دمج القيم في التحليل الاقتصادي
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
شهد الفكر الاقتصادي المعاصر تحولاً ملحوظاً نحو دمج الأبعاد الإنسانية والقيمية في النماذج الاقتصادية، متجاوزاً بذلك التوجه الكلاسيكي الذي كان يفصل بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات الأخلاقية. هذا التطور أفرز اتجاهات متعددة تسعى لتوسيع مفهوم العقلانية الاقتصادية، بحيث لا يقتصر على تعظيم المنفعة المادية فحسب، بل يشمل أيضاً مفاهيم العدالة الاجتماعية، الاستقرار الإنساني، وجودة الحياة.
محاولات دمج القيم في التحليل الاقتصادي
برزت العديد من الإسهامات الفكرية التي أثرت هذا التوجه. فقد ركزت أعمال جون رولز (John Rawls) على فكرة العدالة التوزيعية، مقترحاً مبدأ يسمح بالتفاوت الاقتصادي شريطة أن يخدم هذا التفاوت تحسين أوضاع الفئات الأقل دخلاً في المجتمع. كما تزايد الاهتمام بقياس الرفاه الإنساني من خلال مؤشرات تتعدى الناتج الاقتصادي المباشر لتشمل التعليم، الصحة، والاستقرار الاجتماعي.
في سياق متصل، ساهمت أبحاث الاقتصاد السلوكي، التي قادها دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) وعاموس تفرسكي (Amos Tversky)، في تعديل فرضية العقلانية الكاملة، موضحة أن القرارات الاقتصادية تتأثر بعوامل نفسية ومعرفية لا يمكن إهمالها. ومن جهة أخرى، قدم أمارتيا سن (Amartya Sen) نموذجاً للتنمية الإنسانية يركز على توسيع قدرات الإنسان وحرية اختياراته، بدلاً من الاقتصار على المؤشرات الكمية للدخل. بالإضافة إلى ذلك، أشارت دراسات ريتشارد إيسترلين (Richard Easterlin) إلى أن العلاقة بين الدخل والسعادة ليست خطية بعد مستوى معين من الرفاه الاقتصادي، مما يعزز فكرة أن القيم غير المادية تلعب دوراً حاسماً في الرفاه العام.
يُعد الاقتصاد علماً اجتماعياً محورياً يسعى لفهم كيفية إدارة الموارد المحدودة لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة. يمكن تحليل هذا العلم من خلال إطارين رئيسيين: الاقتصاد التقليدي، الذي تطور ضمن السياق العلمي الوضعي، والاقتصاد الإسلامي، الذي ينطلق من مرجعية شرعية وقيمية. لا يعني هذا التقسيم وجود تعارض مطلق، بل يعكس اختلافاً في المنهج والتصور الفلسفي للنشاط الاقتصادي.
الأساس الفلسفي للسلوك الاقتصادي
يعتمد الاقتصاد التقليدي على فرضية أن السلوك الاقتصادي يمكن تفسيره بنموذج الفاعل العقلاني الذي يسعى لتعظيم المنفعة أو العائد ضمن قيود الدخل والموارد والأسعار. تطور هذا التصور عبر المدارس الكلاسيكية والنيوكلاسيكية، مع إسهامات مهمة من جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) الذي أكد أن الأسواق قد لا تصل تلقائياً إلى التوازن الكامل، وأن السياسات العامة والطلب الكلي يلعبان دوراً أساسياً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
في المقابل، ينظر الاقتصاد الإسلامي إلى السلوك الاقتصادي من زاوية أوسع، حيث لا يقتصر الإنسان على البحث عن المنفعة المادية فحسب، بل يتحمل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية عن قراراته. لذا، يتجاوز مفهوم المنفعة في هذا الإطار الاعتبارات المادية ليشمل الاستقرار الاجتماعي والبعد القيمي.
الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي
يمثل الاقتصاد الجزئي مستوى التحليل المرتبط بسلوك الأفراد والشركات، ويدرس قرارات الاستهلاك والإنتاج والتسعير. يفترض التحليل الجزئي التقليدي أن المستهلك يسعى لتحقيق أقصى إشباع ضمن دخله، بينما تسعى الشركات لأفضل عائد.
أما الاقتصاد الكلي فيركز على المتغيرات العامة كالنمو الاقتصادي، التضخم، والبطالة، والسياسات المالية والنقدية. وقد أبرز التحليل الكينزي أهمية الطلب الكلي والسياسات العامة في مواجهة الركود.
في الاقتصاد الإسلامي، لا يُلغى هذا التقسيم التحليلي، بل يُعاد توظيفه ضمن إطار مقاصدي يربط النشاط الاقتصادي بالعدالة والاستقرار الاجتماعي، إلى جانب الكفاءة الإنتاجية.
السوق وآلية تخصيص الموارد
يعتبر الاقتصاد التقليدي أن السوق هو الآلية الأساسية لتخصيص الموارد عبر تفاعل العرض والطلب، مع الإقرار بفشل السوق أحياناً بسبب الاحتكار أو المعلومات غير المتكاملة. بينما يقبل الاقتصاد الإسلامي بالسوق كآلية تنظيمية مهمة، لكنه لا يمنحه استقلالية مطلقة. فالسوق يعمل ضمن ضوابط تهدف لمنع الاستغلال والمضاربات غير المرتبطة بنشاط اقتصادي حقيقي، مع التأكيد على نزاهة المعاملات ومنع الاحتكار.
المال والزمن الاقتصادي
يمثل المال في الاقتصاد التقليدي أداة لتوليد العائد مقابل تحمل المخاطر أو تأجيل الاستهلاك، ويتجلى ذلك في النظام المالي القائم على سعر الفائدة كمؤشر لتسعير الزمن الاقتصادي والمخاطرة الاستثمارية.
على النقيض، ينظر الاقتصاد الإسلامي إلى المال كوسيط للتبادل ومخزون للقيمة، ويشترط أن يرتبط العائد بالنشاط الاقتصادي الحقيقي أو بالمشاركة في المخاطر، مما يؤثر في تصميم المؤسسات المالية ويعيد تعريف العلاقة بين رأس المال والعمل.
التوزيع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
يركز الاقتصاد التقليدي على الكفاءة الإنتاجية لزيادة الناتج الكلي ورفع مستوى المعيشة، وتُعالج قضايا توزيع الدخل غالباً عبر السياسات العامة خارج البناء النظري الأساسي. أما الاقتصاد الإسلامي فيدمج البعد التوزيعي ضمن المنظومة الاقتصادية من خلال آليات مؤسسية كالزكاة، الوقف، والصدقات، بهدف تقليل تركز الثروة وتحقيق التوازن الاجتماعي.
إسهامات إسلامية لدمج القيم الروحية
في هذا الإطار، يبرز الاقتصاد الإسلامي بوصفه محاولة لبناء نظام اقتصادي يجمع بين كفاءة السوق والانضباط القيمي؛ فهو لا يلغي الملكية الخاصة ولا آلية الأسعار، لكنه يقيدهما بإطار تشريعي يمنع الربا والغرر والاحتكار، ويؤكد على العدالة في التبادل وتقاسم المخاطر. وقد تجسدت تطبيقاته عملياً في توسع المصارف الإسلامية وصيغ التمويل بالمشاركة والمرابحة والإجارة والصكوك، إلى جانب مؤسسات الزكاة والوقف والعمل الخيري التي تؤدي دوراً محورياً في إعادة توزيع الدخل وتعزيز التكافل الاجتماعي وتمويل التعليم والصحة والرعاية العامة. فالزكاة تمثل آلية مؤسسية لإعادة التوازن الاجتماعي، والوقف يشكل أداة تنموية مستدامة لتكوين أصول مجتمعية طويلة الأجل، بينما يسهم العمل الخيري في سد فجوات الدولة والسوق معاً.
أما على المستوى التحليلي، فقد اعتمد الاقتصاد الإسلامي في بداياته على توظيف أدوات الاقتصاد الجزئي والكلي السائدة مع إعادة صياغة فروضها بما يتفق مع الإطار الشرعي؛ فاستُخدمت نماذج العرض والطلب والتوازن العام ودوال الإنتاج، مع استبدال سعر الفائدة بآليات المشاركة وتقاسم المخاطر، وإدخال متغيرات مثل الزكاة وأحكام التحريم في البنية التحليلية. كما حاول بعض الباحثين بناء نماذج كلية تدرس أثر منع الربا على الادخار والاستثمار، ودور الزكاة في تحفيز الطلب الكلي، وأثر الوقف في تراكم رأس المال الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال التحدي قائماً في الانتقال من مجرد تكييف النماذج التقليدية إلى بناء إطار نظري أصيل ينطلق من فلسفة اقتصادية متكاملة توفّق بين الكفاءة والعدالة والاستدامة.
التكامل المعرفي بين النموذجين: نحو اقتصاد إنساني شامل
لا يمثل الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الإسلامي نظامين متعارضين بصورة مطلقة، بل يمكن النظر إليهما كمستويين تحليليين مختلفين يكمل أحدهما الآخر. يوفر الاقتصاد التقليدي أدوات تحليلية دقيقة تعتمد على النماذج الرياضية ودراسات السلوك السوقي، بينما يقدم الاقتصاد الإسلامي إطاراً معيارياً يربط النشاط الاقتصادي بالقيم الاجتماعية والأخلاقية. إن التحدي المعاصر لا يكمن في اختيار أحد النموذجين وإقصاء الآخر، بل في تطوير مقاربة تجمع بين الكفاءة التحليلية التي حققها الاقتصاد الحديث وبين الاعتبارات القيمية التي تؤكدها الرؤية الإسلامية. هذه المقاربة المتكاملة هي السبيل الأمثل نحو بناء اقتصاد يسهم بفعالية في تحقيق التنمية المستدامة، الاستقرار الاجتماعي، والازدهار الإنساني الشامل، متجاوزاً بذلك القصور في النماذج التي تركز على جانب واحد فقط من أبعاد الوجود الإنساني.




