النفط عند مفترق طرق: كيف تدفع الجغرافيا السياسية الأسعار إلى حدود غير مسبوقة؟
بقلم/د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
في لحظة يتشابك فيها السياسة بالطاقة، تقف الأسواق العالمية أمام واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ عقود. فقد قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، مسجّلة ارتفاعًا بنسبة 73% منذ بداية العام، مدفوعة بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف من اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية.
لم يكن هذا الارتفاع مجرد انعكاس لتحسن الطلب (الذي لم يتجاوز +2.4% على أساس سنوي)، ولا نقصًا تقليديًا في المعروض (الذي يبلغ حاليًا 3.2 مليون برميل يوميًا أقل من ذروة 2019)، بل جاء نتيجة مباشرة لعامل أكثر خطورة: الجغرافيا السياسية. ومع تجاوز سعر خام برنت حاجز 122 دولارًا للبرميل (بارتفاع 47 دولارًا خلال 8 أسابيع فقط)، بدأت الأسواق تتعامل مع سيناريوهات كانت حتى وقت قريب بعيدة الاحتمال.
مضيق هرمز: عنق الزجاجة الذي يخنق السوق
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا تمر عبره 20.5 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل 21% من الإمدادات العالمية من النفط و 25% من الغاز المسال. إغلاق هذا المضيق، حتى بشكل جزئي بنسبة 30%، لا يعني فقط تعطّل الإمدادات، بل يشكل صدمة فورية للأسعار.
وقد أدى التهديد الفعلي بتعطيل الملاحة إلى قفزة حادة، إذ تضاعف سعر النفط تقريبًا منذ أواخر فبراير (من 63 دولارًا إلى 122 دولارًا)، في مؤشر واضح على مدى هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية. تجدر الإشارة إلى أن 17% من ناقلات النفط غيرت مسارها خلال الأسبوعين الماضيين، مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن بنسبة 240% (من 25 ألف دولار إلى 85 ألف دولار يوميًا للناقلة العملاقة).
التصعيد الأمريكي–الإيراني: خطر الحرب المفتوحة
تزايدت حدة التوتر مع تقارير تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس 4 خيارات عسكرية لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي. وبينما تبدو فرص الحل الدبلوماسي ضعيفة في المدى القريب (لا تتجاوز 15% وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية)، تتجه الأنظار إلى احتمالية تصعيد عسكري قد يطيل أمد الأزمة إلى 6-18 شهرًا.
هذا التصعيد لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ، خاصة إذا استمر تعطّل الإمدادات لفترة طويلة. ففي السيناريو الأسوأ، قد يفقد السوق 4-6 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل 5% من الاستهلاك العالمي.
ة دور محدود لـ OPEC+ في احتواء الأزمة
في محاولة لتهدئة الأسواق، تسعى أوبك+ إلى زيادة الإنتاج بشكل طفيف بمقدار 400 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من الشهر المقبل. إلا أن هذه الجهود تبدو محدودة التأثير، في ظل عجز العديد من الدول عن رفع إنتاجها (القدرة الاحتياطية الفعلية لا تتجاوز 2.1 مليون برميل يوميًا، أغلبها في السعودية والإمارات)، واستمرار تعطل الإمدادات من الخليج.
أما الأنباء عن نية بعض الأعضاء (مثل الإمارات) إعادة النظر في عضويتهم بأوبك، فيُنظر إليها كعامل قد يؤثر على توازن السوق مستقبلًا، لكنه لا يحمل تأثيرًا فوريًا في ظل الظروف الحالية. يذكر أن أوبك+ تسيطر حاليًا على 58% فقط من سوق النفط (مقابل 72% قبل 5 سنوات).
تدمير الطلب: التوازن القاسي
في ظل هذه الأسعار المرتفعة، بدأ يظهر ما يُعرف بـ”تدمير الطلب”، حيث يلجأ المستهلكون والشركات إلى تقليص استهلاكهم من الطاقة. وتشير التقديرات إلى فقدان نحو 1.6 مليون برميل يوميًا من الطلب العالمي، أي ما يعادل 1.6% من الاستهلاك الكلي (الذي يبلغ حوالي 101 مليون برميل يوميًا).
لكن هذا التراجع، رغم أهميته، لا يكفي لتعويض فجوة العرض الحالية المقدرة بـ 2.3 مليون برميل يوميًا، ما يبقي الأسعار تحت ضغط صعودي مستمر. علمًا أن مرونة الطلب على النفط في المدى القصير تبلغ حوالي -0.05 فقط، أي أن ارتفاع السعر بنسبة 10% يخفض الطلب بنسبة 0.5% فقط.
تداعيات عالمية: تضخم وضغوط اقتصادية
ارتفاع أسعار النفط لا يتوقف عند حدود أسواق الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله:
• عودة التضخم: كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل ترفع التضخم العالمي بنسبة 0.4 نقطة مئوية في العام التالي. عند المستوى الحالي، هذا يعني إضافة 1.2 نقطة إلى معدلات التضخم.
• تباطؤ النمو الاقتصادي: تشير نماذج صندوق النقد الدولي إلى أن سعر 120 دولارًا للبرميل يخفض النمو العالمي بنسبة 0.6% خلال عام.
• ضغوط سياسية: في الولايات المتحدة، يرتبط كل ارتفاع بـ 10 سنتات في سعر غالون البنزين (الذي وصل الآن إلى 4.80 دولار) بانخفاض 1 نقطة في نسبة تأييد الرئيس.
الخلاصة: سوق تقوده المخاطر لا الأساسيات
ما يحدث اليوم في سوق النفط هو مثال واضح على هيمنة “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي تقدر حاليًا بنحو 25-30 دولارًا للبرميل (مقابل متوسط تاريخي 5-10 دولارات). فالأسعار لم تعد تعكس فقط العرض والطلب، بل أصبحت رهينة لتطورات سياسية قد تتغير في أي لحظة.
في ظل هذه المعطيات، تبقى الأسواق معلّقة بين سيناريوين متناقضين:
• سيناريو التهدئة (احتمال 40%): عودة الأسعار إلى نطاق 75-85 دولارًا خلال 3-6 أشهر.
• سيناريو التصعيد (احتمال 35%): قفز الأسعار إلى 150-180 دولارًا للبرميل، مع بلوغ ذروة قد تلامس 200 دولار في حال نشوب حرب واسعة.
وبين هذا وذاك، يظل النفط مرآة تعكس ليس فقط حالة الاقتصاد، بل أيضًا توترات العالم. والأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة، لكنها بلا قلب تخبرنا: العالم على حافة أزمة طاقة لم يشهد مثلها منذ عام 1979.




