الذكاء الاصطناعي.. “نفط المستقبل” ومحرك التحول في “كويت 2035”

بقلم: م. محمد عباس
مسؤل اقليمى سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولى والامم المتحدة
مستشار الّذكاء الاصطناعى بشركة بى ام سي للمعدات المكتبية ( (BMC
ونحن نخطو بثبات في عام 2026، لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي (AI) ترفاً فكرياً أو مجرد مصطلح تقني يتردد في أروقة “وادي السيليكون”، بل تحول بحكم الواقع إلى المحرك الأول للاقتصاد العالمي، والمحدد الجديد لموازين القوى الاقتصادية. إنه، بلا مبالغة، الثورة الصناعية الرابعة التي تعيد رسم الخرائط الاستثمارية، وتفرض على الدول – لا سيما تلك المعتمدة على الموارد الطبيعية – إعادة صياغة تحالفاتها واستراتيجياتها التنموية.
تسونامي اقتصادي عالمي
تُجمع كبرى المؤسسات المالية العالمية على أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي سيكون زلزالياً. فوفقاً لتقرير مرجعي صادر عن “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC)، من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بما يقارب 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.
ولإدراك ضخامة هذا الرقم، يكفي أن نعلم أنه يتجاوز إجمالي الناتج المحلي الحالي (GDP) لاقتصادات اليابان (4.1 تريليون دولار) والهند (3.9 تريليون دولار) وألمانيا (4.5 تريليون دولار) مجتمعة، بل ويقترب من حجم اقتصاد الصين البالغ نحو 18.5 تريليون دولار. وفي سياق متصل، تشير تقديرات معهد “ماكينزي” (McKinsey) إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) وحده قادر على إضافة قيمة سنوية تتراوح بين 2.6 إلى 4.4 تريليون دولار، وهو ما يعادل إضافة اقتصاد بحجم المملكة المتحدة إلى الناتج العالمي كل عام.
الخليج: سباق نحو “السيادة الرقمية“
إقليمياً، أدركت دول مجلس التعاون الخليجي مبكراً أن البيانات هي “النفط الجديد”. وتشير التوقعات إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستضيف نحو 320 مليار دولار إلى اقتصاديات الشرق الأوسط بحلول عام 2030، حيث ستحظى دول الخليج بالنصيب الأكبر من هذه الكعكة.
هذا التحول ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة استراتيجية لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة. فمن استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 إلى جهود “سدايا” في السعودية، تتسابق المنطقة لبناء بنية تحتية رقمية تضمن لها مكاناً في اقتصاد المعرفة.
الكويت: فرصة ذهبية لتعزيز “رؤية 2035“
بالنسبة للكويت، يمثل تبني الذكاء الاصطناعي الرافعة الحقيقية لتحقيق ركائز خطة التنمية “كويت جديدة 2035″، وذلك عبر مسارين رئيسيين:
أولاً، القطاع المالي والمصرفي: حيث يمكن لهذه التقنيات إحداث ثورة في التكنولوجيا المالية (FinTech) عبر الخوارزميات التنبؤية لإدارة المخاطر، وكشف الاحتيال المالي بدقة متناهية، وتخصيص الخدمات المصرفية، مما يعزز كفاءة رأس المال ويعيد تموضع الكويت كمركز مالي إقليمي.
ثانياً، القطاع النفطي: تشير الدراسات إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف والتكرير والصيانة التنبؤية يمكن أن يخفض التكاليف التشغيلية بنسب تصل إلى 20%، مما يطيل عمر الحقول ويعظم العوائد، وهو ما يتماشى مع التوجهات الحديثة لمؤسسة البترول الكويتية.

الإنسان قبل الآلة: تحدي المستقبل
رغم هذه الآفاق الواعدة، يدق صندوق النقد الدولي (IMF) ناقوس الخطر، مشيراً إلى أن نحو 40% من الوظائف عالمياً ستتأثر بالذكاء الاصطناعي. وهنا يكمن التحدي الحقيقي لصناع القرار في الكويت: كيف نطور منظومتنا التعليمية لنخلق “جيلاً يقود الذكاء الاصطناعي” بدلاً من أن تستبدله الآلة؟
ختاماً، إن الاقتصاد الكويتي يمتلك اليوم الأرضية الصلبة والسيولة اللازمة لريادة هذا التحول. إن الاستثمار في “العقول الرقمية” وتوطين التكنولوجيا هو الضمانة الوحيدة للعبور الآمن نحو اقتصاد مستدام وتنافسي. المستقبل لا ينتظر المترددين، والذكاء الاصطناعي هو بوصلتنا نحو كويت المستقبل.
المصادر والمراجع:
PwC: “Sizing the prize: What’s the real value of AI for your business and how can you capitalise?” (Global AI Study).
McKinsey Global Institute: “The Economic Potential of Generative AI: The Next Productivity Frontier”.
World Bank & IMF Reports: (AI readiness and Labor Market impact reports 2024-2025).
Deloitte: “National AI Strategies in the GCC”.
GDP Data References: World Bank Open Data (Latest estimates for China, India, Japan, Germany as of 2024/2025 context).


