مقالات

التمويل السكني عبر البنوك… حل للإسكان أم سوق جديدة للأرباح؟

 

  • قراءة في أسباب إشراك البنوك، ومكاسب القطاع المصرفي، والأثر المتوقع على المواطن والاقتصاد

 

بقلم: فارس مساعد عبدالله
مستثمر في السوق الكويتي

 

قرأنا خلال الفترة الأخيرة أخباراً متزايدة عن قرب إطلاق منظومة جديدة للتمويل السكني في الكويت، بالتزامن مع استعداد عدد من البنوك لتقديم منتجات وبرامج مرتبطة بالبناء والسكن، وانتظار صدور القانون والضوابط المنظمة.

ومع تكرار هذه الأخبار، لم يعد الموضوع مجرد خبر مصرفي عابر، بل تحول إلى نقاش اقتصادي وسكني أوسع يطرح أسئلة مهمة:

* لماذا تتجه الحكومة إلى إشراك البنوك التجارية في تمويل السكن؟

* كيف ستعمل المنظومة الجديدة؟

* ما الذي ستستفيده البنوك؟

* وهل يقتصر أثرها على المواطن المستحق، أم يمتد إلى قطاعات واسعة في الاقتصاد؟

ما أطرحه ليس شرحاً رسمياً أو معلومة نهائية مؤكدة، بل تصور شخصي وصلت إليه بعد متابعة ما نُشر والبحث في التقارير والأخبار المتداولة، خصوصاً أن التفاصيل الكاملة للمنظومة لم تصدر حتى الآن.

  • كيف أفهم آلية التمويل؟

بحسب ما توصلت إليه، قد تقوم الفكرة على أن توفر البنوك التجارية التمويل للمواطن المستحق، على أن يسدد المواطن أصل المبلغ، بينما تتحمل الحكومة تكلفة الأرباح أو العوائد المتعلقة بالجزء المدعوم، وفق الحدود والشروط التي ستحددها الجهات المختصة لاحقاً.

وإذا كان هذا الفهم قريباً من الصورة النهائية، فنحن لا نتحدث عن مجرد زيادة في قيمة القرض السكني، بل عن إعادة توزيع للأدوار:

* الحكومة تحدد المستحقين وتنظم الدعم.

* البنوك توفر السيولة وتدير التمويل.

* المواطن يسدد أصل المبلغ وفق مدة طويلة.

* القطاع الخاص يشارك في البناء والتوريد والخدمات المرتبطة بالمنزل.

وهذا التحول يعني أن ملف السكن قد ينتقل من نموذج يعتمد بصورة أساسية على التمويل الحكومي المباشر، إلى نموذج تشارك فيه الدولة والبنوك والقطاع الخاص.

تصور مبسط لرحلة المواطن من التخطيط وتقديم الطلب إلى صرف الدفعات وإنجاز المنزل

  • لماذا لجأت الحكومة إلى البنوك؟

حسب تحليلي، يبدو أن أحد الأسباب الرئيسية هو تخفيف الضغط المالي والإداري عن بنك الائتمان.

فمع ارتفاع تكاليف البناء وتزايد أعداد المستحقين، يصبح استمرار جهة حكومية واحدة في توفير كامل السيولة المطلوبة أكثر صعوبة على المدى الطويل.

دخول البنوك قد يحقق عدة أهداف في وقت واحد:

* توفير مصادر تمويل إضافية.

* توزيع الطلبات على أكثر من جهة.

* تسريع دراسة الملفات والموافقات.

* تسهيل صرف دفعات البناء ومتابعتها.

* الاستفادة من الأنظمة الرقمية للبنوك.

* الاستفادة من خبراتها الائتمانية والتشغيلية.

* تقليل الحاجة إلى توفير كامل مبالغ التمويل الحكومي مقدماً.

وبهذه الصورة، لا تتوقف الحكومة عن دعم المواطن، لكنها تغير طريقة تقديم الدعم، من تمويل كامل ومباشر إلى نموذج تشارك فيه البنوك بتوفير السيولة.

عميل استراتيجي تتنافس عليه البنوك

من زاوية البنوك، المواطن المستحق للتمويل السكني ليس عميلاً عادياً، بل عميلاً استراتيجياً قد تمتد علاقته المصرفية عشرين سنة أو أكثر.

فالتمويل السكني قد يوفر للبنك:

– تمويلاً مرتفع القيمة.

– عائداً منتظماً وطويل الأجل.

– عقاراً مرهوناً يمثل ضماناً.

– دعماً حكومياً محتملاً لجزء من تكلفة التمويل.

– عميلاً مستقراً لفترة طويلة.

لكن استفادة البنك لن تتوقف عند القرض نفسه.

فالعميل قد يحول راتبه إلى البنك، ويستخدم بطاقاته، ويشتري خدمات التأمين، ويطلب تمويل الأثاث والأجهزة والتشطيبات، ويستفيد من خدمات مصرفية أخرى طوال مدة العلاقة.

لهذا قد يصبح المستحقون للرعاية السكنية من أكثر الشرائح جاذبية وتنافساً في القطاع المصرفي خلال السنوات المقبلة.

  • المنافسة بدأت قبل صدور القانون

عند متابعة السوق، نلاحظ أن بعض البنوك لم تنتظر صدور القانون حتى تبدأ تحركها.

فقد ظهرت برامج موجهة للمقبلين على البناء، إلى جانب شراكات مع:

– شركات المقاولات.

– المكاتب الهندسية.

– موردي مواد البناء.

– شركات التشطيبات.

– شركات الأثاث والأجهزة المنزلية.

هذه البرامج ليست بالضرورة جزءاً رسمياً من منظومة التمويل المرتقبة، لكنها قد تكشف عن استعداد مبكر من البنوك لسوق جديدة وكبيرة.

فالبنك لا يريد أن يظهر عند توقيع عقد التمويل فقط، بل يسعى إلى بناء العلاقة مع المواطن منذ بداية رحلته، من مرحلة التصميم واختيار المقاول، حتى التشطيب والتأثيث.

التمويل السكني قد يحرّك سلسلة واسعة من قطاعات البناء والتجهيز والخدمات.

كيف ستتنافس البنوك؟

عند بدء التطبيق، قد تتجاوز المنافسة بين البنوك نسبة الأرباح أو قيمة القسط الشهري.

وقد نشاهد عروضاً تشمل:

– سرعة الموافقة على التمويل.

– فترات سماح قبل بدء السداد.

– خصومات لدى المقاولين والموردين.

– خدمات تصميم واستشارات هندسية.

– منصات لمتابعة مراحل البناء.

– استرداداً نقدياً ومكافآت.

– عروضاً على الأثاث والأجهزة.

– مزايا مرتبطة بتحويل الراتب.

وهنا قد يجد المواطن نفسه أمام مجموعة كبيرة من العروض، لكل منها مزايا وشروط مختلفة، بينما تحاول البنوك الحصول على أكبر حصة ممكنة من هذا السوق.

أرباح مصرفية ممتدة

إذا طُبقت المنظومة وفق التصور المتداول، فقد تشهد البنوك نمواً ملحوظاً في محافظ التمويل السكني والعقاري.

فالبنك سيضخ السيولة، ويحصل على عائد يمتد لسنوات، مع وجود عقار مرهون، إضافة إلى دعم حكومي محتمل للجزء المدعوم.

ولا يعني ذلك أن التمويل خالٍ من التحديات، إذ تبقى هناك احتمالات التعثر، وتأخر مراحل البناء، وارتفاع التكاليف، والمشكلات التشغيلية والقانونية.

لكن وجود الضمان العقاري والدعم الحكومي قد يجعل هذا النوع من التمويل أكثر جاذبية للبنوك مقارنة بأنواع أخرى من التمويل.

وقد ينعكس توسع محافظ التمويل السكني إيجاباً على توقعات أرباح البنوك، وربما على أداء أسهمها، بحسب تفاصيل القانون وحصة كل بنك وسرعة التطبيق الفعلي.

  • حين يبدأ البناء يتحرك الاقتصاد

الأثر لن يتوقف عند البنوك.

فعندما يحصل المواطن على التمويل ويبدأ بناء منزله، تتحرك سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية، تشمل:

* المقاولين والمكاتب الهندسية.

* مصانع الحديد والخرسانة والطابوق.

* شركات التكييف والكهرباء والأدوات الصحية.

* شركات المصاعد والتشطيبات.

* محلات الأثاث والأجهزة المنزلية.

* شركات التأمين والنقل والتخزين.

* المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وهنا تنتقل السيولة من القطاع المصرفي إلى الاقتصاد الفعلي، وتتحول إلى عقود ومبيعات ورواتب وفرص عمل.

وبهذا المعنى، لا يمثل التمويل السكني خدمة اجتماعية فقط، بل قد يصبح محركاً اقتصادياً يربط بين البنوك والعقار والصناعة والتجارة والخدمات.

شراكة محتملة بين الدعم الحكومي والتمويل المصرفي بهدف تسريع إنجاز المنازل وتحريك الاقتصاد.

 

  • من أخبار مصرفية إلى قضية اقتصادية

بدأ الموضوع بأخبار متفرقة عن قانون مرتقب ومنتجات مصرفية جديدة، لكنه تحول تدريجياً إلى قضية اقتصادية تستحق النقاش.

فإذا طُبقت المنظومة بصورة صحيحة، فقد تحقق عدة نتائج:

* تخفيف الضغط عن بنك الائتمان.

* تسريع حصول المواطنين على التمويل.

* فتح سوق جديدة ومربحة للبنوك.

* تحريك قطاعات البناء والتجارة والخدمات.

* توسيع مشاركة القطاع الخاص في الملف السكني.

لكن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون حجم التمويلات الممنوحة، ولا حجم الأرباح التي تحققها البنوك.

السؤال الأهم هو: هل ستنتهي هذه المنظومة بمنازل أكثر، وإنجاز أسرع، وإجراءات أكثر كفاءة، وتمويل يتناسب مع قدرة المواطن؟

الإجابة ستتضح عند صدور التفاصيل الرسمية وبدء التطبيق الفعلي.

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى