من «الشبكات التقليدية» إلى «المرافق الذكية»: مستقبل الطاقة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي
الجزء الثالث: البُعد الدولي — أفضل التجارب العالمية ودراسة الحالات الرائدة (3/3)
بقلم — م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة ومستشار الذكاء الاصطناعي
مقدمة: من الإقليمي إلى الدولي
في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا واقع وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت والفرص الكامنة في التحول نحو «المرفق الذكي». وفي الجزء الثاني، وسّعنا العدسة لنرصد تجارب دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية، واستخلصنا دروساً قيّمة حول أهمية القيادة المؤسسية والعدادات الذكية والشراكات الاستراتيجية.
في هذا الجزء الثالث والأخير، نوجّه النظر إلى المشهد الدولي الأوسع، لاستقراء أفضل الممارسات العالمية في توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع المرافق. فالتجارب الرائدة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا تُقدّم نماذج ناضجة يمكن للكويت والمنطقة الاستفادة منها، ليس بالنقل الحرفي، بل بالتكييف الذكي الذي يُراعي الخصوصيات المحلية والإقليمية.

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية — مختبر الابتكار في المرافق الذكية
شركة باسيفيك غاز آند إلكتريك (PG&E) — كاليفورنيا
تُعدّ شركة PG&E من أبرز شركات المرافق الأمريكية التي تبنّت الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف، مدفوعةً بتحديات فريدة أبرزها حرائق الغابات المدمرة التي ضربت كاليفورنيا في السنوات الأخيرة وثبت ارتباط بعضها بالبنية التحتية الكهربائية. هذا الواقع المؤلم دفع الشركة إلى تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لرصد المخاطر والاستجابة الاستباقية.
على صعيد إدارة المخاطر المناخية، وظّفت PG&E نماذج تعلم آلي تجمع بين بيانات أجهزة الاستشعار المنتشرة على الشبكة وبيانات الأرصاد الجوية وصور الأقمار الاصطناعية وبيانات الغطاء النباتي، لتحديد المناطق الأكثر عرضة لخطر الحرائق وإطفاء التيار استباقياً عند الضرورة. هذا النظام أسهم في تقليل حوادث الحرائق المرتبطة بالبنية التحتية بشكل ملحوظ.
كما نشرت الشركة أكثر من عشرة ملايين عداد ذكي، واستخدمت تحليلات البيانات الضخمة المتولدة عنها لتحسين التنبؤ بالطلب على مستوى المناطق الجغرافية الصغيرة، مما أتاح تخطيطاً أدق لتوسعة الشبكة وتقليل الاستثمارات غير الضرورية في البنية التحتية.
الدرس المستفاد للكويت هنا هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل يمكن أن يكون عنصراً حاسماً في إدارة المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات — وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة الكويت حيث تُشكّل درجات الحرارة القصوى تحديات تشغيلية خطيرة للشبكة.
شركة ديوك إنرجي (Duke Energy)
تُشغّل ديوك إنرجي واحدة من أكبر شبكات الكهرباء في الولايات المتحدة، وقد تبنّت استراتيجية شاملة لتحويل شبكتها إلى «شبكة المستقبل» (Grid of the Future). من أبرز مبادراتها نشر أنظمة الإدارة الذاتية للشبكة (Self-Healing Grid) التي تستخدم خوارزميات ذكاء اصطناعي لرصد الأعطال وعزلها تلقائياً وإعادة توجيه التيار عبر مسارات بديلة خلال ثوانٍ، دون تدخل بشري.
هذه التقنية خفّضت متوسط مدة انقطاع التيار عن المشتركين بنسب كبيرة في المناطق التي طُبّقت فيها، وهي تُمثّل نقلة نوعية في مفهوم موثوقية الشبكة. كما استثمرت ديوك إنرجي في مراكز تحكم ذكية تعتمد على التوأم الرقمي لمحاكاة الشبكة بالكامل واختبار سيناريوهات التشغيل المختلفة قبل تنفيذها على أرض الواقع.
مشروع شبكة الطاقة المتقدمة — وزارة الطاقة الأمريكية (DOE)
على المستوى الفيدرالي، تقود وزارة الطاقة الأمريكية مبادرات بحثية ضخمة في مجال الشبكات الذكية عبر مختبراتها الوطنية مثل مختبر الطاقة المتجددة الوطني (NREL) ومختبر أرغون الوطني. هذه المختبرات تُطوّر نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر للتنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة وإدارة التخزين وتحسين استجابة الطلب، وهي أدوات يمكن لمؤسسات المرافق في المنطقة العربية الاستفادة منها أو البناء عليها.
ثانياً: أوروبا — الريادة التنظيمية والاستدامة
شركة إينيل (Enel) — إيطاليا: رائدة العدادات الذكية عالمياً
تحتل شركة إينيل الإيطالية مكانة فريدة في تاريخ التحول الرقمي لقطاع المرافق، إذ كانت أول شركة مرافق كبرى في العالم تُنجز نشر العدادات الذكية على نطاق شامل في مطلع الألفية الثالثة، عبر مشروعها الرائد «تيليغيستوري» (Telegestore) الذي شمل تركيب أكثر من 30 مليون عداد ذكي في إيطاليا.
هذه التجربة المبكرة منحت إينيل قاعدة بيانات ضخمة وخبرة تراكمية فريدة في تحليلات الاستهلاك، وطوّرت الشركة لاحقاً الجيل الثاني من العدادات الذكية بقدرات اتصال وتحليل متقدمة. اليوم، تستخدم إينيل منصات ذكاء اصطناعي لتحسين كفاءة الشبكة، وإدارة ملايين الوحدات الموزعة من الطاقة الشمسية والتخزين، والتنبؤ بالطلب بدقة عالية.
الدرس الأبرز من تجربة إينيل هو أن الاستثمار المبكر في العدادات الذكية — حتى لو بدا مكلفاً في البداية — يُؤتي ثماره على المدى الطويل من خلال البيانات التي تُتيح تطبيقات ذكاء اصطناعي متعددة تُحقق عوائد تفوق التكلفة الأولية بمراحل.
شركة إي.أون (E.ON) — ألمانيا: إدارة تحول الطاقة
تواجه ألمانيا تحدياً فريداً يتمثل في «تحول الطاقة» (Energiewende) — التحول الطموح نحو الاعتماد الكامل على مصادر الطاقة المتجددة. هذا التحول فرض على شركات المرافق مثل E.ON تطوير قدرات متقدمة في إدارة الشبكة في ظل تقلبات إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.
وظّفت E.ON تقنيات الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات حيوية تشمل التنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة بدقة تصل إلى مستوى الدقائق، وتحسين إدارة الشبكة في ظل التدفقات ثنائية الاتجاه الناتجة عن ملايين المنشآت الشمسية الموزعة على أسطح المباني، وتطوير منصات رقمية لإدارة الطاقة المنزلية تُمكّن المشتركين من تحسين استهلاكهم بناءً على أسعار الطاقة الآنية.
هذه التجربة ذات صلة مباشرة بالكويت والمنطقة العربية مع تزايد مشاريع الطاقة الشمسية، حيث ستواجه شبكات الكهرباء تحديات مشابهة في إدارة التقلبات ودمج المصادر المتجددة.
شبكة الكهرباء الوطنية — المملكة المتحدة (National Grid ESO)
تُقدّم هيئة تشغيل نظام الكهرباء في المملكة المتحدة نموذجاً متقدماً في استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة التوازن بين العرض والطلب في الوقت الفعلي. أطلقت الهيئة مبادرة «غرفة التحكم المستقبلية» التي تستخدم خوارزميات تعلم آلي للتنبؤ بالطلب والإنتاج من المصادر المتجددة بدقة غير مسبوقة، مع تحسين قرارات الإرسال والتوزيع.
كما طوّرت الهيئة بالتعاون مع معهد ألان تورينغ (Alan Turing Institute) نماذج ذكاء اصطناعي لتحسين كفاءة سوق الكهرباء وتقليل تكاليف موازنة الشبكة، وهي تكاليف تُحمّل في النهاية على المستهلكين. النتائج أظهرت إمكانية تحقيق وفورات بملايين الجنيهات سنوياً.
الدول الاسكندنافية: ريادة الشبكات الذكية في بيئات متقدمة
تتصدر دول مثل الدنمارك والسويد وفنلندا مشهد الشبكات الذكية عالمياً. الدنمارك، التي تُولّد أكثر من نصف كهربائها من طاقة الرياح في بعض الفترات، طوّرت أنظمة ذكاء اصطناعي بالغة التطور لإدارة هذا التقلب الحاد في الإنتاج. شركة «إنرجينت» (Energinet) المشغلة للشبكة الدنماركية تستخدم نماذج تنبؤية تأخذ في الاعتبار عشرات المتغيرات المناخية والتشغيلية لضمان استقرار الشبكة.
أما فنلندا فقد أصبحت مختبراً عالمياً للاستجابة للطلب الذكية، حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنسيق استهلاك الأجهزة المنزلية والصناعية تلقائياً بناءً على ظروف الشبكة وأسعار الكهرباء، مما يُقلل الحاجة إلى بناء محطات توليد جديدة لتلبية ذروة الطلب.
ثالثاً: آسيا — نماذج متنوعة من التحول الذكي
شركة طوكيو للطاقة الكهربائية (TEPCO) — اليابان
بعد كارثة فوكوشيما النووية عام 2011، أعادت اليابان هيكلة قطاع الطاقة بالكامل، مما فتح الباب أمام تبني تقنيات الشبكات الذكية بشكل متسارع. شركة TEPCO، أكبر شركة مرافق في اليابان، استثمرت بكثافة في أنظمة الذكاء الاصطناعي لتعزيز مرونة الشبكة وقدرتها على التعامل مع الكوارث الطبيعية.
من أبرز تطبيقات TEPCO استخدام خوارزميات التعلم العميق لتحليل صور الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة لفحص خطوط النقل والأبراج الكهربائية، مما خفّض تكاليف الفحص اليدوي بشكل كبير وحسّن دقة الكشف عن الأعطال المحتملة. كما طوّرت الشركة أنظمة استجابة ذكية للزلازل تُعيد تشكيل مسارات الشبكة تلقائياً عند وقوع هزات أرضية لتقليل الأضرار ومدة الانقطاع.
شبكة الدولة الصينية (State Grid Corporation of China)
تُشغّل شبكة الدولة الصينية أكبر شبكة كهرباء في العالم من حيث عدد المشتركين وحجم الطاقة المنقولة، مما يجعلها مختبراً فريداً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق غير مسبوق. استثمرت الشركة مليارات الدولارات في تحديث شبكتها ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف حلقات سلسلة القيمة.
من أبرز مشاريعها تطوير نظام تحكم مركزي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة خطوط النقل فائقة الجهد التي تمتد لآلاف الكيلومترات عبر البلاد، ونشر مئات الملايين من العدادات الذكية المتصلة بمنصات تحليل بيانات ضخمة، واستخدام الروبوتات الذكية لفحص وصيانة خطوط النقل في المناطق الوعرة والخطرة.
كما تقود الصين مشاريع رائدة في مجال «إنترنت الطاقة» (Energy Internet) الذي يدمج شبكات الكهرباء والمعلومات في منظومة موحدة تُدار بالذكاء الاصطناعي، مما يُتيح تبادل الطاقة والبيانات بمرونة غير مسبوقة.
كوريا الجنوبية: مشروع جزيرة جيجو الذكية
أطلقت كوريا الجنوبية مشروعاً طموحاً لتحويل جزيرة جيجو إلى «جزيرة خالية من الكربون» بحلول عام 2030، باستخدام الشبكات الذكية والطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية المدارة بالذكاء الاصطناعي. هذا المشروع يُقدّم نموذجاً لكيفية تحويل منطقة جغرافية محددة إلى مختبر حي للتقنيات الذكية قبل تعميمها على نطاق أوسع — وهو نهج يمكن للكويت تبنّيه بتخصيص منطقة أو مدينة تجريبية.
سنغافورة: إدارة المياه بالذكاء الاصطناعي
تُقدّم سنغافورة نموذجاً عالمياً رائداً في إدارة المياه بالتقنيات الذكية، وهو نموذج وثيق الصلة بتحديات الكويت والمنطقة. وكالة المياه الوطنية (PUB) وظّفت الذكاء الاصطناعي في إدارة دورة المياه بالكامل، من التحلية إلى التوزيع إلى معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها.
من أبرز تطبيقاتها استخدام أجهزة استشعار ذكية متصلة بمنصات ذكاء اصطناعي لمراقبة جودة المياه في الوقت الفعلي عبر شبكة التوزيع بالكامل، وتطبيق نماذج تعلم آلي للتنبؤ بالطلب على المياه وتحسين جدولة عمليات التحلية والضخ، واستخدام التوأم الرقمي لمحاكاة شبكة المياه بالكامل واختبار سيناريوهات الطوارئ والتوسعة. كما طوّرت PUB أنظمة ذكية لمحطات إعادة تدوير المياه (NEWater) تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين عمليات المعالجة وتقليل استهلاك الطاقة.
الهند: التحول الرقمي في سوق ناشئ ضخم
رغم التحديات الهائلة التي يواجهها قطاع الكهرباء في الهند من حيث حجم الشبكة وتنوع المناطق وارتفاع نسبة الفاقد، فإن بعض شركات التوزيع الهندية حققت نجاحات ملحوظة في توظيف الذكاء الاصطناعي. شركة تاتا باور (Tata Power) طبّقت أنظمة ذكاء اصطناعي لكشف سرقة الكهرباء وتقليل الفاقد التجاري، محققةً وفورات كبيرة. هذه التجربة ذات صلة بالدول العربية التي تعاني من نسب فاقد مرتفعة في بعض شبكاتها.
رابعاً: المحاور التقنية العالمية الناشئة في قطاع المرافق
التوأم الرقمي الشامل للشبكة (Comprehensive Digital Twin)
يتجه قطاع المرافق عالمياً نحو بناء توائم رقمية شاملة تُحاكي الشبكة بالكامل — من محطات التوليد إلى خطوط النقل إلى شبكات التوزيع وصولاً إلى نقاط الاستهلاك. هذه التوائم الرقمية، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تُتيح محاكاة السيناريوهات التشغيلية واختبار تأثير التغييرات قبل تنفيذها، وتحسين تخطيط الاستثمارات والتوسعة بناءً على نماذج دقيقة، والتدريب المتقدم للمشغلين على سيناريوهات الطوارئ في بيئة افتراضية آمنة. شركات مثل سيمنز وجنرال إلكتريك تُقدّم منصات توأم رقمي متخصصة في قطاع الطاقة، وشركة C3.ai تُوفر طبقة ذكاء اصطناعي يمكن دمجها مع هذه المنصات لتعزيز القدرات التحليلية والتنبؤية.
الحوسبة الطرفية والذكاء الاصطناعي الموزع (Edge AI)
من التوجهات العالمية الحديثة نقل جزء من معالجة الذكاء الاصطناعي إلى حافة الشبكة (Edge Computing) بدلاً من الاعتماد الكلي على مراكز البيانات المركزية. هذا النهج يُتيح استجابة أسرع للأحداث الآنية مثل الأعطال والتقلبات، ويُقلل حجم البيانات التي يجب نقلها إلى المركز، ويُعزز مرونة النظام وقدرته على العمل حتى في حال انقطاع الاتصال بالمركز. محطات التحويل والمحوّلات الذكية المزوّدة بوحدات معالجة طرفية أصبحت واقعاً في الشبكات المتقدمة، وهي تقنية يجب أن تأخذها الكويت في الاعتبار عند تخطيط تحديث شبكتها.
أسواق الطاقة الذكية والتداول الآلي
في الأسواق الكهربائية المتقدمة، يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في تحسين عمليات التداول والتسعير. خوارزميات التعلم الآلي تُستخدم للتنبؤ بأسعار الكهرباء في أسواق الجملة، وتحسين استراتيجيات شراء وبيع الطاقة، وإدارة محافظ الطاقة المتجددة بكفاءة. ومع توجه دول الخليج نحو إصلاح أسواق الطاقة وتحرير القطاع تدريجياً، ستصبح هذه القدرات ذات أهمية متزايدة.
الأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي
مع تزايد رقمنة شبكات الكهرباء والمياه، تتصاعد مخاطر الهجمات السيبرانية التي قد تُعطّل خدمات حيوية. الشركات الرائدة عالمياً تستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط غير الطبيعية في حركة البيانات على شبكات التحكم الصناعي (SCADA/ICS) والاستجابة التلقائية للتهديدات. هذا البُعد بالغ الأهمية ويجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي استراتيجية تحول رقمي في قطاع المرافق بالكويت والمنطقة.
خامساً: التحديات العالمية المشتركة ومناهج التغلب عليها
رغم التقدم الملحوظ في التجارب الدولية المستعرضة، تواجه مؤسسات المرافق حول العالم تحديات مشتركة في تبني الذكاء الاصطناعي، وقد طوّرت مناهج متنوعة للتغلب عليها.
التحدي الأول هو فجوة الثقة في القرارات الآلية. فمشغلو الشبكات — وهم مهندسون ذوو خبرة طويلة — قد يتردّدون في الاعتماد على توصيات أنظمة ذكاء اصطناعي لا يفهمون آليات عملها بالكامل. المنهج الذي أثبت نجاحه عالمياً هو البدء بأنظمة «الذكاء الاصطناعي المُعزِّز» (Augmented AI) التي تُقدّم توصيات للمشغل البشري دون اتخاذ قرارات مستقلة، مع الانتقال تدريجياً نحو الأتمتة الكاملة في المهام التي تُثبت فيها الأنظمة موثوقيتها.
التحدي الثاني هو قابلية التفسير (Explainability). في قطاع حيوي كالكهرباء والمياه، لا يكفي أن يُقدّم نظام الذكاء الاصطناعي قراراً صحيحاً، بل يجب أن يكون قادراً على تفسير أسباب هذا القرار للمشغلين والجهات التنظيمية. الشركات الرائدة تستثمر في تطوير نماذج «ذكاء اصطناعي قابل للتفسير» (Explainable AI) تُوفّر شفافية في عمليات اتخاذ القرار.
التحدي الثالث هو إدارة التغيير المؤسسي. فالتحول نحو المرافق الذكية ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل هو تحوّل جذري في ثقافة العمل وهياكل المؤسسة وعملياتها. التجارب العالمية الناجحة اقترنت ببرامج إدارة تغيير شاملة تشمل التواصل المستمر مع الموظفين، وبرامج إعادة تأهيل مهني مكثفة، وإنشاء فرق رشيقة (Agile Teams) تجمع بين الخبرات الهندسية والتقنية.
التحدي الرابع يتعلق بالحوكمة والأخلاقيات. استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة خدمات أساسية يطرح أسئلة حول العدالة في التوزيع، وحماية خصوصية بيانات المشتركين، والمساءلة عند حدوث أخطاء. الأطر التنظيمية المتقدمة في أوروبا، وخاصة قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act)، تُقدّم نماذج يمكن الاستفادة منها في تطوير أطر حوكمة مناسبة للمنطقة العربية.
سادساً: خارطة طريق مقترحة للكويت — من الدروس الدولية إلى التنفيذ المحلي
بناءً على مجمل التجارب الدولية والإقليمية المستعرضة عبر أجزاء هذه السلسلة الثلاثة، يمكن تقديم خارطة طريق عملية لتحول قطاع الكهرباء والماء في الكويت نحو «المرفق الذكي».
المرحلة الأولى: التأسيس (السنة الأولى — الثانية)
تبدأ هذه المرحلة بتشكيل فريق قيادي للتحول الرقمي على مستوى الوزارة، يتمتع بصلاحيات واضحة ودعم مباشر من القيادة العليا. يُطلق هذا الفريق برنامجاً شاملاً لنشر العدادات الذكية بدءاً بالمشتركين التجاريين والصناعيين ثم السكنيين، مع بناء البنية التحتية لجمع البيانات وتخزينها ومعالجتها. في الوقت ذاته، تُطلق مشاريع تجريبية محدودة النطاق في الصيانة التنبؤية على محطات تحويل مختارة، وكشف التسربات الذكي في مناطق محددة من شبكة المياه. تُبرم شراكات استراتيجية مع مزوّدي حلول الذكاء الاصطناعي المتخصصين في قطاع المرافق مثل C3.ai وسيمنز وشنايدر إلكتريك، ويُطلق برنامج تأهيل مكثف للكوادر الهندسية والفنية.
المرحلة الثانية: التوسع (السنة الثالثة — الرابعة)
بناءً على نتائج المشاريع التجريبية، يتم توسيع نطاق التطبيقات الناجحة لتشمل مناطق ومحطات أوسع. يُنشأ مركز تحكم ذكي وطني يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة لإدارة شبكتي الكهرباء والمياه في الوقت الفعلي. تُدمج مصادر الطاقة المتجددة في الشبكة باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي للتنبؤ بالإنتاج وإدارة التوازن. يُطلق توأم رقمي للشبكة يبدأ بالمكونات الحرجة ويتوسع تدريجياً. تُطوّر منصة رقمية متكاملة لخدمة المشتركين تشمل مساعداً افتراضياً ذكياً ولوحات تحكم شخصية لإدارة الاستهلاك.
المرحلة الثالثة: النضج والريادة (السنة الخامسة وما بعدها)
تتحول الكويت في هذه المرحلة إلى نموذج إقليمي في المرافق الذكية، مع تطبيقات ذكاء اصطناعي شاملة تغطي سلسلة القيمة بالكامل من التوليد إلى المستهلك. تُصدّر الخبرات المكتسبة وتُشارك الدروس المستفادة مع مؤسسات المرافق في المنطقة. يُستكشف دمج تقنيات ناشئة مثل الحوسبة الكمية والجيل التالي من الذكاء الاصطناعي لتحقيق قفزات نوعية جديدة في أداء الشبكة.
خاتمة: المستقبل يُصنع اليوم
على مدار أجزاء هذه السلسلة الثلاثة، استعرضنا مشهداً شاملاً لتحول قطاع الكهرباء والماء نحو «المرفق الذكي» — من الواقع المحلي في الكويت، إلى التجارب الإقليمية في الخليج والمنطقة العربية، وصولاً إلى أفضل الممارسات الدولية من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.
الخلاصة واضحة: التحول نحو المرافق الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً تقنياً أو رؤية مستقبلية بعيدة، بل هو واقع تعيشه مؤسسات المرافق الرائدة حول العالم وتجني ثماره الملموسة في الكفاءة التشغيلية وجودة الخدمة والاستدامة البيئية.
الكويت تمتلك كل مقومات النجاح — من القدرات المالية إلى البنية التحتية الرقمية إلى الكوادر الهندسية المؤهلة. والطريق واضح المعالم بفضل الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية والدولية. ما ينقص هو الإرادة المؤسسية الحاسمة التي تُترجم هذه المقومات إلى واقع ملموس.
إن كل يوم تأخير يعني اتساع الفجوة مع دول الجوار والعالم، وكل يوم عمل يُقرّب الكويت من مستقبل طاقة أذكى وأكثر كفاءة واستدامة. المؤسسات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي اليوم لن تكتفي بتحسين أدائها، بل ستُعيد تعريف مفهوم خدمة المرافق بالكامل — من نموذج «المورّد السلبي» إلى نموذج «الشريك الذكي» الذي يتوقع احتياجات المشتركين ويُلبّيها بكفاءة وموثوقية واستدامة.
المستقبل ينتمي لمن يصنعه اليوم.
ملاحظة للقرّاء: في إطار التغطية المعمّقة لهذا الملف، ستُجري «الاقتصادية» مقابلة تقنية حصرية مع فريق شركة C3.ai في منطقة الخليج والكويت، لتسليط الضوء على القيمة المضافة التي يمكن أن تُقدّمها حلول الذكاء الاصطناعي المتخصصة لقطاع المرافق في الكويت والمنطقة. ترقبوا هذه المقابلة في الأعداد القادمة.
هذا المقال هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول قطاع الكهرباء والماء نحو «المرفق الذكي.»
المراجع والمصادر الرئيسية:
* شركة باسيفيك غاز آند إلكتريك — PG&E :(pge.com) بيانات برامج إدارة مخاطر الحرائق والشبكات الذكية ومشاريع العدادات الذكية.
* شركة ديوك إنرجي — Duke Energy :(duke-energy.com) بيانات مشروع «شبكة المستقبل» وأنظمة الإدارة الذاتية للشبكة.
* وزارة الطاقة الأمريكية — DOE :(energy.gov) برامج الشبكات الذكية ومختبرات الطاقة الوطنية.
* مختبر الطاقة المتجددة الوطني — NREL :(nrel.gov) أبحاث ونماذج الذكاء الاصطناعي في الشبكات الذكية والطاقة المتجددة.
* شركة إينيل — Enel :(enel.com) بيانات مشروع العدادات الذكية ومنصات التحول الرقمي.
* شركة إي.أون — E.ON :(eon.com) بيانات برامج إدارة تحول الطاقة ودمج المصادر المتجددة.
* شبكة الكهرباء الوطنية — المملكة المتحدة — National Grid ESO :(nationalgrideso.com) بيانات مبادرة غرفة التحكم المستقبلية والتعاون مع معهد ألان تورينغ.
* شركة طوكيو للطاقة الكهربائية — TEPCO :(tepco.co.jp) بيانات برامج التحول الرقمي والمرونة في مواجهة الكوارث.
* شبكة الدولة الصينية — State Grid :(sgcc.com.cn) بيانات مشاريع الشبكات الذكية وإنترنت الطاقة.
* وكالة المياه الوطنية — سنغافورة — PUB :(pub.gov.sg) بيانات برامج إدارة المياه الذكية والتوأم الرقمي.
* C3.ai — Enterprise AI for Utilities: وثائق المنصة ودراسات الحالة المنشورة في قطاع المرافق.
* الوكالة الدولية للطاقة :(IEA) تقارير رقمنة قطاع الطاقة والشبكات الذكية عالمياً.
* الوكالة الدولية للطاقة المتجددة :(IRENA) تقارير الابتكار في الشبكات الذكية والذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة.
* تقارير McKinsey و Boston Consulting Group: الدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قطاع المرافق عالمياً.
* Bloomberg NEF: تقارير التحول الرقمي والشبكات الذكية عالمياً.
* قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي — EU AI Act: الأطر التنظيمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية.
حول الكاتب:
م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

