مقالات

استقرار المصرفية الإسلامية والمخاطر الهجينة

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

أصدر مجلس الخدمات المالية الإسلامية(IFSB)  تقريره السنوي للاستقرار المالي الإسلامي لعام 2026، والذي يقدم رؤية شاملة وتحليلاً معمقاً لأداء الصناعة خلال عام 2025. وعلي الرغم من تأخر صدور التقرير إلا أنه يكشف عن محطة تاريخية في مسيرة التمويل الإسلامي، حيث واصلت الصناعة نموها القوي لتصل إجمالي أصولها إلى ما يقارب 4.4 تريليون دولار أمريكي، مدعومة بتوسع ملموس في كافة القطاعات، لاسيما في الأسواق الناشئة في أفريقيا وآسيا الوسطى.

مؤشرات أداء البنوك الإسلامية

أظهرت المؤشرات الاحترازية للمصرفية الإسلامية حالة من الاستقرار العام رغم التحديات الاقتصادية الكلية. فقد حافظت معظم البنوك على نسب كفاية رأس مال (CAR) مريحة وفوق الحد الأدنى التنظيمي، مدعومة بالأرباح المحتجزة وإصدارات صكوك رأس المال. ومع ذلك، سجل التقرير تبايناً في جودة الأصول؛ فبينما ظلت نسب التمويل غير العامل  (NPF) منخفضة في دول مجلس التعاون الخليجي وجنوب شرق آسيا، برزت ضغوط واضحة في أسواق أخرى مثل بنغلاديش وكينيا. كما أشار التقرير إلى تراجع هوامش الربحية الصافية في بعض المناطق نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل، مما يضع ضغوطاً على قدرة البنوك على بناء مصدات رأسمالية داخلية في المستقبل.

طفرة في قطاع الصكوك واستقرار في المصرفية

يبرز التقرير أن قطاع المصرفية الإسلامية لا يزال يهيمن على المشهد بنسبة تقارب 70% من إجمالي أصول الصناعة. ورغم استقرار المؤشرات الاحترازية الكلية، إلا أن التقرير يحذر من “جيوب هشاشة” بدأت تظهر في بعض الولايات القضائية، خاصة فيما يتعلق بجودة الأصول في قطاعات العقارات التجارية والتمويل الاستهلاكي.

وفي تحول استراتيجي، سجلت سوق الصكوك إنجازاً تاريخياً بتجاوز حجم الصكوك القائمة حاجز 1.1 تريليون دولار، مع وصول الإصدارات الجديدة في عام 2025 إلى 234.5 مليار دولار. ومن اللافت للنظر النمو المتسارع في التمويل المستدام، حيث قفزت إصدارات الصكوك الخضراء بنسبة 94% على أساس سنوي، مما يعكس التزام الصناعة المتزايد بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG5)

الاتجاه نحو الاندماج وتعزيز الكفاءة

يشير التقرير إلى تزايد الضغوط الرامية إلى الاندماج   (Consolidation) داخل قطاعات الصناعة، لاسيما في قطاع التأمين الإسلامي (التكافل) وبعض الأسواق المصرفية. ويرجع ذلك إلى تركز الربحية بشكل متزايد لدى المشغلين الكبار الذين يمتلكون القدرة على امتصاص تكاليف الامتثال التنظيمي المتزايدة وتطوير البنية التحتية التكنولوجية. وفي ظل المنافسة الشديدة وارتفاع تكاليف التشغيل، يرى التقرير احتمإلا كبيراً لزيادة عمليات الاندماج أو خروج الكيانات الصغيرة من السوق في الأجل القريب، كخطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار المالي والقدرة التنافسية للصناعة.

التحدي الأبرز: ظهور “المخاطر الهجينة”

خصص التقرير فصلاً كاملاً لتحليل ظاهرة “المخاطر الهجينة” (Hybrid Risks)  وهي المنتجات والهياكل التمويلية التي تحاكي في خصائصها الأدوات التقليدية. ويرى التقرير أن هذا التوجه، رغم مساهمته في سرعة التوسع، إلا أنه يغير ملف المخاطر والعوائد للبنوك الإسلامية بطرق لا تستوعبها الأطر الاحترازية الحالية بشكل كامل.

أبرز ملامح المخاطر الهجينة وفقاً للتقرير:

1- مخاطر إعادة التسعير: الاعتماد المتزايد على أدوات ذات عائد ثابت أو مرتبطة بمعايير الفائدة التقليدية يزيد من حساسية الأرباح لتقلبات أسعار الفائدة.

2- قدرة امتصاص الخسائر: الهياكل الهجينة قد تحد من فعالية خاصية “المشاركة في المخاطر” التي تميز التمويل الإسلامي التقليدي، مما يجعل رأس المال أكثر عرضة للصدمات المباشرة.

3- التبعيات التشغيلية: الاعتماد المكثف على “المرابحة السلعية” يربط استقرار البنوك الإسلامية ببنية تحتية خارجية (بورصات السلع والوسطاء)، مما قد ينقل صدمات الأسواق العالمية إلى صلب النظام المصرفي الإسلامي.

 

قراءة في الأرقام والمؤشرات الرئيسية

تظهر البيانات الواردة في التقرير أن إجمالي أصول الصناعة بلغ 4.4 تريليون دولار، وهو نمو مستمر تعززه الأسواق الناشئة بشكل أساسي. وفي سوق رأس المال، حققت الصكوك القائمة رقماً قياسياً بتجاوزها 1.1 تريليون دولار لأول مرة، بينما بلغت الإصدارات السنوية لعام 2025 حوالي 234.5 مليار دولار. كما برز التوجه نحو التمويل المستدام بقوة، حيث حققت الصكوك الخضراء نمواً مذهلاً بنسبة 94%. أما في قطاع التأمين الإسلامي، فقد تجاوزت الأصول 70 مليار دولار، مع نمو ملحوظ في الأسواق الأفريقية والحدودية. وتظل المصرفية الإسلامية هي العمود الفقري للصناعة، حيث تستحوذ على حوالي 70% من إجمالي الأصول العالمية.

 

توصيات السياسة العامة

يختتم التقرير بدعوة الجهات الرقابية والمشرفين إلى:

* تطوير الأطر الاحترازية: لضمان استيعاب المخاطر الهجينة ومعايرة أوزان المخاطر بدقة.

* تعزيز إدارة السيولة: عبر توسيع نطاق الصكوك السيادية عالية الجودة وتطوير أسواق المال الإسلامية النشطة.

* المراقبة الكلية: تتبع مستويات الرافعة المالية والترابط بين البنوك الإسلامية والتقليدية لتجنب انتقال العدوى المالية.

خلاصة القول: يثبت تقرير 2026 أن التمويل الإسلامي لم يعد قطاعاً “متخصصاً” بل أصبح جزءاً نظامياً ومؤثراً في الاقتصاد العالمي. ومع هذا النمو، تأتي مسؤولية أكبر لضمان أن التطور الابتكاري في المنتجات (الهجينة) لا يضحي بجوهر الاستقرار المالي والمبادئ الشرعية التي قامت عليها الصناعة.

وبقراءة متأنية لما وراء هذه الأرقام، يتضح أن تصاعد ‘المخاطر الهجينة’ يفرض تحدياً وجودياً يتجاوز مجرد الامتثال التنظيمي؛ إذ إن جنوح الابتكار المالي نحو محاكاة الأدوات التقليدية قد يؤدي إلى ‘تمييع’ الخصوصية الجوهرية للتمويل الإسلامي القائمة على المشاركة في المخاطر. فبينما تساهم هذه الهياكل في سرعة التوسع السوقي، إلا أنها تخلق نوعاً من ‘الانفصام الهيكلي’ حيث تظل العقود إسلامية في شكلها بينما تتماثل مخاطرها مع الأدوات التقليدية، مما يجعلها عرضة لذات الصدمات السعرية والتشغيلية. لذا، فإن استدامة النمو الذي رصده تقرير 2026، لاسيما في قطاع الصكوك الخضراء والتمويل المستدام، تظل رهينة بمدى قدرة الجهات الرقابية على صياغة أطر احترازية ‘جيل ثالث’ لا تكتفي بمراقبة السيولة ورأس المال، بل تمتد لضبط جودة الابتكار المالي وضمان عدم انحرافه عن مقاصد الشريعة التي تمثل صمام الأمان الحقيقي للاستقرار المالي.”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى