الكويت والذكاء الاصطناعي: نستثمر فيه…. فهل نستفيد منه محلياً؟

بقلم / فارس مساعد عبدالله
مستثمر في السوق الكويتي
بدأ اهتمامي بهذا الموضوع من الأخبار المحلية التي تتحدث عن استثمارات الكويت وعلاقاتها المتنامية بقطاع الذكاء الاصطناعي؛ من شراكات مع شركات عالمية، إلى استثمارات في التقنيات والبنية التحتية الرقمية التي يتوقع أن تقود جانباً مهماً من الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
هذه الأخبار إيجابية، وتدل على إدراك أهمية هذا القطاع، لكنها ولّدت لدي سؤالاً بسيطاً يستحق النقاش:
| هل ستبقى استفادة الكويت من الذكاء الاصطناعي في حدود العوائد الاستثمارية، أم سنرى أثره داخل الدولة أيضاً؟ |
| الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيق |
كثير منا يستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. نسأله، ونطلب منه مقارنة الخيارات، وترتيب الأفكار، وتحليل المعلومات، ومساعدتنا في الوصول إلى قرار أوضح.
ورغم أن البيانات التي يقدمها الفرد له محدودة، فإنه يستطيع:
* جمع المعلومات المتفرقة.
* مقارنة الخيارات بسرعة.
* إبراز تفاصيل قد لا ننتبه إليها.
* توفير الوقت والجهد.
* دعم اتخاذ القرار.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع تعزيز قدرة شخص واحد على التفكير والاختيار، فتخيل، عزيزي القارئ، أثره عندما يستخدم على مستوى دولة كاملة.
| الكويت تملك البيانات |
الكويت، مثل بقية الدول، تمتلك كميات هائلة من البيانات في قطاعات متعددة، مثل الصحة والتعليم والنفط والطاقة والمرور والجمارك والمعاملات الحكومية والإنفاق العام.
لكن القيمة لا تكمن في وجود البيانات وحدها، بل في القدرة على قراءتها وربطها وتحليلها وتحويلها إلى قرارات أفضل.
ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل في تفرقها بين جهات وأنظمة وملفات مختلفة، وعدم الاستفادة الكاملة منها عند التخطيط أو اتخاذ القرار.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي: ليس في صناعة معلومات جديدة، بل في مساعدة الدولة على فهم ما تملكه بالفعل بصورة أسرع وأشمل.
| ماذا يمكن أن يغيّر؟ |
لو استُخدم الذكاء الاصطناعي بفاعلية داخل مؤسسات الدولة، فقد يساهم في:
* تحسين القرار الحكومي من خلال تحليل كميات كبيرة من المعلومات.
* رفع كفاءة الخدمات الصحية والحكومية والقطاعات الحيوية.
* اكتشاف الأخطاء والهدر والأنماط غير الطبيعية مبكراً.
* التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها أو قبل أن تتفاقم.
* تحسين توزيع الموارد والخدمات وفق الحاجة الفعلية.
فالقرار الذي يتخذه الفرد يؤثر غالباً في حياته وحده، بينما القرار الأفضل على مستوى الدولة قد ينعكس على المجتمع كله، وعلى الاقتصاد وجودة الخدمات وإدارة الموارد.
| الاستثمار لا يعني التطبيق |
من الممكن أن تحقق الكويت عوائد مالية جيدة من استثماراتها في الشركات والمشروعات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهذا أمر مهم ومطلوب.
لكن الاستثمار في التقنية لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على استخدامها داخل الدولة.
هناك فرق بين أن تستثمر الكويت في شركة تقنية عالمية، وبين أن تستفيد وزاراتها ومؤسساتها من المعرفة والخبرة والتطبيقات التي تنتجها هذه الشركات.
ومن هنا يظهر السؤال الأساسي:
| هل ستتحول استثمارات الكويت وعلاقاتها العالمية إلى معرفة وخبرة وتطبيقات داخل البلاد، أم سيبقى أثرها محصوراً في المحافظ الاستثمارية؟ |
| هل نكرر تجربة الاستيراد؟ |
اعتادت الكويت، مثل كثير من الدول، على استيراد السيارات والمعدات والتقنيات والعديد من السلع الأساسية. وهذا أمر طبيعي، فلا توجد دولة تصنع كل ما تحتاج إليه.
لكن الاعتماد الكامل على الخارج يجعل المستورد مرتبطاً بالمورد في السعر والصيانة والتحديث واستمرار الخدمة.
وفي الذكاء الاصطناعي تصبح المسألة أكثر حساسية، لأننا لا نتحدث عن سلعة عادية، بل عن أنظمة قد تدخل في بيانات الدولة وقراراتها وخدماتها الأساسية.
فعندما ترتبط وزارة أو مستشفى أو قطاع حيوي بنظام لا يفهمه أو يطوره إلا المورد الخارجي، قد تتحول العلاقة من شراء خدمة إلى اعتماد طويل الأمد على من يملك النظام ويحدد تحديثاته وشروط استخدامه.
المشكلة ليست في استيراد التقنية أو التعاون مع الشركات العالمية، بل في أن نستوردها من دون أن تنتقل إلينا المعرفة المرتبطة بها.
| لسنا مطالبين بصناعة كل شيء |
طرح هذه التساؤلات لا يعني أن الكويت مطالبة بصناعة الشرائح الإلكترونية أو منافسة أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
حتى الدول المتقدمة تعتمد على تقنيات وشراكات تأتي من الخارج.
لكن هناك فرقاً بين دولة تشتري التقنية وتفهمها وتديرها، وبين دولة تكتفي بشرائها واستخدامها.
فالاستفادة الحقيقية لا تعني أن نصنع كل شيء، بل ألا نتحول إلى مستخدم دائم لا يملك إلا الدفع والانتظار والاعتماد على البائع.
| دول الجوار تنظر إليه كقوة |
ما يدفع إلى طرح هذا النقاش أيضاً هو ما نراه من اهتمام واضح في دول الجوار، التي لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة استثمارية فقط، بل جزءاً من مستقبل الاقتصاد والدولة والخدمات العامة.
وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل يحظى الملف في الكويت بالاهتمام نفسه؟ وهل يجري التعامل معه كاستثمار مالي فقط، أم كقدرة يمكن أن تعزز كفاءة الدولة وموقعها مستقبلاً؟
نتمنى أن يكون هذا الموضوع حاضراً لدى الجهات المعنية، حتى إن لم تظهر جميع تفاصيله أمام الرأي العام، وأن تتم دراسته والتعامل معه بالجدية التي يستحقها.
| أخبار نأمل أن نقرأها |
كما نفرح بأخبار استثمارات الكويت الخارجية في الذكاء الاصطناعي، نتمنى أن نقرأ بالتوازي أخباراً عن:
* تطبيقه في الصحة والنفط والمرور والخدمات.
* بناء خبرات وكفاءات وطنية قادرة على فهمه وإدارته.
* انعكاس الشراكات العالمية على الاقتصاد والمجتمع داخل الكويت.
فالاستثمار الخارجي يحافظ على الثروة وينميها، أما التطبيق المحلي فيرفع كفاءة الدولة ويبني المعرفة ويفتح فرص المستقبل.
| سؤال مفتوح للنقاش |
الكويت تملك المال والبيانات والعلاقات الدولية، وتستثمر في قطاع يتجه إليه العالم بسرعة.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو:
| هل سنكون مستثمرين ومستخدمين للذكاء الاصطناعي فقط، أم سنحوّل استثماراتنا وعلاقاتنا إلى قدرة حقيقية تعزز إمكانات الدولة وتنعكس على حياة المواطن؟ |
نأمل أن نرى أخبار التطبيق والاستفادة المحلية بالتوازي مع أخبار استثمارات الكويت في الذكاء الاصطناعي حول العالم، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بما نملكه في الخارج، بل أيضاً بما نبنيه ونستفيد منه في الداخل.




