من «مجرد اتصال» إلى «ذكاء سيادي»: كيف تتسابق دول الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا نحو «مصانع الذكاء الاصطناعي»؟
الجزء الثاني (2/3): البُعد الإقليمي
بقلم – م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة ومستشار الذكاء الاصطناعي
مقدمة: من المنافسة المحلية إلى السباق الإقليمي
في الجزء الأول من هذه السلسلة، شخّصنا الواقع المحلي لقطاع الاتصالات في دولة الكويت وفرص التحول نحو «الذكاء السيادي». اليوم، نوسّع العدسة لنرصد مشهداً إقليمياً بالغ التعقيد والإثارة: سباق محموم بين دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للسيطرة على ما بات يُعرف بـ«مصانع الذكاء الاصطناعي» (AI Factories) .
المفهوم الجديد هنا يتجاوز مراكز البيانات التقليدية؛ إذ تتحول هذه المنشآت إلى منظومات حوسبة فائقة (Supercomputing) قادرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي محلياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على البنى التحتية الأمريكية أو الصينية. هذا التوجه ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة جيوسياسية في عصر أصبحت فيه البيانات «النفط الجديد» والرقائق الإلكترونية «سلاحاً استراتيجياً».
أولاً: دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) – قيادة إقليمية بلا منازع
الإمارات العربية المتحدة: «العاصمة الإقليمية» للذكاء الاصطناعي
تتصدر الإمارات المشهد الإقليمي بفارق واضح، حيث تحولت أبوظبي تحديداً إلى مركز ثقل عالمي لا إقليمي فحسب. أبرز المحطات في هذا السباق تتمثل في إطلاق صندوق «MGX» الاستثماري برأسمال يتجاوز 100 مليار دولار، موجّه حصرياً لتمويل البنى التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. كما تُعد مجموعة «G42» الإماراتية اللاعب الإقليمي الأبرز في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، مستفيدةً من شراكات استراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا مثل «مايكروسوفت» و«إنفيديا».
ما يميز النموذج الإماراتي هو الربط الوثيق بين قطاع الاتصالات وأجندة الذكاء الاصطناعي الوطنية. شركة «اتصالات من e&» لم تعد مجرد مشغّل، بل تحولت إلى «مجموعة تكنولوجية» تدير مراكز بيانات ضخمة وتقدم حلول الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للقطاعين العام والخاص في المنطقة.
المملكة العربية السعودية: طموحات «رؤية 2030» الرقمية
لا تقل الطموحات السعودية عن نظيرتها الإماراتية، وإن اختلفت الاستراتيجية. المملكة تراهن على الحجم والضخامة، مستفيدةً من سوقها الأكبر خليجياً وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. مشروع «نيوم» يتضمن خططاً لإنشاء أكبر مجمع لمراكز البيانات في المنطقة، فيما تستثمر شركة «stc» بكثافة في تحويل شبكاتها إلى «شبكات ذكية» قادرة على دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي.
اللافت أن السعودية تتبنى نهج «الشراكات الضخمة» (Mega Partnerships)، حيث أُعلن عن استثمارات مشتركة مع شركات أمريكية كبرى في قطاع الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات، مما يعكس رغبة في بناء قدرات تصنيعية وليس مجرد استيراد الحلول الجاهزة.
قطر والبحرين والكويت وعُمان: استراتيجيات متباينة
تتنوع مقاربات بقية دول المجلس بحسب حجم السوق والأولويات الوطنية. قطر تستثمر في البنى التحتية الذكية استعداداً لمرحلة ما بعد كأس العالم، مع تركيز خاص على تطبيقات المدن الذكية. البحرين تسعى للتموضع كمركز إقليمي للتكنولوجيا المالية (FinTech) المدعومة بالذكاء الاصطناعي. أما سلطنة عُمان، فتركز على التحول الرقمي الحكومي ضمن «رؤية عُمان 2040».
الكويت – كما أوضحنا في الجزء الأول – تمتلك بنية تحتية متقدمة لكنها تحتاج لتسريع وتيرة التكامل بين قطاع الاتصالات والأجندة الحكومية الرقمية لمواكبة الجيران.
ثانياً: الشرق الأوسط الموسّع – مصر والأردن ولبنان والعراق
مصر: العملاق النائم يستيقظ
تمثل مصر حالة فريدة في المنطقة: سوق ضخم يتجاوز 100 مليون نسمة، وكوادر بشرية متميزة في قطاع التكنولوجيا، لكن مع تحديات اقتصادية تُبطئ وتيرة الاستثمار في البنى التحتية المتقدمة. ومع ذلك، بدأت ملامح تحرك جدي، حيث أُطلقت مبادرات لإنشاء مراكز بيانات ضخمة بالشراكة مع مستثمرين خليجيين وآسيويين، فيما تعمل شركات الاتصالات الكبرى على تحديث شبكاتها لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
التحدي المصري الأبرز هو تحويل «الوفرة البشرية» إلى ميزة تنافسية، عبر برامج تأهيل مكثفة لخريجي الهندسة والحاسوب في تخصصات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
الأردن ولبنان: جزر الابتكار في بحر التحديات
رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يحتفظ البلدان بميزة نسبية في الكوادر التقنية المتخصصة. الأردن تحديداً يُصدّر الكفاءات إلى دول الخليج، وهو ما يمثل فرصة وتحدياً في آنٍ واحد. الفرصة تكمن في إمكانية التحول إلى مركز إقليمي لخدمات البرمجة والتطوير، والتحدي هو وقف نزيف العقول نحو الأسواق الأكثر جاذبية.
العراق: سوق واعد يحتاج لاستقرار
السوق العراقي يمثل فرصة استثمارية ضخمة نظراً لحجمه السكاني والحاجة الماسة لإعادة بناء البنية التحتية. عدة شركات خليجية بدأت بالفعل في استكشاف الفرص، لكن الاستثمارات الكبرى تنتظر مزيداً من الاستقرار التنظيمي والأمني.
ثالثاً: القارة الأفريقية – الحدود الجديدة
شمال أفريقيا: المغرب في الصدارة
يبرز المغرب كلاعب إقليمي صاعد في قطاع التكنولوجيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي كجسر بين أوروبا وأفريقيا، ومن استقراره السياسي والاقتصادي النسبي. المملكة المغربية نجحت في استقطاب استثمارات أوروبية وأمريكية في قطاع الخدمات الرقمية، وتعمل على تطوير بنيتها التحتية لتصبح مركزاً لمراكز البيانات التي تخدم غرب أفريقيا وجنوب أوروبا.
أفريقيا جنوب الصحراء: الفرصة الديموغرافية
القارة الأفريقية تمثل أكبر فرصة نمو غير مستغلة عالمياً في قطاع الاتصالات الرقمية. مع تعداد سكاني شاب ومتزايد، ومعدلات انتشار إنترنت لا تزال منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية، الفرصة هائلة. شركات الاتصالات الخليجية – خاصة الإماراتية والسعودية – بدأت في التوسع أفريقياً، ليس فقط كمشغلين تقليديين، بل كمزودين لحلول الدفع الإلكتروني والخدمات المالية الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
رابعاً: «مصانع الذكاء الاصطناعي» – السباق نحو السيادة الحوسبية
ما يميز المرحلة الحالية هو التحول من «استهلاك» تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى «إنتاجها» محلياً. مفهوم «AI Factories» أو مصانع الذكاء الاصطناعي يشير إلى منشآت حوسبة فائقة القدرة مصممة خصيصاً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة (Large Language Models) ومعالجة البيانات الهائلة.
الإمارات والسعودية تتصدران هذا السباق إقليمياً، مع إعلانات متتالية عن مشاريع بمليارات الدولارات لبناء هذه المنشآت. الهدف الاستراتيجي واضح: امتلاك القدرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي «محلية» تفهم اللغة العربية ولهجاتها، وتراعي الخصوصيات الثقافية، وتخضع للسيادة الوطنية – بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج «ChatGPT» الأمريكية أو البدائل الصينية.
خامساً: التكامل أم التنافس؟ معادلة صعبة
السؤال المحوري: هل ستتنافس دول المنطقة في سباق استنزافي، أم ستجد صيغة للتكامل؟
الواقع يشير إلى مزيج من الاثنين. على مستوى البنى التحتية، هناك تنافس واضح لاستقطاب الاستثمارات والشراكات العالمية. لكن على مستوى الكوادر البشرية والمعرفة، هناك حركة تنقل مكثفة للخبرات داخل المنطقة تمثل شكلاً من التكامل غير الرسمي.
الفرصة الذهبية تكمن في إنشاء «سوق رقمية خليجية موحدة» تتيح تدفق البيانات والخدمات بين دول المجلس، مما يخلق سوقاً بحجم كافٍ لتبرير الاستثمارات الضخمة في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي.
توصيات استراتيجية للمستوى الإقليمي
التنسيق التنظيمي الخليجي: الحاجة ماسة لإطار تنظيمي موحد أو متوافق لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي على مستوى دول المجلس، يسهّل التبادل البيني ويعزز القدرة التفاوضية مع الشركات العالمية.
صندوق استثماري مشترك: إنشاء صندوق خليجي متخصص في الاستثمار في الشركات الناشئة والبنى التحتية للذكاء الاصطناعي، على غرار صناديق الثروة السيادية لكن بتركيز تقني بحت.
أكاديمية إقليمية للذكاء الاصطناعي: تأسيس مؤسسة تعليمية وبحثية مشتركة لتخريج الكوادر المتخصصة وسد الفجوة الحادة في المواهب المحلية.
الانفتاح الاستراتيجي على أفريقيا: النظر للقارة الأفريقية كامتداد طبيعي للسوق الخليجي، مع استثمارات مدروسة في البنى التحتية الرقمية تخدم مصالح الطرفين.
خاتمة: نافذة الفرصة لن تبقى مفتوحة طويلاً
المشهد الإقليمي اليوم يعكس حراكاً غير مسبوق في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا. دول الخليج تحديداً تمتلك فرصة تاريخية للتحول من «مستهلك» للتكنولوجيا إلى «منتج» لها، أو على الأقل «شريك استراتيجي» في إنتاجها. لكن نافذة الفرصة هذه لن تبقى مفتوحة للأبد، فالسباق العالمي على السيادة في الذكاء الاصطناعي يتسارع، والمتأخرون سيجدون أنفسهم – مرة أخرى – في موقع التابع.
في الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة، سنوسّع العدسة أكثر لنرصد التجارب العالمية الرائدة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، ونستخلص الدروس التي يمكن للمنطقة الاستفادة منها في مسيرة التحول نحو «الذكاء السيادي».
المراجع والمصادر الرئيسية:
- تقارير صندوق MGX الإماراتي: البيانات الخاصة بالاستثمارات في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في المنطقة.
- استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031: الأهداف والمبادرات الوطنية لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي.
- رؤية السعودية 2030 – الملف الرقمي: المحاور المتعلقة بالتحول الرقمي واستثمارات قطاع الاتصالات والتقنية.
- GSMA Intelligence – تقارير MENA: البيانات الإقليمية حول انتشار شبكات الجيل الخامس والاستثمارات في البنى التحتية الرقمية.
- تقارير البنك الدولي – الاقتصاد الرقمي في أفريقيا: الفرص والتحديات في القارة الأفريقية.
- التقارير السنوية لمجموعات e& وstc وOoredoo: الاستراتيجيات الإقليمية والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
حول الكاتب:
- م. محمد عباس : مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا.

