطات والمراحل هو انعكاس لتوقعات المستثمرين والمشاعر تجاه الشركة وحالتها المستقبلية، وليس فقط نتائجها المالية الحالية. لهذا، من الممكن أن ترى الأسهم تحقق أرباحاً كبيرة ولكن سعرها ينخفض، وأخرى تخسر لكن سعرها يرتفع بناءً على النظرة المستقبلية للسوق أو لأسباب مضاربية وهي معادلة تكشف خللاً ما في عمق التقييم.
مجدداً وتأكيداً على حركة السوق، هناك تحركات انتقائية ذكية وشراء مؤسسي مستمر ولم يتوقف، ولولا تلك التحركات لتضاعف انزلاق السوق بخسائر أكبر من الحالية، فيما يأتي قرار أحد البنوك المحلية أمس بتجديد تسهيلات بقيمة 200 مليون دولار لصالح شركة واحدة تأكيداً على نظرة البنوك الإيجابية والمتفائلة التي أشارت إليها “الاقتصادية” أمس.



