مقالات

دروس من جائحة كورونا ورسالة إلى ملاك المجمعات التجارية وتجار التجزئة

التضامن الاقتصادي في أوقات الأزمات

 

بقلم – الخبيرة العقارية – سبيكة محمد البحر
مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقارية- عضو IVSC، اتحاد الوسطاء العقاريين 

 

يمر سوق التجزئة في الكويت اليوم بمرحلة حساسة تتسم بدرجة عالية من الحذر والترقب. فالمؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى تباطؤ ملحوظ في حركة الأسواق، وهو أمر لم يأتِ فجأة، بل بدأ قبل التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وخصوصاً في منطقة الخليج أصبحت الأسواق أكثر تأثراً بعوامل عدم اليقين، وهو ما انعكس على سلوك المستهلكين وعلى قرارات المستثمرين والتجار على حد سواء.

فالتاجر اليوم أصبح أكثر تحفظاً في اتخاذ قرارات التوسع أو افتتاح فروع جديدة، والمستثمر بات يعيد حساباته قبل الدخول في التزامات طويلة الأمد، بينما يميل المستهلك إلى تقليص الإنفاق والتركيز على الأولويات. وكل هذه العوامل مجتمعة تؤثر بشكل مباشر على قطاع التجزئة والمجمعات التجارية التي تعتمد في نجاحها على استمرارية الحركة التجارية داخلها.

وفي مثل هذه الظروف، من المهم أن نستحضر تجربة قريبة مر بها العالم بأسره عندما اجتاح وباء COVID-19 الاقتصاد العالمي. تلك الجائحة لم تكن مجرد أزمة صحية عابرة، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق على التكيف مع الأزمات المفاجئة.

ففي تلك الفترة، شهدت العديد من الأنشطة التجارية توقفاً شبه كامل نتيجة الإغلاقات الاحترازية، وتراجعت الحركة في المجمعات التجارية بشكل غير مسبوق وأمام هذا الواقع الصعب، وجد كثير من التجار أنفسهم أمام التزامات مالية ثابتة في وقت توقفت فيه مصادر الدخل أو تراجعت بشكل كبير.

ومن واقع تجربتي العملية في إدارة الأصول العقارية خلال تلك المرحلة، أدركنا أن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يكون بمنطق العلاقة التقليدية بين مؤجر ومستأجر، بل بمنطق الشراكة الاقتصادية التي تقوم على المصالح المشتركة. لذلك اتخذنا قراراً بدعم المستأجرين عبر تخفيض الإيجارات بنسبة 50% لمدة ثلاثة أشهر، وهو قرار لم يكن سهلاً من الناحية المالية، لكنه كان قراراً استراتيجياً يهدف إلى الحفاظ على استمرارية الأنشطة التجارية داخل المجمعات.

وقد أثبتت التجربة لاحقاً أن هذا التوجه لم يكن خسارة للملاك، بل كان استثماراً في استقرار السوق على المدى الطويل. فالمستأجر الذي يشعر بوجود شريك حقيقي يقف معه في أوقات الأزمات يكون أكثر التزاماً واستقراراً في المستقبل، كما أن استمرارية الأنشطة التجارية داخل المجمعات تحافظ على جاذبيتها وقيمتها الاقتصادية.

فالمجمع التجاري الناجح لا يقاس فقط بقيمة الإيجارات التي يحصل عليها المالك، بل يقاس أيضاً بقدرته على الحفاظ على حركة تجارية نشطة ومتنوعة داخله. فوجود محلات مغلقة أو مساحات شاغرة لفترات طويلة ينعكس سلباً على سمعة المجمع وعلى حركة الزوار، وبالتالي على العائد الاقتصادي للجميع.

واقع سوق المجمعات التجارية في الكويت

شهدت الكويت خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في إنشاء المجمعات التجارية والمراكز الترفيهية، وهو توسع ساهم في تنشيط القطاع التجاري وإيجاد بيئة تنافسية بين المراكز المختلفة. إلا أن هذا التوسع في المعروض التجاري أدى في الوقت ذاته إلى زيادة المنافسة بين المجمعات، الأمر الذي انعكس على نسب الإشغال وعلى قدرة بعض المراكز على الحفاظ على مستوى الحركة التجارية المطلوب.

فمع زيادة عدد المجمعات التجارية وتنوعها، أصبح التاجر أمام خيارات متعددة من حيث الموقع وقيمة الإيجار وطبيعة الجمهور المستهدف. وهذا الواقع جعل المنافسة بين المجمعات لا تعتمد فقط على الموقع الجغرافي، بل أيضاً على جودة الإدارة، ونوعية الأنشطة، والقدرة على جذب العلامات التجارية المميزة.

كما أن تغير أنماط الاستهلاك لدى الأفراد أصبح عاملاً مهماً في إعادة تشكيل سوق التجزئة. فالمستهلك اليوم يبحث عن تجربة متكاملة تجمع بين التسوق والترفيه والخدمات، ولم يعد المجمع التجاري مجرد مكان للبيع والشراء فقط، بل أصبح وجهة اجتماعية وترفيهية أيضاً.

في ظل هذه المعطيات، يواجه كل من ملاك المجمعات التجارية وتجار التجزئة مجموعة من التحديات المشتركة. فالملاك يسعون إلى الحفاظ على نسب إشغال مرتفعة لضمان استقرار العوائد الاستثمارية، بينما يسعى التجار إلى تحقيق مبيعات كافية تمكنهم من تغطية التكاليف التشغيلية والاستمرار في السوق.

وفي الفترات التي تشهد تباطؤاً اقتصادياً، يصبح التحدي أكبر للطرفين. فارتفاع التكاليف التشغيلية، وتراجع القوة الشرائية نسبياً، وزيادة المنافسة بين الأنشطة التجارية، كلها عوامل تضغط على التاجر، وقد تؤثر في قدرته على الاستمرار إذا لم تكن هناك مرونة في التعامل مع الظروف الاستثنائية.

ومن هنا فإن مفهوم التضامن الاقتصادي يصبح أكثر أهمية في مثل هذه الظروف. فالقطاع التجاري بطبيعته يعتمد على التوازن بين المالك والمستأجر، وأي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى نتائج سلبية على السوق ككل.

فالمرونة في إدارة العلاقة التعاقدية في أوقات الأزمات لا تعني التنازل عن الحقوق، بل تعني إدارة الأزمة بعقل اقتصادي طويل المدى فقد يكون من الأفضل أحياناً تقديم تسهيلات مؤقتة أو إعادة هيكلة بعض الالتزامات المالية بشكل مرحلي، بدلاً من خسارة مستأجر ناجح كان يمثل جزءاً من المنظومة التجارية داخل المجمع.

كما أن الحفاظ على استقرار قطاع التجزئة لا يخدم التجار فقط، بل يخدم أيضاً الاقتصاد المحلي بشكل عام، نظراً لما يمثله هذا القطاع من دور مهم في توفير فرص العمل وتنشيط الحركة الاقتصادية.

لقد علمتنا جائحة كورونا درساً مهماً مفاده أن الأسواق لا تُدار فقط بالأرقام والعقود، بل تُدار أيضاً بروح الشراكة والتفاهم بين مختلف الأطراف. واليوم، ونحن نواجه مرحلة جديدة من التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، يصبح من الضروري استحضار تلك التجربة والبناء عليها.

فالتضامن بين ملاك المجمعات التجارية وتجار التجزئة ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو خيار اقتصادي عقلاني يهدف إلى حماية استقرار السوق واستدامته. فالأزمات بطبيعتها قد تكون مؤقتة، لكن القرارات التي تُتخذ خلال هذه الأزمات هي التي تحدد قدرة السوق على التعافي والنمو في المستقبل.

وفي نهاية المطاف، تبقى قوة أي سوق اقتصادية في قدرتها على التماسك في أوقات الأزمات، وعلى تحويل التحديات إلى فرص لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الشراكة بين جميع الأطراف.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى