كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث نقلة نوعية في وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت؟
من «الشبكات التقليدية» إلى «المرافق الذكية»:
الجزء الأول: البُعد المحلي — تقييم الواقع واستشراف المستقبل (1/3)
بقلم — م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة
ومستشار الذكاء الاصطناعي
مقدمة: قطاع حيوي أمام تحوّل تاريخي
تُعدّ وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في دولة الكويت (MEW) من أكبر المؤسسات الحكومية وأكثرها أهمية استراتيجية، إذ تتحمل مسؤولية توفير خدمتين لا غنى عنهما لكل مواطن ومقيم: الكهرباء والماء. في بلد تتجاوز فيه درجات الحرارة صيفاً 50 درجة مئوية، وتعتمد فيه تحلية مياه البحر كمصدر رئيسي للمياه العذبة، فإن كفاءة هذا القطاع ليست ترفاً تقنياً، بل ضرورة وجودية.

تأسست الوزارة في مراحل مبكرة من تاريخ الكويت الحديث، وشهدت توسعات هائلة واكبت النمو السكاني والعمراني المتسارع. واليوم، تُشغّل الوزارة منظومة ضخمة تشمل محطات توليد الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، وشبكات نقل وتوزيع تمتد عبر كامل مساحة البلاد. إلا أن التحديات المتراكمة من ارتفاع الطلب، وتقادم بعض البنى التحتية، والاعتماد شبه الكلي على الوقود الأحفوري، تفرض ضرورة التحول نحو نماذج تشغيلية أكثر ذكاءً وكفاءة.
في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كرافعة استراتيجية قادرة على إعادة تعريف طريقة إدارة قطاع الكهرباء والماء، من التوليد إلى التوزيع، ومن الصيانة إلى خدمة المشتركين. ومن أجل فهم أعمق لهذا الملف وتأثيراته المتشعبة، نخصص هذه السلسلة من المقالات التحليلية المكونة من ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول (هذا المقال): نركز فيه محلياً على وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت، لتقييم الوضع الراهن للبنية التحتية، واستعراض الفرص المتاحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي.
الجزء الثاني: سننتقل فيه إلى البُعد الإقليمي، لرصد تجارب قطاعات الكهرباء والماء في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية في تبني التقنيات الحديثة.
الجزء الثالث: سنختتم السلسلة بالبُعد الدولي، لاستقراء أفضل الممارسات العالمية ودراسات الحالة الرائدة واستخلاص الدروس المستفادة.
الوضع الراهن: قراءة في البنية التحتية والقدرات
أولاً: شبكة الكهرباء — أرقام ومؤشرات
تُشغّل الكويت منظومة كهربائية ضخمة نسبةً إلى حجمها الجغرافي والسكاني. تبلغ القدرة المُركّبة لتوليد الكهرباء نحو 20,000 ميغاواط (MW) موزعة على عدد من محطات التوليد الرئيسية، أبرزها محطات الدوحة الغربية، والدوحة الشرقية، والزور الجنوبية، والصبية، والشعيبة. وتُسجّل أحمال الذروة الصيفية مستويات تتجاوز 15,000 ميغاواط في السنوات الأخيرة، مع توقعات بارتفاعها المستمر نتيجة النمو العمراني وزيادة الطلب على أنظمة التبريد.
شبكة النقل الكهربائي تعمل عبر جهود مختلفة تشمل خطوط 400 كيلوفولت و300 كيلوفولت و132 كيلوفولت، وتربط محطات التوليد بمحطات التحويل الفرعية المنتشرة في جميع محافظات الكويت. أما شبكة التوزيع فتمتد عبر آلاف الكيلومترات من الكابلات الأرضية والخطوط الهوائية لتوصيل الكهرباء إلى أكثر من 500,000 مشترك.
من التحديات الجوهرية التي تواجه شبكة الكهرباء الكويتية تقادم بعض المحطات التي مضى على تشغيلها عقود، وارتفاع نسبة الفاقد الكهربائي في بعض أجزاء شبكة التوزيع، فضلاً عن الاعتماد شبه الكامل على الغاز الطبيعي والوقود السائل في التوليد. كما أن الطلب المتزايد يفرض ضغوطاً مستمرة على الوزارة لتوسيع القدرات التوليدية وتحديث الشبكات.
ثانياً: شبكة المياه — منظومة التحلية والتوزيع
الكويت من أكثر دول العالم شُحّاً في الموارد المائية الطبيعية، مما يجعلها تعتمد بنسبة تتجاوز 90% على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها من المياه العذبة. تبلغ الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية نحو 700 مليون غالون إمبراطوري يومياً (MIGD)، وتُعدّ الكويت من أعلى دول العالم في معدل استهلاك الفرد للمياه يومياً.
شبكة توزيع المياه تشمل محطات ضخ رئيسية وفرعية، وخزانات استراتيجية وعالية موزعة جغرافياً، وشبكة أنابيب تمتد لآلاف الكيلومترات. وتواجه هذه الشبكة تحديات مشابهة لشبكة الكهرباء، من حيث تقادم بعض الأنابيب التي تعود لعقود سابقة، وارتفاع نسبة الفاقد المائي الناتج عن التسربات، والحاجة المستمرة لتوسيع الشبكة لخدمة المناطق السكنية الجديدة.
ثالثاً: البنية التحتية الرقمية والاتصالات
على صعيد البنية التحتية للاتصالات، تمتلك الكويت شبكة ألياف ضوئية (Fiber Optic) متطورة نسبياً تخدم القطاع السكني والتجاري، وقد استثمرت الدولة بشكل ملحوظ في توسيع هذه الشبكة خلال السنوات الأخيرة. تُعدّ هذه البنية الرقمية ركيزة أساسية لأي تحول ذكي في قطاع المرافق، إذ تُتيح نقل البيانات الضخمة من العدادات الذكية وأجهزة الاستشعار في الوقت الفعلي.
إلا أن مستوى الرقمنة داخل الوزارة ذاتها يتفاوت بين القطاعات. فبينما شهدت بعض العمليات التشغيلية تحديثاً ملموساً عبر نظام SCADA (نظام التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات) لمراقبة الشبكة الكهربائية، وأنظمة GIS (نظم المعلومات الجغرافية) لإدارة الأصول، لا تزال فرص كبيرة قائمة لتعميق التحول الرقمي ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات التشغيلية اليومية.
على صعيد خدمة المشتركين، أطلقت الوزارة تطبيقاً إلكترونياً وبوابة رقمية تُتيح للمواطنين والمقيمين الاطلاع على استهلاكهم وسداد الفواتير وتقديم بعض الطلبات إلكترونياً. إلا أن هذه الخدمات لا تزال في مراحلها الأولى مقارنة بما تُقدمه مرافق الكهرباء والماء في بعض الدول المتقدمة من حيث التخصيص الذكي والتفاعل التنبؤي مع المشترك.
الذكاء الاصطناعي: الرافعة الاستراتيجية لقطاع المرافق
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم وزارة الكهرباء والماء ومكوناتها؟
أولاً: إدارة الشبكة الذكية (Smart Grid Management)
إدارة الشبكة الكهربائية هي جوهر عمل أي مرفق كهربائي، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في هذا المجال. خوارزميات التعلم الآلي قادرة على التنبؤ بأحمال الذروة بدقة عالية، مما يُتيح للوزارة تحسين توزيع الأحمال بين محطات التوليد وتقليل الهدر في الوقود. كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين إدارة الجهد والتردد عبر الشبكة في الوقت الفعلي، ورصد نقاط الضعف والاختناقات قبل أن تتحول إلى أعطال فعلية.
أنظمة إدارة الشبكة الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُوظّف بيانات ملايين نقاط الاستشعار المنتشرة عبر الشبكة لبناء صورة شاملة ولحظية عن حالة المنظومة بأكملها، وهو ما يتجاوز بمراحل قدرات أنظمة SCADA التقليدية. هذا التحول يُعدّ ذا أهمية قصوى لبلد كالكويت حيث يُشكّل التكييف أكثر من 70% من الحمل الكهربائي صيفاً، مما يجعل التنبؤ الدقيق بالطلب وإدارته ذكياً أمراً بالغ الأهمية.
ثانياً: الصيانة التنبؤية والتوأم الرقمي (Predictive Maintenance & Digital Twin)
تُعدّ الصيانة التنبؤية من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي نضجاً وأثراً في قطاع المرافق عالمياً. بدلاً من الاعتماد على جداول صيانة دورية ثابتة أو الانتظار حتى حدوث العطل، تُحلّل خوارزميات التعلم الآلي بيانات أجهزة الاستشعار المُثبّتة على التوربينات والمحولات والمضخات وخطوط الأنابيب للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها بأسابيع أو أشهر.
تقنية «التوأم الرقمي» (Digital Twin) تأخذ هذا المفهوم إلى مستوى أعلى، حيث يتم بناء نسخة رقمية طبق الأصل من المحطة أو الشبكة بأكملها، تعمل بالتوازي مع المنظومة الحقيقية وتُحاكيها في الوقت الفعلي. هذا التوأم الرقمي يُتيح للمهندسين اختبار سيناريوهات مختلفة، ومحاكاة تأثير الأعطال قبل حدوثها، وتحسين خطط الصيانة بشكل علمي مدعوم بالبيانات.
في سياق الكويت، حيث تعمل المحطات تحت ظروف تشغيلية قاسية بسبب الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية والأحمال الكبيرة، فإن الصيانة التنبؤية يمكن أن تُوفر مئات الملايين من الدولارات سنوياً عبر تقليل الأعطال غير المخططة وإطالة العمر الافتراضي للمعدات وتحسين كفاءة استهلاك الوقود.
ثالثاً: تحسين كفاءة تحلية المياه
تحلية مياه البحر عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وأي تحسين ولو بنسبة صغيرة في كفاءتها ينعكس في وفورات مالية وبيئية ضخمة. خوارزميات الذكاء الاصطناعي يمكنها تحسين معايير التشغيل لمحطات التحلية في الوقت الفعلي، من ضبط درجات الحرارة والضغط إلى تحسين معدلات استرداد المياه وتقليل استهلاك الطاقة والكيماويات.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بجودة مياه البحر المُغذية (درجة الملوحة، ودرجة الحرارة، ونسبة العوالق) وتعديل معايير التشغيل تلقائياً وفقاً لذلك، مما يُحسّن كفاءة الإنتاج ويُقلّل الإجهاد على الأغشية والمعدات.
رابعاً: كشف التسربات وتقليل الفاقد
الفاقد في شبكتي الكهرباء والمياه يُمثّل خسارة مالية وبيئية كبيرة. أنظمة الذكاء الاصطناعي، باستخدام بيانات أجهزة الاستشعار الصوتية ومقاييس الضغط والتدفق، قادرة على تحديد مواقع التسربات المائية بدقة عالية، وكذلك رصد حالات السرقة أو الفقد غير الفني في شبكة الكهرباء.
هذا التطبيق وحده يمكن أن يُحقق وفورات مالية كبيرة للوزارة ويُسهم في الحفاظ على الموارد المائية الشحيحة، خاصة مع ارتفاع تكلفة إنتاج المياه المُحلّاة.
خامساً: تحسين تجربة المشترك
المشترك في خدمات الكهرباء والماء يستحق تجربة أكثر ذكاءً وتفاعلية. تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكنها تقديم تقارير استهلاك مُخصصة مع توصيات لتقليل الاستهلاك والتكلفة بناءً على أنماط الاستخدام الفعلية لكل مشترك. كما يمكن لروبوتات المحادثة الذكية (Chatbots) المدعومة بالذكاء الاصطناعي التعامل مع استفسارات المشتركين وشكاواهم باللغة العربية واللهجة الكويتية على مدار الساعة، مما يُخفف الضغط على مراكز الاتصال ويُحسّن رضا المتعاملين.
أبعد من ذلك، يمكن لتطبيقات العدادات الذكية (Smart Meters) المتكاملة مع منصات الذكاء الاصطناعي أن تُنبّه المشتركين إلى أي أنماط استهلاك غير طبيعية قد تشير إلى عطل في الأجهزة المنزلية أو تسرب مائي، مما يُحوّل العلاقة بين الوزارة والمشترك من مجرد علاقة «مُزوّد ومُستهلك» إلى شراكة ذكية.
سادساً: الربط الكهربائي الإقليمي وإدارة التدفقات العابرة للحدود
تكتسب مشاريع الربط الكهربائي أهمية متزايدة في منطقة الخليج والشرق الأوسط. شبكة الربط الكهربائي الخليجي (GCCIA) التي تربط دول مجلس التعاون الست بالفعل تُشكّل نموذجاً أولياً لتبادل الطاقة الإقليمي. لكن المشروع الأكثر طموحاً في المنطقة هو مشروع الربط الكهربائي بين المملكة العربية السعودية ومصر بقدرة 3,000 ميغاواط عبر كابلات بحرية وبرية تمتد لأكثر من 1,300 كيلومتر، وهو مشروع استثماري ضخم يُقدّر بمليارات الدولارات ويهدف لتبادل الطاقة بين البلدين مستفيداً من اختلاف أوقات الذروة.
هذا النوع من المشاريع يفتح أمام الكويت فرصاً استراتيجية للمشاركة في سوق طاقة إقليمية متكاملة، حيث يمكن تصدير الفائض الكهربائي في فترات انخفاض الطلب واستيراد الطاقة في أوقات الذروة. والذكاء الاصطناعي يلعب دوراً محورياً في إدارة هذه التدفقات العابرة للحدود، من التنبؤ بالعرض والطلب في كل سوق إلى التسعير الديناميكي وتحسين مسارات التدفق لتعظيم الكفاءة الاقتصادية.
كما أن جاهزية البنية التحتية الكويتية للربط مع الشبكات الإقليمية، وتطوير قدراتها في إدارة التبادل الكهربائي الذكي، ستكون عاملاً حاسماً في تعزيز مكانة الكويت كلاعب فاعل في سوق الطاقة الخليجية والعربية المستقبلية.
C3.ai: نموذج لمنصات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في قطاع المرافق
من بين الشركات العالمية الرائدة التي تُقدّم حلول ذكاء اصطناعي متخصصة لقطاع المرافق (Utilities)، تبرز شركة C3.ai كنموذج يستحق الدراسة. هذه الشركة، التي أسسها توم سيبل (Tom Siebel) عام 2009 ويقع مقرها في كاليفورنيا، طوّرت منصة ذكاء اصطناعي مؤسسية (Enterprise AI Platform) مُصمّمة خصيصاً لقطاعات الطاقة والمرافق والتصنيع والحكومات.
ما يُميّز منصة C3.ai هو تقديمها لمجموعة متكاملة من التطبيقات الجاهزة المُصمّمة لقطاع المرافق، تشمل تحسين موثوقية الشبكة الكهربائية عبر التنبؤ بالأعطال وتحديد أولويات الصيانة، والكشف عن السرقات والفاقد غير الفني في الشبكة باستخدام تحليل أنماط الاستهلاك، وتحسين كفاءة التوليد عبر نمذجة أداء المحطات والتوربينات في الوقت الفعلي، وإدارة الطلب الذكية التي تُساعد في تقليل أحمال الذروة عبر برامج استجابة الطلب، فضلاً عن تحليلات سلامة الأصول التي تُقيّم حالة المعدات والبنية التحتية بشكل مستمر.
شركات مرافق كبرى حول العالم تستخدم منصة C3.ai فعلياً، بما فيها شركات أمريكية وأوروبية رائدة. والنتائج المُعلنة تتضمن تقليل الأعطال غير المخططة بنسب تتراوح بين 30% و40%، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتقليل الفاقد في الشبكة بنسب ملموسة.
هذا النموذج يُقدّم مثالاً عملياً لما يمكن أن تحققه وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت من خلال الشراكة مع مزوّدي حلول الذكاء الاصطناعي المتخصصين. الفارق بين بناء حلول من الصفر والاستفادة من منصات ناضجة ومُجرّبة يمكن أن يختصر سنوات من الجهد ويُقلّل المخاطر بشكل كبير.
خارطة طريق مقترحة
بناءً على المعطيات الحالية، نضع التوصيات التالية أمام صُنّاع القرار في وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة:
المرحلة الأولى (قصيرة المدى — 12 شهراً): تشكيل فريق عمل متخصص لدراسة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق العالمي، مع إطلاق شراكة استراتيجية تجريبية (Pilot) مع مزوّد حلول ذكاء اصطناعي متخصص لتطبيق الصيانة التنبؤية على إحدى محطات التوليد أو التحلية الرئيسية. كما تشمل هذه المرحلة توسيع نشر العدادات الذكية وأجهزة الاستشعار على الشبكة كأساس لجمع البيانات اللازمة.
المرحلة الثانية (متوسطة المدى — 24 شهراً): تطوير منصة إدارة شبكة ذكية متكاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع تطبيق حلول كشف التسربات الذكية على شبكة المياه، وإطلاق تطبيق مشترك ذكي يُقدّم توصيات استهلاك مُخصصة. كما تشمل هذه المرحلة بناء أول «توأم رقمي» لمحطة توليد أو تحلية رئيسية.
المرحلة الثالثة (طويلة المدى — 36 شهراً): التحول نحو نموذج «المرفق الذكي» (Smart Utility) المتكامل، مع إطلاق منصة بيانات مفتوحة تُتيح للمطورين وشركات التقنية بناء حلول مبتكرة، والسعي لأن تكون الكويت مركزاً خليجياً لابتكارات الذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق.
بناء الكوادر: الاستثمار في رأس المال البشري
التقنية وحدها لا تكفي. نجاح أي تحول رقمي في قطاع المرافق يعتمد على توفر الكوادر البشرية المؤهلة التي تجمع بين الخبرة الهندسية التشغيلية والمعرفة بعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي. وزارة الكهرباء والماء بحاجة لبرنامج متكامل لتأهيل مهندسيها وفنييها في هذه المجالات، سواء عبر برامج تدريب داخلية مكثفة أو شراكات مع الجامعات المحلية كجامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب.
كما يُمكن إطلاق «برنامج زمالة تقنية» يستقطب الكفاءات الكويتية الشابة المتخصصة في هندسة البيانات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، مما يُسهم في توطين المعرفة وبناء قاعدة وطنية من الخبراء قادرة على قيادة التحول الذكي واستدامته.
خاتمة
تمتلك وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت منظومة ضخمة وحيوية تخدم الوطن بأكمله، وقد حققت إنجازات ملموسة في توسيع القدرات التوليدية وتحسين البنية التحتية على مدى عقود. لكن التحديات المتزايدة من ارتفاع الطلب وتقادم البنى وضغوط الاستدامة البيئية تفرض ضرورة التحول نحو نماذج تشغيلية أكثر ذكاءً.
الهدف ليس مجرد تحديث تقني تدريجي، بل إعادة تعريف العلاقة بين الوزارة وشبكاتها ومشتركيها عبر تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي في كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة. المقومات متوفرة: بنية تحتية رقمية جيدة، وقدرات مالية كبيرة، وكوادر هندسية مؤهلة. ما ينقص هو الإرادة المؤسسية الحاسمة والرؤية الاستراتيجية الجريئة التي ترى في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل رافعة لتحويل قطاع المرافق الكويتي إلى نموذج إقليمي يُحتذى.
المستقبل ينتمي لمن يصنعه اليوم.
ملاحظة للقرّاء: في إطار التغطية المعمّقة لهذا الملف، ستُجري «الاقتصادية» مقابلة تقنية حصرية مع فريق شركة C3.ai في منطقة الخليج والكويت، لتسليط الضوء على القيمة المضافة التي يمكن أن تُقدّمها حلول الذكاء الاصطناعي المتخصصة لقطاع المرافق في الكويت والمنطقة. ترقبوا هذه المقابلة في الأعداد القادمة.
وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة، سنوسّع العدسة لنرصد كيف تتعامل وزارات ومؤسسات الكهرباء والماء في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية مع ملف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وأين تقف الكويت في سباق التحول الذكي الإقليمي.
هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول قطاع الكهرباء والماء نحو «المرفق الذكي».
المراجع والمصادر الرئيسية:
* وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة — الكويت (mew.gov.kw) : البيانات التشغيلية والإحصاءات الرسمية.
* هيئة الربط الكهربائي الخليجي (GCCIA) : بيانات شبكة الربط الكهربائي وقدرات التبادل.
* الشركة السعودية للكهرباء ومشروع الربط السعودي — المصري: البيانات الرسمية المُعلنة.
* C3.ai — Enterprise AI for Utilities : وثائق المنصة ودراسات الحالة المنشورة.
* الوكالة الدولية للطاقة: (IEA) تقارير رقمنة قطاع الطاقة والمرافق.
تقارير McKinsey وBoston Consulting Group : الدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق.
* Bloomberg NEF : تقارير التحول الرقمي في قطاع الطاقة بمنطقة الشرق الأوسط.
حول الكاتب:
م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

