ثقافة ماليةمنوعات

لم أكن أبحث عن مشكلة… لكنها وجدت حسابي

"النزاهة المالية"... مبادرة توعوية تطلقها جريدة الاقتصادية

 

تحت إشراف/ عمرو علاء

“الأحداث والشخصيات الواردة في هذه القصة خيالية، وأي تطابق مع الواقع هو مجرد تشابه غير مقصود”

قصة أشرف

 

لم يكن أشرف مقامراً ولا محتالاً ولا حتى متهوراً، كان شابًا مجتهداً يعمل في وظيفة مستقرة ويحاول تحسين دخله بفرصة إضافية هنا أو هناك.

 

كان يظن أن الجريمة واضحة الملامح، صاخبة، فجة، يمكن تمييزها بسهولة، لكنه لم يعرف أن بعض الجرائم هادئة وتدخل حياتك من باب “الفرصة”.

 

البداية- عرض لا يبدو خطيراً

رسالة مهنية وصلته:

شركة دولية تبحث عن ممثل محلي لتسهيل تحويلات مالية مؤقتة مقابل عمولة مجزية (شعار رسمي، موقع إلكتروني، عقد إلكتروني منسق) والمطلوب بسيط:

استقبال مبالغ في حسابه، ثم إعادة تحويلها لجهة أخرى، مقابل نسبة ثابتة، إجراء إداري مؤقت.

قال في نفسه:

“لو كان في الأمر مخالفة، لما تم بهذه الصراحة”

دخل أول تحويل ثم خرج، ثم آخر، ثم بدأ الأمر يتكرر.

ما لم يكن يعرفه: في عالم الجرائم المالية، هناك مصطلح يُعرف بـ “بِغال المال”.

وهو وصف يُطلق على أشخاص يتم استغلال حساباتهم المصرفية لنقل أموال غير مشروعة، بهدف إخفاء مصدرها الحقيقي ضمن عمليات غسل الأموال، هم ليسوا دائماً العقول المدبرة لكنهم الممر، والعملية لا تكتمل دون ممر.

لم يكن أشرف يعلم أن حسابه أصبح مرحلة “إيداع” لأموال غير مشروعة، ولم يدرك أن تعدد التحويلات كان جزءاً من مرحلة “التمويه”، كان يظن أنه يؤدي خدمة بينما كان يُستخدم.

الاتصال الذي غيّر كل شيء

الو أستاذ أشرف نرجو حضورك إلى البنك بشكل عاجل.

جلس أمام الموظف ملف أمامه، تحويلات متكررة، جهات متعددة.

– وجه له الموظف سؤال هل تعلم مصدر هذه الأموال؟

توقف للحظة ثم قال الحقيقة؟ لم أسأل.

ومن هنا بدء التحقيق

لم يكن هناك صراخ ولا اتهام مباشر فقط أسئلة دقيقة.

“لماذا استُخدم حسابك لتحويل أموال لا ترتبط بنشاطك الوظيفي؟”

“هل تحققت من النشاط الفعلي للشركة؟”

“هل تعلم أن هذا النمط يُستخدم في عمليات غسل الأموال؟”

أجاب بصوت منخفض: لم أكن أعلم.

لكن في جرائم غسل الأموال الجهل لا يكفي دائماً.

شعر بثقل لم يعرفه من قبل، خوف ليس فقط من العقوبة، بل من أن يكون اسمه ارتبط بشيء يسيء لبلده.

الحكم

استندت المحكمة إلى أحكام القانون رقم 106 لسنة 2013 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في دولة الكويت.

القانون ينص على عقوبات قد تصل إلى السجن لمدة لا تجاوز عشر سنوات، وغرامات مالية كبيرة، مع مصادرة الأموال المتحصلة أو المستخدمة في الجريمة، سواء كان الشخص فاعلاً أصلياً أو شريكاً أو مسهّلاً.

 

ورغم أن أشرف لم يكن العقل المدبر، إلا أن مشاركته في تمرير الأموال عرّضته للمساءلة، قضت المحكمة بحبسه لمدة خمس سنوات، وتغريمه مبلغاً مالياً كبيراً مع مصادرة الأموال التي مرّت عبر حسابه.

في تلك اللحظة لم تكن السنوات هي الأكثر إيلاماً، بل الشعور بأنه كان يمكن تفادي كل ذلك بسؤال واحد.

بعد العاصفة

قال أشرف لاحقاً:

“لم أكن مجرماً… لكن جهلي كاد يجعلني واحداً.

وأضاف:

حين يُطلب منك تمرير مال لا تعرف قصته فأنت لا تساعد شخصاً، أنت تساعد جريمة لا ترى بدايتها ولن تتحكم في نهايتها.

غسل الأموال لا يحتاج منك نية سيئة يكفي أن توافق دون تحقق، وقد لا ترى السلسلة كاملة لكنها قد تمر عبر حسابك.

المال النظيف مسؤولية والسؤال الصحيح قد ينقذك من سنوات لا تعود.

الجرائم المالية لا تبدأ دائماً بجريمة واضحة أحياناً تبدأ بلحظة جهل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى