نهاية عهد باول: سياسة الانتظار والترقب في عالم مضطرب
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
مع اقتراب نهاية ولاية جيروم باول على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في 15 مايو 2026، يختتم البنك المركزي الأكثر تأثيراً في العالم ولايته بنبرة حذرة. في اجتماع 29 أبريل 2026، قرر الفيدرالي بالإجماع تثبيت أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي، ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%.
هذا القرار لم يكن مفاجئاً، بل يعكس إجماعاً واسعاً داخل الأسواق المالية على أن الأولوية اليوم هي قراءة المشهد بعناية فائقة. والوقت ليس مناسباً لتحركات جذرية في ظل التضخم العنيد والمخاطر الجيوسياسية التي تلوح في الأفق.
ارتفاع حاد في التضخم
التضخم لا يزال أعلى من المستهدف بكثير ليصب الزيت على النار. قفز معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 3.3% في مارس 2026، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2024، مقارنة بـ 2.4% فقط في شهري يناير وفبراير. المحرك الأساسي لهذه القفزة كان أسعار الطاقة، التي ارتفعت بنسبة 12.5% سنوياً. فأسعار البنزين ارتفعت بنسبة 18.9%، وزيت التدفئة بقفزة هائلة بلغت 44.2%، مما اضطر المستهلكين لدفع 4 دولارات للجالون الواحد لأول مرة منذ 3 سنوات. أما التضخم الأساسي (باستثناء الغذاء والطاقة)، فارتفع بشكل طفيف إلى 2.6% فقط.
سوق العمل: صمود غير متوقع
يُظهر الاقتصاد قدرًا من الصلابة في سوق العمل. ففي مارس 2026، انخفض معدل البطالة إلى 4.3%، بعد أن وصل إلى 4.4% في فبراير، وهو الأدنى منذ يناير. كما أضاف الاقتصاد 178 ألف وظيفة جديدة، متجاوزاً توقعات المحللين التي كانت تشير إلى إضافة 60 ألف وظيفة فقط. ومع ذلك، تُظهر بيانات أخرى بعض التباطؤ في نمو الأجور وارتفاعاً في عدد العاطلين عن العمل مقارنة بالعام الماضي.
تباطؤ النمو الاقتصادي
رغم ذلك، تظهر علامات مقلقة على تباطؤ النمو. بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من 2026 حوالي 2.2% فقط.
الحرب في إيران وأسعار النفط
الآن يأتي العامل الأكثر خطورة وإرباكاً: التوترات الجيوسياسية. فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ أوائل عام 2026 لم تعد مجرد خلفية بعيدة، بل عنصراً مباشراً في معادلة السياسة النقدية. فالحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية, وتوقف جزء من الإمدادات النفطية الخليجية، جعلا أسعار خام برنت تقفز إلى حوالي 121.28 دولاراً للبرميل.
هذا الواقع يضع الفيدرالي في معضلة حقيقية بين كبح التضخم ودعم النمو، مما يفسر حالة “الانقسام المحدود” داخل لجنة السوق المفتوحة. فمنذ أشهر، انقسم الأعضاء بين تيار يدعو لخفض الفائدة فوراً وآخر يرفض حتى الإشارة الضمنية إلى خفض محتمل في المستقبل.ال
في المحصلة، يختار الفيدرالي التريث في لحظة عالمية معقدة. إنها نهاية عهد لا تُختتم بقرارات صاخبة، بل بسياسة محسوبة بدقة تراقب أكثر مما تتحرك، وتنتظر أكثر مما تبادر.




