مقالات

كيف يؤثر غسل الأموال في العقارات على الاقتصاد والأسواق؟

 

بقلم/ د. محمد غازي المهنا
محكم تجاري دولي
دكتوراة في الرقابة القانونية على هيئة سوق المال m7md_almuhanna@hotmail.com

يعد قطاع العقارات أحد أكثر القنوات الجاذبة لعمليات غسل الأموال عالمياً، نظراً للسيولة الضخمة التي يتمتع بها، وإمكانية إخفاء الهوية الحقيقية للمشترين والمستفيدين خلف شركات وهمية أو وسطاء. تستخدم هذه الطريقة لتحويل الأموال غير المشروعة الناتجة عن جرائم إلى أصول قانونية ونظيفة قابلة للتداول.

مراحل غسل الأموال عبر العقارات

تمر عملية غسل الأموال في السوق العقاري عبر ثلاث مراحل رئيسية متتابعة ومتداخلة:

* الإيداع (Placement): إدخال المبالغ النقدية غير القانونية إلى النظام المالي عبر دفع مقدمات نقدية لشراء أصول عقارية.

* التمويه (Layering): تنفيذ سلسلة عمليات معقدة مثل إعادة بيع العقار سريعاً، أو تدويره بين عدة شركات وهمية لتشتيت مسار الأموال.

* الدمج (Integration): بيع العقار النهائي واستلام قيمته عبر شيكات بنكية أو تحويلات رسمية، فتظهر كأرباح استثمارية شرعية.

الأساليب الشائعة في القطاع العقاري

يتبع المجرمون عدة حيل لتمرير الأموال القذرة من خلال الصفقات العقارية، ومن أبرزها:

* التلاعب بالأسعار: تسجيل قيمة العقار في العقود الرسمية بأقل أو أعلى من قيمته الحقيقية ودفع الفارق نقداً.

* الشركات الوهمية: تأسيس شركات غامضة أو “صناديق ائتمانية” لاستخدامها كغطاء لشراء العقارات وإخفاء هوية المالك الفعلي.

* تجديد العقارات: شراء عقارات متهالكة وصيانة ديكوراتها بمبالغ نقدية مجهولة المصدر، ثم بيعها بسعر مرتفع لإضفاء الشرعية على العوائد.

* الوسطاء والوكلاء: استغلال أسماء أطراف ثالثة أو أقارب لتسجيل الصفقات بأسمائهم تجنباً للمساءلة القانونية.

المؤشرات التحذيرية لمعاملات العقار المشبوهة

يتحمل الوسطاء والوكلاء العقاريون مسؤولية الإبلاغ عن الصفقات عند رصد المؤشرات التالية:

* الإصرار على الكاش: رغبة المشتري الشديدة في سداد مبالغ ضخمة نقداً دون مبرر اقتصادي واضح.

* البيع السريع غير المبرر: إعادة بيع العقار بفترة وجيزة وخسارة مالية دون أسباب منطقية.

* الهويات المجهولة: رفض العميل تقديم وثائق إثبات الهوية أو إخفاء معلومات المستفيد الحقيقي من الصفقة.

* عدم ملاءمة الصفقة: إبرام صفقات عقارية لا تتناسب مطلقاً مع طبيعة عمل العميل أو دخله المعروف.

جهود المكافحة والالتزامات القانونية

تفرض القوانين الدولية مثل معايير مجموعة العمل المالي (FATF) وتشريعات وزارات التجارة والجهات الرقابية التزامات صارمة لحماية السوق العقاري:

* العناية الواجبة (KYC): إلزام المكاتب العقارية بالتحقق الكامل من هوية العملاء ومصادر أموالهم قبل إتمام الصفقة.

* حظر النقد: تقييد المعاملات العقارية النقدية الكبيرة وفرض قنوات الدفع المصرفية الرسمية لتسهيل تتبعها.

* الإبلاغ الإجباري: إلزام الوسطاء والشركات العقارية برفع تقارير المعاملات المشبوهة فوراً إلى وحدة التحريات المالية في الدولة.

* العقوبات الصارمة: يعاقب المتورطون في هذه العمليات بعقوبات مغلظة تشمل السجن لفترات طويلة، وغرامات مالية ضخمة تصل إلى كامل قيمة الأموال محل الجريمة، بالإضافة إلى مصادرة العقارات.

يتم غسل الأموال في القطاع العقاري عبر أساليب وحيل متعددة لاستغلال القيمة المرتفعة للعقارات وسهولة دمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي. تتنوع هذه الطرق لتشمل التلاعب بالأسعار، إخفاء الهويات، واستغلال الثغرات المالية كما يلي:

1- التلاعب بالأسعار والقيمة العقارية:

– تخفيض القيمة المسجلة: شراء العقار بسعر أقل من قيمته الحقيقية في العقود الرسمية ودفع الفارق نقداً (كاش) للبائع، ثم إعادة بيعه بالقيمة الحقيقية لإظهار الأرباح كعائدات مشروعة.

– المبالغة في تقدير الثمن: شراء عقار بمبلغ ضخم يفوق قيمته السوقية الفعلية للتخلص من كميات كبيرة من الأموال القذرة دفعة واحدة.

– البيع الصوري المتكرر: تدوير العقار بنقله بين عدة أطراف متواطئة بأسعار متصاعدة لخلق مسار مالي معقد يصعب تتبعه.

2- إخفاء الهوية والمستفيد الحقيقي:

– الشركات الواجهة والوهمية: تأسيس شركات ذات هياكل ملكية معقدة في ملاذات ضريبية آمنة لشراء العقارات دون الكشف عن الهوية الحقيقية للمالك.

– التسجيل بأسماء طرف ثالث: شراء العقار وتسجيله رسمياً بأسماء الأقارب، الأصدقاء، أو وكلاء محليين (أسماء مستعارة) لإبعاد الشبهات عن المجرم الحقيقي.

– الصناديق الائتمانية المعقدة: استخدام ترتيبات قانونية خاصة لإخفاء مصدر التدفقات المالية والتحكم في الأصول العقارية عن بُعد.

3- الحيل النقدية والتمويلية:

– الدفع النقدي المباشر: استغلال غياب الرقابة الصارمة في بعض الأسواق لإتمام صفقات شراء عقارية ضخمة مكوّنة بالكامل من مبالغ نقدية سائلة.

– القروض الرهنية الصورية: أخذ قرض عقاري من بنك شرعي وسداده سريعاً باستخدام الأموال غير المشروعة، أو منح المجرم قرضاً لنفسه عبر شركة وهمية يملكها في الخارج.

– إلغاء الصفقات واسترداد الأموال: دفع مقدم مالي كبير لشراء عقار قيد الإنشاء عبر صكوك أو حسابات بنكية، ثم إلغاء العقد والمطالبة باسترداد الأموال بموجب شيكات رسمية نظيفة من المطور العقاري.

4- تطوير وتجديد العقارات:

– الاستثمار في الإنشاءات: ضخ الأموال القذرة في مشاريع البناء والتطوير العقاري لدفع أجور العمال وشراء مواد البناء نقداً دون توثيق دقيق.

– التجديد والصيانة الفاخرة: شراء عقارات متهالكة بأسعار رخيصة وتجديدها بمبالغ نقدية غير مشروعة، ثم بيعها بأسعار مرتفعة لتبرير مصدر الأموال كأرباح استثمارية.

ما هو غسل الأموال في العقارات؟

يشير غسل الأموال في العقارات إلى إخفاء عائدات الأنشطة غير القانونية من خلال معاملات عقارية. وقد يقوم المجرمون بشراء عقارات، أو تجديدها، أو إعادة بيعها بهدف إدخال الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي على أنها أرباح قانونية، وهو أحد أبرز أنواع غسل الأموال في العقارات.

العملاء ذوو المخاطر العالية:

* فرد من دولة خاضعة للعقوبات.

* فرد ذو ثروة عالية.

* كيان ذو هيكل ملكية معقد.

* نشاط العميل مرتبط بقطاع عالي المخاطر.

* كيانات قانونية غير مقيمة.

* عميل لديه نشاط تجاري يعتمد على النقد.

* شخص معرض سياسياً.

يُعد غسل الأموال في العقارات من أكثر الأساليب شيوعًا التي يلجأ إليها المجرمون لإخفاء مصادر الأموال غير المشروعة. ونظرًا لأن معاملات بيع وشراء العقارات غالبًا ما تنطوي على قيم مالية مرتفعة، وجداول دفع قابلة للتفاوض، وتعاملات مع أطراف خارجية عبر الحدود، فقد أصبح هذا القطاع هدفًا رئيسيًا للمجرمين الماليين، خاصة في إطار غسل الأموال من خلال العقارات.

لماذا تُعتبر العقارات عالية المخاطر لغسل الأموال؟

يعود ذلك إلى الخصائص الفريدة لهذا القطاع. إذ تتيح العقارات للمجرمين تحويل الأموال غير المشروعة إلى أصول مستقرة وقابلة لزيادة القيمة، مع إخفاء هوية المالك الحقيقي، ما يجعل غسل الأموال في العقارات نشاطًا جذابًا ومعقدًا في آنٍ واحد.

فيما يلي أبرز الأسباب التي تجعل غسل الأموال من خلال العقارات خيارًا مفضلًا لدى غاسلي الأموال:

* المعاملات عالية القيمة التي تسمح بنقل مبالغ كبيرة دفعة واحدة.

* الأصول القابلة للارتفاع في القيمة، ما يُحوّل الأموال غير المشروعة إلى أرباح تبدو قانونية.

* هياكل الملكية السرية التي تُخفي المالك الحقيقي.

بناءً على طلبك في تصحيح الأخطاء الإملائية فقط للنص الذي أوردته:

تمتد الآثار القانونية والاجتماعية لغسل الأموال في العقارات لتشمل السوق والمجتمع على حد سواء، وتؤدي إلى تشوهات اقتصادية عميقة، من أبرزها:

* ارتفاع الأسعار: يؤدي الطلب غير المشروع إلى تضخم أسعار العقارات، ما يجعلها أقل قدرة على التحمل بالنسبة للمواطنين العاديين.

* تشوه السوق: يصبح من الصعب على المستثمرين الحقيقيين المنافسة أمام ممولي الأنشطة الإجرامية.

* فقدان الشفافية: تضعف هياكل الملكية المعقدة الثقة في السوق العقاري.

* مخاطر السمعة: قد يتعرض الوسطاء والمطورون والشركات لمخاطر الارتباط غير المباشر بمنظمات إجرامية.

* ارتفاع التكلفة التنظيمية: تضطر الحكومات إلى فرض ضوابط إضافية، مما يزيد من أعباء الامتثال على جميع الأطراف.

تعتبر الأسواق العقارية في معظم دول العالم من أكثر الأسواق التي تعاني من الثغرات القانونية، كما عانت في الماضي، ولا تزال تعاني من عدم وجود الدراسات ذات التنبؤات المستقبلية لبعض التصرفات أو القرارات، وعدم التركيز على قياس المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستقبلية لما يحدث في الحاضر. وهذا من الأسباب التي أدت إلى وقوع أزمات اقتصادية في كثير من الدول مثل أمريكا والصين.

بعض الأمثلة والطرق على غسل الأموال بالعقارات

في عام 2018، تم القبض على الوكيل العقاري في لاس فيغاس، لويس إدواردو رودريغيز، بتهمة غسل 250 مليون دولار من خلال تجديد وإعادة بيع المنازل بأسعار أعلى من سعرها الحقيقي، كل ذلك من أجل مساعدة نقابة مخدرات عالمية على إضفاء الشرعية على عائداتها غير القانونية. كذلك، في عام 2021 صدر تحقيق صحفي بشأن الشاب الروسي سيرجي توني، والبالغ من العمر 33 عاماً، باعتبار أن مصدر ثروته المتضخم غير مبرر، خصوصاً أنه ليس لديه أعمال أو تجارة مربحة، ومصدر ثروته هو امتلاكه عقارات تزيد قيمتها عن 50 مليون يورو.

استخدم توني اسم والده، باعتبار أنه شخصية بارزة في شركة سكك الحديد الروسية، وذلك من أجل التغطية على مصدر ثروته غير المبرر. وعند التحقيق أكثر في مصدر أموال سيرجي، وُجد أن لديه شركة في لوكسمبرغ تعاني من عدم شفافية الهيكل المؤسسي، كما وُجدت بعض التعاملات مع شركات مقامة في دول يُعرف عنها أنها جنة للتهرب الضريبي.

كذلك، عانت أستراليا من التلاعب بأسعار العقارات؛ بحيث يتم بيعها بسعر أعلى من سعرها الحقيقي على الأوراق الرسمية، ولكن عند البحث في المعلومات المالية، يوجد أن البيع الحقيقي كان بسعر أقل بكثير من السعر المعلن عنه. وهناك العديد من القضايا المنشورة في الإعلام الأسترالي عن هذا الموضوع. هذه اللمحة المختصرة لبعض من القضايا التي حدثت في دول مختلفة ذات نضج قانوني مرتفع، تعني أن العقار يعتبر من أكثر السلع التي تُستغل في عملية غسل الأموال، لذلك تعج المحاكم في أوروبا، أستراليا، وأمريكا بمثل هذه القضايا.

باعتقادي وخلاصة ما أشرت إليه بالمقال آنفاً: يُعد غسل الأموال في العقارات خطراً متطوراً وديناميكياً يؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وإمكانية تملك العقارات، والنظام المالي ككل. إن فهم أنواع غسل الأموال في العقارات، ومراقبة مؤشرات غسل الأموال في العقارات بشكل مستمر، والالتزام بلوائح مكافحة غسل الأموال في معاملات نقل ملكية العقارات السكنية، يُمكّن المؤسسات من البقاء خطوة متقدمة أمام الممارسات الإجرامية المتغيرة.

وأصبحت التكنولوجيا اليوم عنصراً محورياً في هذه المنظومة الدفاعية. إذ توفّر حلول متقدمة مثل منصة FOCAL لفرق الامتثال والعاملين في القطاع العقاري القدرة على أتمتة عمليات التحقق من الهوية، ومراقبة المعاملات في الوقت الفعلي، ورصد الأنشطة المشبوهة بشكل استباقي. وتسهم هذه القدرات في تعزيز نزاهة الأعمال، وحماية الأسواق، ودعم الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى