“الضمانات العائمة”… حين يتبخر الرهن في أتون الإفلاس
قراءة في مصير ديون البنوك أمام فقه التمييز الكويتي
بقلم: المستشار/ د. وسيم أحمد العبدالله
في المعترك المالي، حيث تتراقص المليارات على حبال الائتمان، تقف البنوك كحارس أمين على خزائن الاقتصاد. سلاحها الأبرز هو “الضمانات”، تلك الأقفال القانونية التي تحمي قروضها من تقلبات السوق ومخاطر التعثر. لكن، ماذا لو كان القفل نفسه وهمًا؟ ماذا لو كانت الضمانة التي بدت صخرة صلبة، مجرد سراب يتبخر عند أول عاصفة إفلاس تضرب العميل؟ هذه ليست مجرد فرضية، بل هي معضلة قانونية عميقة تُعرف بـ “أزمة الضمانات العائمة على أصول مستقبلية”، وهي ساحة صراع فكري وقضائي تختبر ذكاء البنوك وحصافة القضاء.
إن التطور المذهل في أدوات التمويل دفع البنوك إلى ابتكار هياكل ائتمانية معقدة. لم يعد الرهن يقتصر على عقار قائم أو أصل مملوك، بل امتد ليشمل “الأصول المستقبلية” للعميل: بضائع لم تصل بعد، مستحقات مالية لدى الغير لم يحن أجلها، أو حتى تدفقات نقدية متوقعة. يُبرم البنك عقد رهن على هذه “الأصول العائمة”، معتقداً أنه قد أحكم قبضته على الدين. لكن الكارثة تقع حين يتعثر العميل ويشهر إفلاسه قبل أن تتبلور هذه الأصول وتتحول إلى واقع ملموس.
المعضلة القضائية: صراع بين دائن مرتهن وجماعة الدائنين
هنا ينشأ الصدام القانوني الأعنف: البنك، بوصفه “دائنًا مرتهنًا”، يتقدم للمطالبة بحقه الحصري في استيفاء دينه من هذه الأصول المستقبلية التي أصبحت جزءًا من “تفليسة” المدين. وفي المقابل، يقف “أمين التفليسة” (السنديك)، ممثلاً لـ “جماعة الدائنين” العاديين، صارخًا بأن هذه الأصول لم تكن موجودة فعليًا في حيازة المدين عند إبرام الرهن، وبالتالي لا ينعقد الرهن عليها، ويجب أن تدخل ضمن أموال التفليسة لتُقسم قسمة الغرماء بين جميع الدائنين.
يحتدم الجدل: هل العبرة بنية المتعاقدين لحظة توقيع عقد الرهن، أم العبرة بالوجود الفعلي للأصل المرهون وانتقال حيازته؟ هل يمكن لرهن أن يسبق وجود محله؟
فقه محكمة التمييز الكويتية: ميزان العدالة وحسم الجدل
لقد تصدت محكمة التمييز الكويتية، بصفتها قمة الهرم القضائي، لهذه الإشكالية الدقيقة في العديد من أحكامها التي أصبحت منارات يهتدي بها الفقه والقضاء. أرست المحكمة مبدأً قضائياً راسخاً، يوازن بحكمة بين ضرورة استقرار المعاملات المصرفية وحماية حقوق سائر الدائنين.
في أحد اجتهاداتها البارزة، فرّقت محكمة التمييز بين نوعين من الأصول المستقبلية:
* الأصل المستقبلي المحقق الوجود: وهو ما كان وجوده مؤكداً وإن تأخر تحققه، كدين للعميل في ذمة الغير ثابت بمستندات لكنه مؤجل السداد. هنا، اعتبرت المحكمة أن الرهن ينعقد صحيحاً ومنتجاً لآثاره من تاريخ الاتفاق، لأن محله “موجود حكماً”.
* الأصل المستقبلي الاحتمالي: وهو ما كان وجوده معلقاً على محض الصدفة أو على عمل مستقبلي غير مؤكد، كبضاعة ينوي العميل استيرادها دون وجود عقد استيراد بات. في هذه الحالة، استقر قضاء التمييز على أن “الرهن لا يرد على شيء مستقبل غير محقق الوجود“، وأن مثل هذا الاتفاق لا يعدو كونه “وعداً بالرهن” لا يمنح البنك أي حق امتياز على هذه الأموال إذا أشهر إفلاس المدين قبل دخولها في حوزته. فحق الامتياز الناشئ عن الرهن لا ينهض إلا على مال مملوك للمدين بالفعل.
بهذا التمييز الدقيق، وضعت المحكمة حداً للمغالاة في قبول الضمانات الوهمية، مؤكدةً أن مبدأ “تخصيص الرهن” يقتضي أن يكون المال المرهون معيناً تعييناً نافياً للجهالة، وهو ما لا يتوافر في الأصول الاحتمالية البحتة.
دروس مستفادة للبنوك والشركات: ما وراء نص الحكم
إن هذه الاجتهادات القضائية ليست مجرد نصوص قانونية جامدة، بل هي دروس استراتيجية حية يجب على إدارات المخاطر والشؤون القانونية في البنوك والشركات الكبرى أن تعيها جيداً:
* العناية الواجبة في تقييم الضمانات: لم يعد كافياً قبول أي أصل كضمانة. يجب إجراء فحص قانوني ومالي عميق (Due Diligence) للتأكد من طبيعة الأصل المرهون: هل هو محقق الوجود أم مجرد احتمال؟
* تجنب “الرهون الشبحية“: يجب الحذر من بناء قرارات ائتمانية ضخمة على “ضمانات عائمة” أو “رهون شبحية” قد تتبخر قانونياً عند أول اختبار جدي.
* أهمية الحيازة القانونية: في المنقولات، الحيازة هي جوهر الرهن. يجب على البنوك ابتكار آليات تضمن لها نوعاً من السيطرة أو الحيازة الحكمية على الأصول المستقبلية بمجرد تحققها، كاشتراط إيداع المستندات الدالة عليها لديها فوراً.
* التنويع في الضمانات: الاعتماد على نوع واحد من الضمانات، خاصة إذا كان مستقبلياً، هو مقامرة عالية المخاطر. الحكمة تقتضي بناء هيكل ضمانات متنوع يجمع بين الأصول القائمة والمستقبلية المحققة.
في الختام، إن العلاقة بين البنوك والقانون ليست علاقة امتثال فحسب، بل هي علاقة ذكاء وحصافة. فالبنك الذي يقرأ ما بين سطور أحكام القضاء، ويفهم فلسفة المشرع، ويستبق المخاطر قبل وقوعها، هو وحده من يستطيع أن يبحر بأمان في محيط الاقتصاد الهائج، محولاً التحديات القانونية إلى فرص لتعزيز مركزه المالي وحماية أموال المودعين.




