مقالات

الحوكمة الرياضية… الاستثمار الذي يبدأ بالإدارة وينتهي بالنمو الاقتصادي

 

بقلم/ عبدالله عبدالكريم الفضلي

 

مع كل نسخة جديدة من بطولات كاس العالم ، يتجدد اهتمام العالم بما يحدث داخل الملاعب ، لكن ما يجرى خارجها لا يقل اهمية ، حيث لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي، بل أصبحت صناعة اقتصادية عالمية تتداخل فيها الاستثمارات، والأسواق المالية، والإعلام، والتقنيات الرقمية، والسياحة، لتشكل أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي. وأصبح نجاح المؤسسات الرياضية والدول في هذا القطاع يُقاس بقدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة، وجذب الاستثمارات، وتعظيم العائد من الأصول الرياضية، وليس فقط بعدد البطولات أو الإنجازات الرياضية.

وفي هذا السياق، برزت الحوكمة الرياضية بوصفها الركيزة الأساسية لتحقيق هذه الأهداف؛ فهي لم تعد مجرد إطار تنظيمي يضمن الالتزام بالتشريعات، بل أصبحت منظومة لإدارة الموارد والأصول بكفاءة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإدارة المخاطر، بما يرفع ثقة المستثمرين ويعزز الاستدامة المالية للمؤسسات الرياضية.

وتشير التجارب الدولية إلى أن القيمة الاقتصادية للرياضة لا تتحقق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بكفاءة الإدارة. فحقوق البث، والرعاية التجارية، والسياحة الرياضية، والاستثمار في الأندية، وصناعة الفعاليات، جميعها تعتمد على وجود بيئة مؤسسية مستقرة تتمتع بحوكمة فعالة، تضمن حسن إدارة الموارد وتعظيم العائد الاقتصادي منها.

وتُعد البطولات الرياضية الكبرى نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فلم يعد تنظيم حدث عالمي مثل كأس العالم مجرد استضافة لمنافسات رياضية، بل مشروع اقتصادي يمتد أثره إلى قطاعات النقل، والسياحة، والضيافة، والعقار، والخدمات، ويترك آثارًا تنموية طويلة الأجل. إلا أن التجارب أثبتت أن النجاح الاقتصادي لهذه البطولات يرتبط بجودة الحوكمة أكثر من ارتباطه بحجم الإنفاق، إذ إن غياب التخطيط والاستدامة قد يحول المنشآت الرياضية إلى أصول مرتفعة التكلفة ومنخفضة الاستخدام بعد انتهاء الحدث.

وفي المقابل، نجحت دول في توظيف البطولات الرياضية ضمن رؤى اقتصادية متكاملة. وتبرز تجربة قطر في كأس العالم 2022 بوصفها مثالًا على ربط الحدث الرياضي بخطط تطوير البنية التحتية، وتعزيز السياحة، وتحفيز الاستثمار، بما ساهم في تعظيم الأثر الاقتصادي للبطولة وتوسيع عوائدها إلى ما بعد انتهاء المنافسات.

كما يعكس تطور إدارة الأحداث الرياضية مفهومًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على تعظيم قيمة كل عنصر في الحدث. فحتى فترات التوقف القصيرة، مثل استراحة شرب المياه، أصبحت تُستثمر تجاريًا عبر الإعلانات ورسائل الرعاة، بما يزيد من قيمة حقوق البث والرعاية ويؤكد أن كل دقيقة في الحدث الرياضي تمثل أصلًا اقتصاديًا قابلًا للاستثمار.

ولذلك، أصبحت الحوكمة أحد العوامل المؤثرة في قرارات المستثمرين وصناديق الاستثمار، إذ تعكس جودة الإدارة، وكفاءة الرقابة الداخلية، وفعالية إدارة المخاطر، واستقرار البيئة الاستثمارية. وكلما ارتفع مستوى الحوكمة، ازدادت ثقة المستثمرين، وانخفضت تكلفة رأس المال، وتعززت فرص بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل.

وفي منطقة الخليج، أصبحت الرياضة جزءًا من استراتيجيات التنويع الاقتصادي، من خلال الاستثمار في الأندية العالمية، واستضافة البطولات الكبرى، وتطوير البنية التحتية الرياضية. وقد أثبتت هذه التجارب أن الرياضة لم تعد قطاعًا خدميًا، بل صناعة اقتصادية قادرة على تنشيط السياحة، وتحفيز الاستثمار، ودعم الاقتصاد الرقمي، شريطة أن تستند إلى منظومة حوكمة تضمن كفاءة الإدارة واستدامة العوائد.

أما في الكويت، فإن تطوير الحوكمة الرياضية يمثل فرصة حقيقية لتحويل القطاع الرياضي إلى مساهم فاعل في الاقتصاد الوطني، عبر تحديث التشريعات، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع كفاءة إدارة الأندية والاتحادات والمنشآت الرياضية، بما يسهم في جذب الاستثمار وخلق قيمة اقتصادية مستدامة تتوافق مع مستهدفات التنمية.

وفي النهاية، أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار الحقيقي في الرياضة لا يبدأ بتشييد الملاعب أو استضافة البطولات، بل ببناء مؤسسات تُدار وفق أفضل ممارسات الحوكمة. فالدول الأكثر قدرة على قيادة مستقبل الاقتصاد الرياضي ليست بالضرورة الأكثر إنفاقًا، وإنما الأكثر كفاءة في الإدارة، والأفضل في تحويل الرياضة إلى صناعة اقتصادية مستدامة تسهم في النمو، وتعزز التنافسية، وتخلق قيمة مضافة .

ويجسد ذلك جوهر الحوكمة الرياضية الحديثة، التي تنظر إلى الحدث الرياضي بوصفه منظومة اقتصادية متكاملة تُدار وفق مبادئ الكفاءة والشفافية وتعظيم القيمة، بما يسهم في تحقيق الاستدامة المالية وتعزيز الأثر الاقتصادي لصناعة الرياضة على المستويين المؤسسي والوطني .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى