مقالات

الصراع مع إيران وأسواق الطاقة: بين الصدمة والمرونة

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

 

تشكل التوترات المتصاعدة مع إيران، والتي بلغت ذروتها بالضربات الأمريكية والإسرائيلية على أهداف عسكرية إيرانية، اختباراً جديداً لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، خصوصاً فيما يتعلق بأسواق الطاقة. فإيران، التي تنتج نحو 3.1 ملايين برميل يومياً، تمثل لاعباً مهماً في معادلة العرض العالمي، إلا أن تأثير أي اضطراب في إنتاجها لا يُقاس فقط بحجم صادراتها، بل أيضاً بحساسية الأسواق لمخاطر أوسع تمتد إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل حوالي خمس تجارة النفط العالمية.

اقتصاد إيران تحت ضغط مزدوج

يعتمد الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة على قطاع النفط كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية والإيرادات الحكومية. وقد أضعفت العقوبات الدولية الممتدة لسنوات قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحديث بنيته التحتية، كما حدّت من وصوله إلى النظام المالي العالمي. وتصدر إيران حالياً ما بين 1.3 و1.5 مليون برميل يومياً، يذهب أكثر من 80% منها إلى المصافي الصينية بأسعار مخفضة، مستفيدةً من تكلفة إنتاج منخفضة تصل إلى 10 دولارات للبرميل فقط. ومع تصاعد المواجهات العسكرية، تتقلص قدرة طهران على تصدير النفط بشكل منتظم، ما يزيد الضغط على الموازنة العامة وسعر العملة المحلية ومعدلات التضخم. ورغم امتلاك إيران قاعدة صناعية وزراعية محلية تساعدها على الصمود النسبي، فإن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم التحديات الاقتصادية ويؤثر على مستويات المعيشة والاستقرار المالي الداخلي.

سوق النفط بين القلق والاحتواء

رغم حدة الخطاب العسكري وتبادل الضربات، والتي أدت إلى تعليق مؤقت للمرور عبر مضيق هرمز، لم تشهد الأسعار قفزات غير مسبوقة وغير محكومة. فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 13% لتتجاوز 82 دولاراً للبرميل قبل أن تهدأ قليلاً، مما يعكس وجود فائض نسبي في السوق العالمية وطاقات إنتاجية غير مستغلة لدى تحالف أوبك+ يمكن تفعيلها. ويُظهر هذا الهيكل أن سوق النفط اليوم أكثر مرونة مقارنة بفترات سابقة، خاصة مع الإعلان عن زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً.

وإذ كانت وكالة الطاقة الدولية قد توقعت فائضاً بنحو 4.4 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني. كما يمتلك تحالف أوبك+ أكثر من 4.1 ملايين برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية غير المستخدمة (باستثناء إيران)، تستحوذ السعودية وحدها على نحو 1.8 مليون برميل منها. وقد أعلن التحالف بالفعل عن زيادة إضافية قدرها 0.2 مليون برميل يومياً في أبريل، في إشارة إلى استعداده لتعويض أي تراجع في الإنتاج الإيراني.

علاوة على ذلك، تستطيع الصين – المشتري الرئيسي للنفط الإيراني – تعديل مزيج إمداداتها دون تشديد كبير للسوق العالمي، نظراً لتراكم احتياطيات نفطية كبيرة لديها في السنوات الأخيرة. لذلك، إذا بقيت خسائر الإنتاج محصورة في إيران، فمن المرجح أن تبقى آثارها على السوق العالمي محدودة. أما إغلاق مضيق هرمز فسيكون أكثر ضرراً بكثير، نظراً لاعتماد آسيا الكبير عليه في وارداتها النفطية.

غير أن السيناريو الأخطر يظل مرتبطاً بإغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز أو تعرض البنية التحتية النفطية في الخليج لأضرار واسعة. فمثل هذا التطور قد يرفع الأسعار سريعاً إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، ولو لفترة محدودة، ما ينعكس فوراً على تكاليف النقل والصناعة وأسعار المستهلكين حول العالم.

الغاز الطبيعي وأوروبا تحت الضغط

لم يقتصر التأثير على النفط، إذ شهدت أوروبا ارتفاعاً حاداً في أسعار الغاز الطبيعي مع تزايد المخاوف بشأن سلامة طرق الإمداد البحرية. فقد قفز سعر الغاز الهولندي، المؤشر القياسي لأوروبا، بنسبة تجاوزت 31% ليصل إلى 58.6 يورو للميغاواط/ساعي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ سنوات. ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى إغلاق إحدى كبرى شركات الغاز في العالم إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً بعد استهداف منشآتها، مما هدد بتقويض الإمدادات العالمية. ورغم أن الاتحاد الأوروبي يستورد فقط نحو 5% من احتياجاته من الغاز من الشرق الأوسط، فإن أي نقص في الإمدادات الآسيوية سيزيد المنافسة على الشحنات الأمريكية، مما يبقي الأسعار مرتفعة حتى بعد استئناف الإنتاج، خاصة مع انخفاض مستويات التخزين في أوروبا.

دول الخليج بين المخاطر والفرص

تمثل دول الخليج العربي قلب صناعة الطاقة العالمية، وبالتالي فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة يحمل تداعيات مباشرة عليها. فمن ناحية، قد تستفيد الدول المنتجة – مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت – من ارتفاع أسعار النفط عبر زيادة الإيرادات العامة وتحسن الفوائض المالية، ما يعزز قدرتها على تمويل مشاريع البنية التحتية وتنفيذ خطط التنويع الاقتصادي.

لكن في المقابل، فإن استمرار التوتر أو اتساعه يهدد المنشآت النفطية والموانئ وخطوط الملاحة، كما حدث مع المنشآت الغازية القطرية، ما يرفع تكاليف التأمين والنقل ويؤثر على ثقة المستثمرين. كما أن إغلاق مضيق هرمز، ولو لفترة قصيرة، قد يربك سلاسل التوريد ويؤدي إلى اضطرابات اقتصادية تتجاوز قطاع الطاقة لتطال قطاعات السياحة والخدمات والتمويل. ومن منظور استراتيجي، تدفع مثل هذه الأزمات دول الخليج إلى تسريع خطط تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، إضافة إلى تعزيز شراكاتها التجارية والأمنية مع قوى دولية كبرى لضمان استقرار الإمدادات.

هل يدوم أثر الصدمة؟

أظهرت السنوات الأخيرة أن أسواق الطاقة أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات بفضل تنوع المنتجين ومرونة الإنتاج وارتفاع المخزونات الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن العامل الحاسم يظل سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولى. فكلما طال أمد الصراع أو اتسع نطاقه، ازدادت احتمالات حدوث تقلبات حادة في الأسعار وتراجع الثقة الاستثمارية. ويرى محللون أن هناك احتمالاً كبيراً أن يتم حل النزاع في غضون أسابيع وتتعافى الأسواق، بينما يبقى السيناريو الأكثر تأثيراً هو التغيير الجذري في إيران، مما قد يزيل علاوة المخاطر الجيوسياسية من أسعار الطاقة على المدى الطويل.

خلاصة

يقف العالم أمام معادلة دقيقة: ارتفاع أسعار النفط قد يعزز إيرادات دول الخليج على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته مخاطر جيوسياسية واقتصادية إذا خرج التصعيد عن السيطرة، كما يهدد بعودة التضخم العالمي. وبين الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الإيراني والمكاسب المحتملة لدول الخليج، يبقى الاستقرار الإقليمي هو الضامن الحقيقي لاستمرار تدفق الطاقة ونمو الاقتصاد العالمي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى