تداعيات الصراع في إيران على الاقتصاد العالمي: آسيا في قلب العاصفة
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
يشهد العالم في عام 2026 مرحلة حرجة من التوترات الجيوسياسية مع تصاعد الصراع في إيران والتهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي الأهم لنقل الطاقة عالمياً. هذا التطور لم يعد مجرد حدث سياسي عابر، بل تحول إلى أزمة اقتصادية هيكلية، حيث تسبب في صدمة نفطية هي الأكبر منذ عقود، وضعت الاقتصادات الآسيوية أمام تحديات غير مسبوقة نظراً لاعتمادها المصيري على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق العالمية
يعتبر مضيق هرمز الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة النفط والغاز المسال في العالم. وتشير البيانات الإحصائية إلى أن متوسط تدفق النفط اليومي عبر المضيق يصل إلى حوالي 20 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل نحو 20% من إجمالي النفط المستهلك عالمياً. كما تمر عبره قرابة 27% من تجارة النفط المنقولة بحراً، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم. إن إغلاق هذا الممر يعني حرمان السوق العالمية من خُمس إمداداتها، وهو ما قد يدفع أسعار خام برنت للوصول إلى 150 دولاراً للبرميل في غضون أشهر قليلة إذا استمر الصراع.
آسيا: المتضرر الأكبر من الأزمة
تعتبر الدول الآسيوية الأكثر عرضة للمخاطر الاقتصادية الناتجة عن هذا الصراع. ففي عام 2024، توجهت 84% من صادرات النفط و 83% من صادرات الغاز المسال التي تمر عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية. وتعتمد كبرى اقتصادات المنطقة بشكل كثيف على هذا الممر المائي، حيث تحصل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان على 78% من إجمالي وارداتها من النفط الخام من الشرق الأوسط عبر المضيق. كما تستورد الهند أكثر من 60% من احتياجاتها النفطية من المنطقة، في حين ارتفع اعتماد سنغافورة على نفط الشرق الأوسط إلى أكثر من 70% في عام 2025.
التداعيات الاقتصادية الكلية
أدت الصدمة النفطية إلى موجة تضخمية عالمية، حيث تسببت زيادة أسعار الوقود في رفع تكاليف الإنتاج والنقل. وتشير التقديرات إلى أن بقاء أسعار النفط فوق مستوى 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين متتاليين قد يؤدي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول النامية في آسيا بنسب تتراوح بين 1.5% إلى 2%.
وقد اتخذت القوى الاقتصادية إجراءات متباينة لمواجهة هذه الضغوط؛ حيث قامت الصين بتقليص صادرات الوقود المكرر لضمان كفاية المخزون المحلي، بينما سعت الهند لتأمين ممرات بحرية بديلة وتعزيز التعاون الاستراتيجي مع دول منتجة أخرى. وفي المقابل، اضطرت دول مثل سريلانكا وبنغلاديش لتطبيق نظام تقنين صارم للوقود والكهرباء لتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل.
اضطرابات في سلاسل الإمداد غير النفطية
لا تقتصر الأزمة على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل صناعات استراتيجية أخرى تلعب فيها المنطقة دوراً محورياً. ففي قطاع الألومنيوم، تنتج دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 6.16 مليون طن متري سنوياً، ما يعادل 9% من الإنتاج العالمي و 22% من الإنتاج العالمي خارج الصين. أما في قطاع الأسمدة، فيمر حوالي 25% إلى 30% من صادرات الأسمدة النيتروجينية والأمونيا العالمية عبر مضيق هرمز، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي. كما تبرز أزمة الهيليوم بوضوح، حيث تساهم قطر بنحو 33% إلى 36% من الإمدادات العالمية، وهو عنصر حيوي لا غنى عنه لصناعة أشباه الموصلات والأجهزة الطبية المتطورة.
خاتمة واستشراف المستقبل
رغم أن الاقتصاد العالمي في عام 2026 يمتلك مرونة أكبر بفضل التوسع في الطاقة المتجددة وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، إلا أن حجم الصدمة الناتجة عن الصراع في إيران يبقى هائلاً. إن هذه الأزمة تؤكد ضرورة تسريع التحول الطاقي وتنويع سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية التي قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي في أي لحظة.




