تكنولوجيا

من “مجرد اتصال” إلى “ذكاء سيادي”: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح قطاع الاتصالات في الكويت؟ (1/3)

 

بقلم / م. محمد عباس

مسؤل إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة ومستشار الذكاء الاصطناعي

moh148@gmail.com

تمر صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عالمياً بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، ولم تعد دولة الكويت بمنأى عن هذا “التسونامي الرقمي”. نحن نشهد تحولاً جذرياً ينتقل فيه هذا القطاع الحيوي من نموذج “شركات الاتصالات” (Telcos)  التقليدية إلى نموذج “شركات التكنولوجيا” (TechCos)  المحرك الرئيسي لهذا التحول ليس زيادة سرعة الإنترنت فحسب، بل هو دمج “الذكاء الاصطناعي” (AI) في كل مفاصل البنية التحتية والخدمات.

ومن أجل فهم أعمق لهذا التحول وتأثيراته المتشعبة، نخصص هذه السلسلة من المقالات التحليلية المكونة من ثلاثة أجزاء لتفكيك المشهد:

* الجزء الأول (هذا المقال): نركز فيه محلياً على دولة الكويت، لنشخص الواقع الحالي، والتحديات، والفرص المتاحة أمام القطاع الحكومي والخاص.

* الجزء الثاني: سننتقل فيه إلى البعد الإقليمي، مسلطين الضوء على التطورات المتسارعة في دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكيف تتنافس وتتكامل دول المنطقة في هذا المجال.

* الجزء الثالث: سنختتم السلسلة بالبعد الدولي، لاستقراء التجارب العالمية الرائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، واستخلاص الدروس المستفادة التي يمكن تطبيقها محلياً.

في مقالنا الأول اليوم، نبدأ من الداخل، حيث تسعى الكويت جاهدة لتحقيق رؤية 2035 وتعزيز موقعها في المؤشرات الدولية، وتحديداً مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية (UN EGDI). فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي في قطاع الاتصالات أن يكون الرافعة الحقيقية لأداء الحكومة، والشركات، والأفراد في الكويت؟

الوضع الراهن محلياً: من البنية التحتية إلى “السيادة الرقمية

تمتلك الكويت بنية تحتية للاتصالات تصنف ضمن فئة “مرتفع جداً” عالمياً، بفضل الانتشار الواسع للألياف الضوئية وشبكات الجيل الخامس (5G) المتطورة. ولكن، التحدي اليوم لم يعد يكمن في “مد الكابلات” بل في “معالجة البيانات”.

المشغلون في السوق المحلي بدأوا بالفعل في ضخ استثمارات ضخمة للتحول نحو ما يسمى بـ الذكاء الاصطناعي السيادي” (Sovereign AI). المفهوم هنا بسيط ولكنه استراتيجي: بدلاً من الاعتماد على سحابات إلكترونية ومعالجات بيانات موجودة في الخارج لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتم حالياً بناء مراكز بيانات محلية فائقة القدرة داخل الكويت. هذا التوجه يضمن أن البيانات الحساسة – سواء كانت حكومية أو تجارية – تتم معالجتها وتخزينها داخل الحدود الجغرافية للدولة، مما يتوافق مع متطلبات الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات (CITRA)  ويعزز الأمن القومي السيبراني.

القيمة المضافة: كيف يخدم الذكاء الاصطناعي أركان الدولة؟

أولاً: الأثر على القطاع الحكومي والمؤشرات الدولية
تشير البيانات إلى وجود فجوة بين جودة البنية التحتية للاتصالات في الكويت (التي تعتبر ممتازة) وبين جودة الخدمات الإلكترونية الحكومية وتكاملها. هنا يأتي دور قطاع الاتصالات كشريك استراتيجي “ممكن” (Enabler) وليس مجرد مزود خدمة.
من خلال تبني “السحابة السيادية” المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يمكن للحكومة استضافة خدماتها الحساسة في مراكز بيانات المشغلين المحليين. هذا لا يرفع فقط من معايير الأمن السيبراني، بل يمكن الحكومة من استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الضخمة (Big Data) للتنبؤ بالأزمات، مثل الازدحام المروري، أو استهلاك الطاقة والمياه، أو حتى التنبؤ بالاحتياجات الصحية، مما يرفع تلقائياً من تصنيف الكويت في مؤشر الخدمات الإلكترونية (OSI) ومؤشر المشاركة الإلكترونية.

ثانياً: ديمقراطية الذكاء الاصطناعي لقطاع الأعمال والشركات الصغيرة (SMEs)
في السابق، كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي حكراً على البنوك والشركات الكبرى القادرة على شراء خوادم باهظة الثمن. اليوم، التوجه الاستراتيجي لمزودي الخدمة في الكويت هو تقديم الذكاء الاصطناعي كخدمة” (AI-as-a-Service).
هذا يعني أن صاحب المشروع الصغير في الكويت لم يعد مضطراً لشراء التكنولوجيا، بل يمكنه “استئجار” أدوات ذكاء اصطناعي من شركة الاتصالات ضمن باقة اشتراكه الشهري. تخيل أن يحصل صاحب مشروع منزلي على “مساعد رقمي” يدير المخزون ويرد على العملاء آلياً بلهجة كويتية مفهومة، كل ذلك عبر السحابة المحلية لشركة الاتصالات. هذا هو التمكين الحقيقي الذي سيحرك عجلة الاقتصاد غير النفطي ويعزز تنافسية المبادرين الكويتيين.

ثالثاً: المستخدم النهائي.. جودة تجربة تتجاوز السرعة
بالنسبة للمواطن والمقيم، القيمة المضافة تتجاوز سرعة التنزيل.

الذكاء الاصطناعي ينقل الشبكات من مرحلة “الصيانة التفاعلية” (إصلاح العطل بعد حدوثه) إلى الشبكات ذاتية الإصلاح” (Self-Healing Networks).

الخوارزميات الآن تراقب الشبكة وتتنبأ بالأعطال قبل وقوعها، وتقوم بتحويل مسار البيانات لتفادي الانقطاع، خصوصاً في أوقات الذروة والأعياد الوطنية. إضافة إلى ذلك، سنشهد طفرة في خدمة العملاء عبر مساعدين افتراضيين قادرين على فهم اللهجة المحلية وحل المشاكل المعقدة دون الحاجة لانتظار موظف بشري.

توصيات استراتيجية للقطاع المحلي

بناءً على المعطيات الحالية، ومن أجل تعظيم الاستفادة من هذه الثورة التقنية داخل الكويت، نضع التوصيات التالية أمام صناع القرار في شركات الاتصالات والجهات الحكومية:

1- تبني نموذج “المستأجر الرئيسي” (Anchor Tenant): يجب أن تتكامل شركات الاتصالات مع القطاع الحكومي، بحيث تكون مراكز بيانات المشغلين هي الحاضنة الآمنة للخدمات الحكومية الذكية، مما يوفر المال العام ويسرع التحول الرقمي.

2- توطين المعرفة (Human Capital): البنية التحتية (الرقائق والخوادم) يمكن شراؤها، لكن العقول التي تديرها يجب بناؤها. التحدي الأكبر محلياً هو ندرة الكوادر الوطنية المتخصصة في هندسة الذكاء الاصطناعي. يجب على شركات الاتصالات إطلاق “أكاديميات ذكاء اصطناعي” بالتعاون مع الجامعات المحلية لتخريج جيل كويتي من “مهندسي البيانات” القادرين على قيادة هذا التحول.

3- تصميم حزم “SME” ذكية: على المشغلين توفير باقات مخصصة للمشاريع الصغيرة تتضمن أدوات ذكاء اصطناعي مبسطة وسهلة الاستخدام بأسعار تنافسية لتعزيز بيئة ريادة الأعمال.

خاتمة
إن قطاع الاتصالات في الكويت يقف اليوم أمام فرصة تاريخية. لم يعد التنافس يدور حول من يملك أسرع شبكة، بل حول من يملك “أذكى” شبكة قادرة على معالجة البيانات محلياً. إن النجاح في هذا التحول سينعكس مباشرة على رفع تصنيف دولة الكويت عالمياً وتحسين جودة الحياة الرقمية. في المقال القادم، سنوسع العدسة لنرى كيف يتعامل جيراننا في الخليج والمنطقة مع هذا الملف، وهل نحن متقدمون أم نحتاج للحاق بالركب؟

 

المراجع والمصادر الرئيسية:

  1. تقرير الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية (UN E-Government Survey): البيانات الخاصة بتصنيف دولة الكويت في مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية (EGDI)، ومؤشرات البنية التحتية للاتصالات (TII) والخدمات عبر الإنترنت (OSI).
  2. الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات (CITRA): الإطار التنظيمي للحوسبة السحابية في دولة الكويت، وسياسات تصنيف وحماية البيانات التي تؤسس لمفهوم “السيادة الرقمية”.
  3. رؤية “كويت جديدة” (New Kuwait 2035): الوثائق الاستراتيجية المتعلقة بركيزة “بنية تحتية متطورة” وخطط التحول الرقمي الوطني.
  4. رابطة مشغلي الهواتف النقالة عالمياً (GSMA Intelligence): التقارير والدراسات الحديثة حول تحول شركات الاتصالات إلى شركات تكنولوجيا (TechCos) ودور الذكاء الاصطناعي في شبكات الجيل الخامس (5G Advanced).
  5. التقارير السنوية لقطاع الاتصالات الكويتي (2024-2025): بيانات التحول الرقمي، ومبادرات مراكز البيانات، وحلول قطاع الأعمال المعلنة من قبل المشغلين المحليين.

حول الكاتب:

م. محمد عباس : مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى