النويصيب والخيران.. عندما تتحول الحدود إلى محرك اقتصادي
بقلم الخبيرة العقارية سبيكة محمد البحر
عن مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقارية
أعضاء في (IVSC)
عندما نتحدث عن مستقبل الاقتصاد الكويتي فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع جديدة أو مناطق عمرانية يتم تطويرها، وإنما نتحدث عن إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للدولة، وكيف يمكن تحويل المواقع الاستراتيجية إلى مراكز حقيقية للإنتاج والاستثمار والخدمات.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المنطقة الحرة في النويصيب، ليس باعتبارها مشروعاً منفرداً، وإنما باعتبارها جزءاً من رؤية اقتصادية يمكن أن تربط الكويت بشكل أكثر فاعلية مع المملكة العربية السعودية والأسواق الخليجية.
النويصيب تمتلك ميزة لا يمكن تجاهلها، وهي موقعها على الطريق المؤدي إلى المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يمنحها فرصة لتكون مركزاً للتجارة والخدمات اللوجستية وتخزين البضائع وإعادة توزيعها، إلى جانب استقطاب الشركات والاستثمارات التي تبحث عن موقع قريب من الأسواق الخليجية.
والأهم من ذلك أن نجاح المنطقة الحرة لا يجب أن يقاس فقط بمساحتها أو بعدد المباني والمخازن التي ستقام فيها، وإنما بحجم النشاط الاقتصادي الذي تستطيع أن تولده حولها.
فالمنطقة الحرة الحديثة يمكن أن تجمع بين الخدمات اللوجستية والتجارة والصناعات الخفيفة والتخزين وإعادة التصدير والخدمات المالية والتأمين والنقل، وهو ما يعني خلق سلسلة اقتصادية متكاملة بدلاً من الاعتماد على نشاط واحد.
النويصيب.. فرصة لتغيير مفهوم المناطق الحدودية
في العديد من الاقتصادات العالمية تحولت المناطق الحدودية إلى مراكز تجارية مهمة، لأنها تقع عند نقطة التقاء الأسواق وحركة البضائع.
والكويت لديها فرصة للاستفادة من هذا الموقع، خصوصاً مع وجود سوق سعودي كبير وموقع جغرافي يسمح للكويت بأن تكون جزءاً من حركة التجارة الخليجية.
ومن وجهة نظر عقارية، فإن أي نشاط اقتصادي كبير في النويصيب سيخلق طلباً موازياً على الأراضي والمخازن والمكاتب والسكن والخدمات والفنادق والمطاعم وغيرها من الأنشطة المرتبطة بحركة الشركات والعاملين.
وهنا تظهر أهمية التخطيط منذ البداية، بحيث لا تكون المنطقة الحرة منفصلة عن محيطها، وإنما جزءاً من مدينة اقتصادية متكاملة تتوفر فيها البنية التحتية والخدمات الأساسية.
الخيران.. الوجه الآخر للتنمية
إذا كانت النويصيب يمكن أن تكون بوابة اقتصادية وتجارية، فإن الخيران تستطيع أن تكون مركزاً عمرانياً وخدمياً داعماً لهذا النمو.
الجنوب الكويتي يشهد توسعاً عمرانياً واضحاً، وهذا التوسع يحتاج إلى أكثر من الوحدات السكنية. يحتاج إلى اقتصاد محلي قادر على توفير فرص العمل والخدمات والتعليم والصحة والترفيه والاستثمار.
ومن هنا تأتي أهمية التفكير في تطوير الخيران ضمن رؤية أشمل، تقوم على إنشاء بيئة حضرية متكاملة تستطيع استيعاب النمو السكاني والاقتصادي المتوقع خلال السنوات المقبلة.
المدينة الطبية والجامعة
وجود مدينة طبية متطورة وجامعة ذات تخصصات حديثة في منطقة الخيران يمكن أن يشكل نقلة نوعية إذا تم التخطيط لهما ضمن منظومة واحدة.
فالمدينة الطبية ليست مجرد مستشفى، والجامعة ليست مجرد كليات وقاعات دراسية. النموذج الحديث يقوم على ربط التعليم بالصحة والبحث العلمي والتكنولوجيا.
ويمكن أن تتحول المدينة الطبية إلى مركز إقليمي يستقطب الكفاءات والطلبة والمرضى، بينما توفر الجامعة تخصصات تتناسب مع احتياجات الاقتصاد الجديد، مثل العلوم الطبية والهندسة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإدارة الخدمات الصحية واللوجستيات.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن مثل هذه المشاريع لا تتوقف آثارها عند حدود المشروع نفسه. فالجامعة والمدينة الطبية تخلق حولهما حركة عقارية وخدمية تشمل السكن والمكاتب والفنادق والمطاعم والنقل والخدمات التجارية، وتساهم في رفع قيمة المناطق المحيطة بها على المدى الطويل.
وهذا هو الفرق بين إنشاء مشروع وبين صناعة منطقة اقتصادية متكاملة.
العقار سيكون من أول المستفيدين
كخبيرة عقارية، أرى أن المشاريع الاقتصادية الكبرى لا تغير فقط طبيعة النشاط التجاري، وإنما تعيد تشكيل الخريطة العقارية للمناطق المحيطة بها.
فعندما تنتقل الشركات إلى منطقة جديدة، يظهر معها الطلب على المكاتب والمخازن والسكن والفنادق والخدمات.
وعندما تنشأ جامعة ومدينة طبية، يظهر طلب جديد على السكن الطلابي والاستثماري والمكاتب والشقق الفندقية والخدمات التجارية.
ولهذا فإن التخطيط العقاري يجب أن يسبق النمو، وليس أن ينتظر حدوثه.
وعندما ننجح في ربط التجارة بالعقار، والتعليم بالصحة، واللوجستيات بالاستثمار، والكويت بالسوق السعودي، فإننا لا نبني مشروعاً جديداً فحسب، بل نضع أساساً لمحور اقتصادي يمكن أن يكون له أثر واضح




